منبج.. هدف المعارضة الاستراتيجي ومفتاح المنطقة الآمنة شمالي سوريا

منبج.. هدف المعارضة الاستراتيجي ومفتاح المنطقة الآمنة شمالي سوريا

1176007260.jpeg
مدخل مدينة منبج شرقي حلب - أ ف ب

تاريخ النشر: 21.06.2022 | 07:11 دمشق

آخر تحديث: 21.06.2022 | 07:19 دمشق

رغم المعلومات المتضاربة حول تأجيل العملية العسكرية ضد "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) إلا أن ناشطي منطقة منبج ومقاتليها الموزعين على عدة تشكيلات عسكرية معارضة في ريف حلب لديهم ثقة بأن المعركة وشيكة، وما يزالون يرتبون صفوفهم ويهيئون أنفسهم للقادم.

وتبدو خطوة تأسيس المجلس العسكري لمنطقة منبج مؤخراً من أهم الخطوات الهادفة إلى توحيد الجهود "لإنجاح" العملية العسكرية المرتقبة، إذ يقول رئيس المجلس العسكري النقيب عدنان حاج محمد لموقع تلفزيون سوريا إن "المجلس يضم مقاتلي الجيش الوطني المنحدرين من منطقة منبج، وآخرين يتبعون لعدة تشكيلات، وقد تم جمعهم تحت مظلة واحدة من أجل تنسيق الجهود العسكرية، والعمل في مرحلة ما بعد التحرير على حماية المنطقة، وحماية الناس وممتلكاتهم ومنازلهم ومنع التجاوزات والانتهاكات بحق المدنيين".

منطقة منبج

تمتد سهول منطقة منبج الواسعة على الضفة الغربية لنهر الفرات في مجراه السوري الأعلى، والذي تجاوره لمسافة تزيد على 80 كيلومترا قبل دخوله الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، وتضم المنطقة مركز المدينة وقرابة 300 قرية وبلدة موزعة على ثلاث نواحٍ، هي الخفسة وأبو قلقل ومسكنة، وتعد من أكبر مناطق محافظة حلب في ريفها الشمالي الشرقي، وأكثرها استقراراً.

حافظت المنطقة خلال 10 سنوات على معدلات عالية من الكثافة السكانية، وكانت في معظم الأحيان منطقة جاذبة للسكان والأنشطة الاقتصادية على تنوعها، إلّا أنها كانت تصاب بالشلل وتتحول لمنطقة طاردة لفترات زمنية محدودة تزامناً مع تغير الجهة المسيطرة.

انخرطت منبج بفعالية في أنشطة واحتجاجات الثورة السورية المطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد، وفي الربع الأخير من العام 2012 سيطرت فصائل الجيش الحر عليها، وخسرتها في كانون الثاني من العام 2014 لصالح تنظيم "الدولة" الذي حولها لقاعدة عمليات استراتيجية مستفيداً من موقعها، ولكونها تشرف على عقدة طرق تربط مناطق غرب وشرق الفرات، وفي شهر آب من عام 2016 سلم التنظيم الجزء الأكبر من المنطقة لقسد التي وصلتها بدعم من التحالف الدولي، وتقدمت قوات النظام نحو الجزء المتبقي من منطقة منبج، حيث يسيطر النظام على ناحيتي مسكنة والخفسة.

التركيبة السكانية

يزيد عدد سكان منطقة منبج على مليون نسمة، قرابة 400 ألف نسمة منهم هم من النازحين، ويشكل العرب الغالبية العظمى في المنطقة ويتوزعون على 29 عشيرة وقبيلة عربية، وفيها الأكراد والشركس بنسبة قليلة.

 يقول المعارض السوري حسن النيفي في حديث مع موقع تلفزيون سوريا إن "منطقة منبج تمتاز بتنوع سكاني عرقي مع غالبية عربية، ولكن لم تشهد عبر التاريخ أي شكل من أشكال الصراع العرقي أو الطائفي، أضف الى ذلك أن لها تجربة متميزة خلال الثورة فهي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على ممتلكات الدولة وتوفير الخدمات للمواطنين أي إنها بالفعل حققت شعار إسقاط النظام والحفاظ على مؤسسات الدولة".

الموقع الاستراتيجي

لمنطقة منبج موقع جغرافي استراتيجي، فهي تعد المنطقة الفاصلة بين شرقي نهر الفرات وغربه وقريبة من الحدود السورية التركية ومدينة حلب، وفيها عقدة الطرق المؤدية إلى مختلف مناطق الريف الشرقي والشمالي لحلب، كما أن مرور الطريق الدولي M4 من خلالها منحها أهمية أكبر.

وكانت بالنسبة "لقسد" في الفترة ما بعد العام 2016 أهم بوابة اقتصادية، إذ تتصل بمناطق المعارضة بريف حلب بمعبرين هما الحمران وعون الدادات واللذان يغذيان مناطق "قسد" بمختلف البضائع والمواد الغذائية والتحويلية والمواد المصنعة، ومن خلالها تشتري المعارضة كميات كبيرة من النفط والمحروقات التي تعود على قسد بواردات مالية ضخمة، كما تصلها بمناطق النظام بحلب عبر معبر التايهة جهة الشرق.

تحولت منطقة منبج، ومركز المدينة على وجه الخصوص، خلال فترة سيطرة "قسد" إلى وجهة مفضلة لأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حيث شهدت المدينة افتتاح أعداد كبيرة من الورش والمعامل التي فر أصحابها من حلب (كالخياطة والألبسة الجاهزة وورشات الإصلاح، ومعامل البلاستيك والأدوية ومواد تجميل) وشهدت أيضاَ توسعاً عمرانياً هائلاً خلال 6 سنوات مضت بسبب زيادة الطلب على المنازل واستمرار تدفق النازحين القادمين من مختلف المحافظات إليها.

يقول المعارض النيفي إن "منبج هي أكبر منطقة في ريف حلب، وتشكل من الناحية الاقتصادية محوراً هاماً لكونها بوابة لمنطقة شرق الفرات وفي الوقت ذاته قربها من الحدود التركية، ما يجعلها نقطة ارتكاز محوري من الناحية الجيوسياسية والعسكرية، وربما لهذا السبب هناك دوما صراع بين القوى والدول على هذه المدينة".

ويرى المحلل العسكري العقيد مصطفى بكور أن "منبج بالنسبة لتركيا تعني عزل الحسكة والقامشلي في الشرق السوري الأقصى عن حلب، أي خنق قسد في منطقة حلب بالكامل وعزلها كلياً عن الشرق، كما أنها مهمة لخطة تركيا لإقامة المنطقة الآمنة وإنشاء مدن جديدة فيها لإتاحة عودة أعداد أكبر من اللاجئين السوريين".

ويضيف العقيد بكور خلال حديث مع موقع تلفزيون سوريا أن منبج تكتسب أهمية استراتيجية من خلال قربها من سد تشرين الذي يمكن استثماره لتعزيز الاقتصاد في المنطقة المحررة، وتضم المنطقة أراضي خصبة ما يعني زيادة الثروة الزراعية وتأمين المزيد من فرص العمل، كما أن العشائر العربية الكبيرة التي توجد بها يمكن أن تشكل قوة كبيرة داعمة في حال تم العمل على استمالتها".

السيطرة على منطقة منبج تمكّن فصائل المعارضة والجيش التركي من التوسع على حساب "قسد" شرقاً وتحقيق أهداف بارزة أهمها، وصل مناطق سيطرة الفصائل في درع الفرات بمناطق سيطرتها بمنطقة نبع السلام، أي خلق اتصال جغرافي بين محافظتي الرقة وحلب، ما سيوفر على المعارضة الكثير ويفتح أمامها آفاقا جديدة للضغط على قسد ومحاصرتها، فالمسافة بين منبج ونبع السلام لا تزيد على 50 كيلو متراً، وفي حال تحققت بالفعل فإن قسد في عين العرب (كوباني) ستكون بين فكي كماشة.

الواقع العسكري

يتواصل قصف الفصائل المعارضة والجيش التركي على مواقع "قسد" في منطقة منبج، وتشهد المنطقة تحليقاً متقطعاً للطائرات التركية المسيرة، وتسبب القصف بتدمير قسم كبير من تحصينات ودفاعات قسد على أطراف قرى الهوشرية والجات والتوخار وعون الدادات والمحسنلي وعرب حسن وأم عدسة والصيادة واليالنلي وقرت وويران وكورهيوك والحمرا والبوغاز والكاوكلي وجب الحمير والعريمة وفاوفلي ووريدة وجبل الصيادة وخربة الماص وغيرها من القرى القريبة من الجبهات، غرب وشمال منبج، التي حولتها "قسد" لنقاط تمركز متقدمة وحشدت فيها تعزيزات ضخمة أخيراً، وسمحت لقوات النظام التي بدأت تتدفق نحو المنطقة مع بداية شهر حزيران الحالي بالتمركز في بعضها.

من جانبه أكد قائد عمليات الفيلق الثالث في الجيش الوطني العميد عبد السلام حميدي لموقع تلفزيون سوريا أن "منطقة منبج في قائمة أهداف العملية العسكرية لعدة أسباب وأهمها الموقع الاستراتيجي في خريطة السيطرة بحيث ستكون بوابة لفتوحات أكبر، بالإضافة إلى المميزات البشرية والاقتصادية التي تتمتع بها المنطقة والتي لها أثر إيجابي على قوى الثورة".

بدأ نظام الأسد مبكراً بمنافسة المعارضة على منبج، وقد سبق أن دخلت قوات النظام إلى بلدة العريمة شرقي المدينة بدعم من القوات الروسية في العام 2018 عندما هددت تركيا بشن عملية عسكرية ضد "قسد" في منبج، أي بعد فترة وجيزة من انتهاء عملية "غصن الزيتون" في عفرين، وما تزال بلدة العريمة تحتضن تشكيلات تتبع لقوات النظام منذ ذلك الوقت، وقد شهدت مؤخراً وصول تعزيزات عسكرية انتشرت في جبهاتها الشمالية الغربية.

وأرسل النظام مزيدا من التعزيزات العسكرية لتنتشر في منطقة منبج وبقيت الأرتال تنتظر إذن الدخول عند معبر التايهة ليومين إلى أن سمحت "قسد" بمرور قسم منها، ويبدو أن سبب التأخير هو تعثر المفاوضات بين "قسد" والنظام برعاية روسية، وربما فشلها، فالنظام زج بأعداد وعتاد حربي حاول من خلاله الانتشار في مركز المدينة ليعزز وجوده في عموم المنطقة ولتطبيق رؤيته التي طرحها خلال التفاوض مع "قسد"، وهذا ما رفضته الأخيرة، وسمحت فقط بزيادة نقاط الانتشار في خطوط التماس والخطين الدفاعيين الأول والثاني شمال وغرب منبج.

قال المتحدث باسم تيار المستقبل الكردي علي تمي لموقع تلفزيون سوريا إن " النظام حشد قواته على تخوم منبج فقط، وفشل في دخول مركز المدينة، وخلال المفاوضات بين قسد والنظام التي رعتها القوات الروسية، طلب النظام تسليم منبج بشكل كامل وإزالة كل الرموز المتعلقة بقسد وحزب العمال الكردستاني مقابل حماية المنطقة ومنع عملية عسكرية، لكن قسد رفضت وسمحت فقط بانتشار مشترك في جبهات القتال وأن يقاتل النظام معهم للدفاع عن المنطقة، ونتيجة المفاوضات بين الطرفين في منبج هي ذاتها بما يخص المناطق الأربعة (تل رفعت ومنبج وكوباني وعين عيسى)، وأعتقد إذا خيرت قسد ما بين النظام والمعارضة المدعومة من تركيا فستسلم الأخيرة تطبيقاً للرغبة الأميركية، لذا أعتقد بأن الاتراك ينتظرون الحصول على ضوء أخضر أميركي ومن الناتو، فهم لن يخاطروا بعملية بدون غطاء سياسي".

يبدو الواقع العسكري في منطقة منبج مختلفا عن باقي مناطق سيطرة "قسد" فالمنطقة التي يدير شؤونها العسكرية والمدنية قادة في "حزب العمال الكردستاني" ويولونها أهمية كبيرة تحوي تشكيلة واسعة من المجموعات والألوية العسكرية، أهمها مجلس منبج العسكري، ولواء ثوار إدلب الذي يتزعمه علاء إسكندر، وقوات جبهة الأكراد، ولواء الشمال الديمقراطي الذي يتزعمه أبو عمر الإدلبي، وجيش الثوار الذي يتزعمه أبو علي برد، بالإضافة إلى مجلس منبج العسكري ومجلس الباب العسكري.

وتشكل جيش الثوار في أيار من العام 2016 من اندماج 7 فصائل هي "تجمع ثوار حمص" و"كتائب شمس الشمال" و"لواء المهام الخاصة" و"جبهة الأكراد" بقيادة صلاح جبو، و"لواء 99 مشاة" و"لواء السلطان سليم" إضافة إلى "فوج 777"، ولاحقاً تلاشت مكونات في جيش الثوار وانشقت أخرى عن الجيش لتشكل ألوية خاصة مثل لواء ثوار إدلب وجبهة الأكراد والشمال الديمقراطي وغيره، والقسم الأكبر من هذه التشكيلات فرت من عفرين وريف حلب بعد سيطرة المعارضة على المنطقة، وكانت منبج وجهتها الرئيسية ومكان تمركزها، وجميع التشكيلات تأتمر اليوم بأمر قادة العمال الكردستاني في المنطقة وتشكل جبهة دفاع قوية.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار