بعمر الثانية والعشرين، استطاع الطالب السوري محمد مامو، أن يترك بصمته في عالم صناعة السينما، وهو يدرس الآن تخصص الراديو والتلفزيون والسينما بجامعة غازي عنتاب التركية، ولهذا وجه محمد كل خبراته وطموحاته نحو قصص يسعى من خلالها إلى ترك بصمة لا يمحى أثرها.
حصل محمد على منحة دراسية، وهي مبادرة ألبرت أينشتاين الأكاديمية للاجئين، وبالنسبة له تمثل هذه المنحة شيئاً أكبر من مجرد دعم مالي، فهي السبيل الذي فُتح أمامه لمتابعة دراساته العليا وللتركيز على إبراز صوته الإبداعي في السينما.
رحل محمد عن سوريا خلال السنوات الأولى للحرب، فلجأ في البداية إلى لبنان قبل أن يصل إلى تركيا في عام 2015. ومنذ ذلك الحين تابع دراسته خطوة بخطوة، فدرس في تركيا المرحلة المتوسطة وصولاً إلى الجامعية.
وإلى جانب دراسته، يمارس محمد مسؤولياته في البيت، فهو يعيش مع أمه وشقيقته الصغرى، ويعيل أسرته منذ نعومة أظفاره، فيوازن ما بين عمله وطموحه الأكاديمي. واليوم، يعمل محمد في تحرير الفيديوهات لحسابه الخاص، ويتعاون مع زبائن من مختلف الدول.
إلا أن خلق توازن ما بين العمل والدراسة ومسؤوليات الأهل لم يكن سهلاً على الدوام، ولكن من خلال التصميم على الهدف والإبداع، وكذلك من خلال الدعم الذي قدمته المنحة، واصل محمد استثماره في عشقه للسينما.
إحساس رائع
خلال دراسته الجامعية، أخرج محمد أول فيلم قصيره له حمل عنوان: "نصف تفاحة" وهو مشروع يمثل معلماً مهماً في رحلته كمخرج.
فبسبب محدودية الموارد، اضطلع محمد بعدة أدوار في الإنتاج والإخراج والتمثيل وفي هندسة الصوت والتحرير. فاستغرقت العملية أسابيعاً من التحرير والتخطيط الدقيق، بالاعتماد على دعم الزملاء والأصدقاء في كثير من الأحيان.
يحكي هذا الفيلم قصة شاب يعاني من إعاقة ويحلم بلعب كرة القدم، ويسلط الضوء على العلاقة المتينة التي تربط الأب بابنه، ومن خلال هذه السردية، يسعى محمد لتسليط الضوء على الأمور التي يمارسها الإنسان كل يوم ويعتبرها من المسلمات هي والفرص التي تلوح له مع كل إشراقة شمس.
على الرغم من أن هذا الفيلم كان باكورة أفلامه، حصد فيلم (نصف تفاحة) تقديراً دولياً، صحيح أنه لم يفز بالمركز الأول في مسابقة "First Film Makers " بلندن، بين أكثر من ألف فيلم قدمه مخرجون ومخرجات صاعدون، إلا أن تلك اللحظة كانت فارقة بالنسبة لمحمد، وعنها يقول: "عندما تعمل بجد على شيء ويُعترف بجهدك، فإنك تشعر بإحساس رائع، وهذا الإحساس يدفعك لمواصلة الإبداع".
"حمل انزاح من على كتفي"
بعد حصول محمد على المنحة الدراسية تغيرت حياته، وذلك لأن إعالة أسرته أثناء الدراسة يعني تحمل كثير من الأعباء والمسؤوليات في آن واحد، غير أن المنحة ساعدته وخففت عنه هذا الضغط، وسمحت له بالتركيز على تعليمه وعلى طموحاته الإبداعية بشكل أكبر.
كانت أول مرة سمع فيها محمد عن المنحة من خلال طالب زميل، وكان ذلك بعد فترة قصيرة من دخوله الجامعة، ولهذا تقدم بطلب للحصول عليها فيما بعد، ويحدثنا عن ذلك فيقول: "أزاحت المنحة الدراسية عبئاً ثقيلاً عن كتفي، وعندما ينحسر الضغط المالي، يمكنك أن تركز على تعلم مهارات جديدة، وتطوير القديمة".
ساعدته المنحة أيضاً على الاستثمار في الأدوات الأساسية بالنسبة لعمله، ومن بينها جهاز حاسوب صار يستخدمه اليوم لتحرير الفيديوهات ولتطوير مشاريع لأفلام جديدة.
صناعة أفلام لها صدى
وصل محمد اليوم إلى سنة التخرج في الجامعة، وبقي يواصل تطوير شغفه في مجال السينما، فلديه عدة أفكار لقصص دونها ويأمل بتحويلها مستقبلاً إلى مشاريع سينمائية.
وما تزال عملية خلق توازن ما بين العمل والإنتاج الإبداعي تمثل تحدياً بالنسبة له، وما يزال محمد مصمماً على مواصلة سرد القصص التي تصل إلى الجمهور فيتفاعل معها وتدفعه نحو التفكير والتأمل، وعن ذلك يقول: "هدفي مواصلة صناعة أفلام تترك صدى، إذ يمكن للسينما أن تلامس حياة الناس".
ومن خلال التصميم والموهبة والدعم المقدم من خلال برنامج المنح الدراسية، يواصل محمد تحويل أحلامه إلى حقيقة، فيخلق قصة تلو قصة، ومن خلال تأمل مسيرته، يوجه محمد رسالة إلى الطلاب الآخرين الذين استفادوا من المنحة ذاتها، فيقول: "إن كنت تؤمن بشيء، فاتبعه بكل إصرار، وعندما تكون نيتك راسخة، يمكنك تحقيق أكثر مما تتخيل".
يذكر أن برنامج مبادرة ألبرت أينشتاين الأكاديمية للاجئين للمنح الدراسية دعم ما يربو على 27200 باحثاً وباحثة في تحصيل دراساتهم العليا داخل دول اللجوء، وذلك منذ العام 1992، وعبر الدعم الذي تقدمه الحكومة الألمانية والحكومة الدنماركية، ومؤسسات ومنظمات أخرى، وجهات مانحة من القطاع الخاص.
المصدر: UNHCR