منبج وشرق الفرات .. التحركات التركية والسيناريوهات الراجحة

منبج وشرق الفرات .. التحركات التركية والسيناريوهات الراجحة

الصورة
قوات تركية وأمريكية خلال دورية مشتركة في منطقة منبج (رويترز)
10 تشرين الثاني 2018
فراس فحام - تلفزيون سوريا

بعد الوصول إلى تهدئة مع روسيا في الشمال السوري عبر تفاهم "سوتشي"، حددت تركيا وجهتها التالية في سوريا بمناطق منبج وشرق ضفة نهر الفرات، حيث ضمن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" مؤتمره الصحفي مع نظيره الروسي "فلاديمير بوتين" في منتصف شهر أيلول الماضي بعبارة:" إن التهديد الأكبر لمستقبل سوريا ينبع من أوكار الإرهابيين في شرق الفرات أكثر من إدلب".

عاصفة التصريحات التي أطلقها المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم "أردوغان" و وزير الدفاع "خلوصي آكار"، تزامنت مع تسخين جبهات القتال بقذائف مدفعية وصاروخية على مواقع "وحدات حماية الشعب" ، الممتدة من شرق جرابلس بريف حلب وصولاً إلى ريف مدينة تل أبيض في الرقة.

 

لماذا تهتم تركيا بمنطقة شرق الفرات؟

بالنسبة لتركيا فإن المقومات الحقيقية لتأسيس كيان انفصالي في سوريا من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكري "وحدات الحماية"، تتوفر في مناطق منبج وشرق الفرات أوضح من باقي المناطق كعين العرب "كوباني" و "عفرين".

وتعتبر الضفة الشرقية لنهر الفرات خزاناً للموارد الطبيعية، حيث تتوفر على ما يقارب ثلثي الثروة النفطية والغازية لسوريا، وأبرزها حقل "كونيكو" و "التنك" في محافظة دير الزور، وهي تقع جميعها حاليا تحت سيطرة القوات الأمريكية و"الوحدات".

وارتكز "مجلس سوريا الديمقراطية" الذي يعتبر "حزب الاتحاد الديمقراطي" أكبر مكوناته على موارد منطقة شرق الفرات والمساحات الواسعة فيها في عملية الإعلان عن تأسيس " الإدارة الذاتية المشتركة " في شهر أيلول عام 2018، ومن المفترض أن تضم هذه الإدارة كلاً من منبج وعين العرب ( كوباني) وتل أبيض وصولاً إلى محافظة الحسكة، الأمر الذي من شأنه أن يرفع حساسية أنقرة ويكرس هاجسها المتعلق بتأسيس كيان كردي معادٍ يحاذي حدودها ويصل الأراضي العراقية مع السورية والتركية.

وشكلت مناطق شرق الفرات طيلة السنوات الماضية ممراً لتهريب الأسلحة التي تتلقاها "وحدات الحماية" إلى الجماعة الأم في تركيا "حزب العمال الكردساتي"، الذي خاضت ضده القوات التركية منذ عام 2015 معارك طاحنة جنوب شرق البلاد، وذلك بعد عزمه إعلان إدارة ذاتية في ولايات تركية بارزة مثل ديار بكر وماردين وشرناق.

وشكلت منطقة عفرين الواقعة غرب نهر الفرات، و مناطق "كوباني" و "رأس العين"و "الدرباسية" و" تل أبيض"، بالإضافة إلى جبال قنديل في العراق ملاذات آمنة لقيادات حزب العمال الكردستاني وكوادره الهاربين من جنوب شرق تركيا عقب بسط الجيش التركي السيطرة شبه الكاملة على المنطقة بعد مواجهات استمرت لأكثر من سنة.

ويعتبر كل من حزب العمال الكردستاني و"حزب الاتحاد الديمقراطي" أن عملية وصل إقليم كردستان العراق بشرق الفرات  ثم عفرين في سوريا محطات ضرورية من أجل إيجاد ممر باتجاه البحر المتوسط لتسهيل تصدير النفط والغاز إلى أوروبا، وبدون هذا الممر ستبقى ما يعرف بـ "دولة كردستان الكبرى" المنشودة محكومة للدول الإقليمية وعلى رأسها تركيا.

وتسعى أنقرة أيضاً من خلال إنهاء سيطرة "وحدات الحماية" على منبج وشرق الفرات إلى سحب ورقة ضغط مهمة من أيدي الأطراف الدولي، التي وجدت في المنطقة أرضية خصبة للاستثمار فيها بغية الضغط على تركيا، والحديث هنا عن دول أوروبية عديدة، وأخرى عربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي حولت دعمها بشكل واضح إلى شرق الفرات منذ الأزمة الخليجية والتدخل التركي فيها لصالح قطر.

 

التحركات التركية

اعتباراً من الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول الفائت أطلق الجيش التركي موجة من القصف المدفعي على مواقع "الوحدات الكردية"، واستهل قذائفه باستهداف موقعاً للوحدات في "زور مغار" غرب "كوباني"، ونقطة مراقبة استراتيجية بالقرب من بلدة "الشيوخ"، حيث نتج عن الهجمات مقتل عنصرين وجرح 5 آخرين.

وفي الواحد والثلاثين من نفس الشهر تركز القصف التركي على مناطق "خربة عطو" و "سليم علي كور" و "إشمة" في ريف تل أبيض، كما تجد القصف على مواقع الوحدات في "زور مغار"، الأمر الذي أدى لمقتل قرابة عشرة عناصر.

وطلبت تركيا من بعض فصائل الجيش الوطني السوري وعلى رأسها ( أحرار الشرقية – جيش الشرقية ) بالإضافة إلى مجلس منبج الثوري رفع الجاهزية القتالية، كما شهدت قاعدة غزل التركية في ريف حلب الشمالي تكثيفاً للتدريبات لرفع جاهزية فصائل الفيلق الأول من الجيش الوطني السوري المتمركزة فيها.

وتوزع قرابة 800 مقاتل من الفصائل السورية على ضفة نهر الفرات الغربية بمواجهة "زور المغار"، بالإضافة إلى قضاء " سوروج" داخل الأراضي التركية المقابل لمدينة "كوباني" و قضاء" إقجه قلعه" المواجه لمدينة تل أبيض، بالتزامن مع وصول تعزيزات للجيش التركي من ولايات أسبرطة وإسطنبول وعنتاب إلى الشريط الممتد من إقجه قلعه إلى سوروج.

وفي مطلع شهر تشرين الثاني الحالي زار وفد من كبار الضباط في وزراة الدفاع وهيئة الأركان التركية الشريط الحدودي المقابل لمدن تل أبيض وكوباني و زور مغار، بالتزامن مع تحليق لطيران الاستطلاع، في ما يعتقد أنه عملية رصد وتقييم للتحصينات التي أجرتها "وحدات الحماية" في تلك المناطق.

وتعمل أنقرة على تكثيف الدعم الشعبي لتحركاتها العسكرية المرتقبة بالمنطقة، حيث تم عقد المؤتمر الشعبي الأولي في الثاني من الشهر الجاري لفعاليات منبج الشعبية والمدنية في مدينة جرابلس بهدف لفت الأنظار لوضع المنطقة، ونقاش التصورات والخطط الخاصة بإدارتها، كما عقد وجهاء عشائر في الثامن من شهر تشرين الثاني اجتماعاً بولاية أورفة التركية وطالبوا فيها بتسريع العملية العسكرية المرتقبة، ومن المفترض أن يعقد مؤتمراً أوسع حول منبج في الثالث عشر من الشهر الحالي، و من المقرر أن يحضره وفداً رفيعاً من الجانب التركي و يحظى بتغطية كبيرة لوسائل الإعلام التركية الرسمية منها والخاصة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تسيير الدورية المشتركة الثانية بين الجيشين التركي والأمريكي في منبج، والتي باتت تصل إلى منطقة "أم جلود" الخاضعة لنفوذ "وحدات الحماية".

 

الحدود المتوقعة للعملية التركية

من غير الراجح أن يكون مصير مناطق منبج وشرق الفرات مشابهاً لكل من "عفرين" ومنطقة عمليات "درع الفرات"، وذلك لاختلاف الجهات الدولية الفاعلة بين المنطقتين، حيث تحظى "الوحدات" في منبج وشرق الفرات بغطاء أمريكي.

وألمحت تركيا في وقت سابق عقب التوصل إلى خارطة طريق "منبج" في شهر أيار إلى أنها تمتلك تفاهماً مع واشنطن لا يتعلق فقط بـ "منبج" وإنما يمتد ليشمل الضفة الغربية لشرق الفرات.

ويقوم التصور المبدئي المبنية عليه المقاربة التركية – الأمريكية بتمكين المكون العشائري العربي بشكل تدريجي على حساب "الوحدات"، وتأسيس مجالس محلية جديدة تعتمد على كوادر من أبناء العشائر الفاعلة، بحيث يتولى كل مجلس إدارة المنطقة المنحدر منها لمدة 6 أشهر، قبل الدعوة إلى انتخابات مجالس محلية وهيئات تشريعية في عموم المنطقة يناط بها الحكم الذاتي تحت إشراف مشترك تركي – أمريكي بما يضمن مصالح الطرفين.

ويبدو أن واشنطن تسعى لتطمين أنقرة من بوابة منبج، حيث شرعت فعلياً بتأسيس جيش عشائري قوامه 2000 مقاتل ليتولى السيطرة الفعلية كبديل عن مجلس منبج العسكري المرتبط بـ "الوحدات الكردية"، ومن المقرر أن يشرف على تأسيس الجيش وقيادته شخصيات منتمية لعشيرتي "البوبنا" و "العون".

ومن المرجح أن تشهد المنطقة الممتدة من "زور مغار" إلى حدود "كوباني" و منطقة تل أبيض عملية عسكرية محدودة من الجانب التركي في أية لحظة بعد أن تم استكمال التجهيزات لها، وستسعى أنقرة من خطوتها هذه إلى التوغل بشكل أكبر بالقرب من الشريط الحدودي، وإقامة نقاط مراقبة جديدة تساعدها في التضييق أكثر على تحركات "الوحدات"، بالإضافة إلى المزيد من عزل "كوباني" عن محيطها ،خاصة وأن الشريط الممتد بين "زور مغار" و "كوباني" لا يتضمن تواجدا أمريكاً، في حين أن التمركز الأمريكي في مدينة تل أبيض غير دائم ولا توجد فيها قواعد عسكرية ثابتة.

إن إطلاق عملية عسكرية من قبل الجانب التركي لايعني بالضرورة الدخول في تصعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية، طالما أن الهجمات لن تؤدي لتهديد حقيقي للقواعد الأمريكية بالمنطقة، على العكس من ذلك فإن أنقرة ستركز على بلورة آلية تنفيذية للتفاهمات المبدئية التي تمتلكها مع واشنطن حول المنطقة مع الاستمرار التلويح بالعمليات العسكرية والتقارب مع موسكو كنوع من الضغط.

ويبدو أن لقاء القمة المرتقب ببين "أردوغان" و "ترمب" خلال منتدى باريس للسلام المزمع عقده اليوم السبت، سيسهم بشكل كبير في رسم مستقبل العلاقات بين الجانبين وبالتالي مآل نجاح التفاهمات حول منبج وشرق الفرات.

شارك برأيك