تواصل مديرية المتاحف والآثار في حلب جهودها لإعادة تجميع آثار منطقة منبج في الريف الشمالي الشرقي وحمايتها من الضياع، عبر نقلها إلى مبنى الحمام العثماني في قلب المدينة، تمهيداً لتأهيله كموقع مؤقت لحفظ المقتنيات التراثية، وتأتي هذه الخطوة وسط مطالب متزايدة بإنشاء متحف دائم يليق بتاريخ المنطقة الزاخر بالحضارات.
وقال مدير مديرية المتاحف والآثار في حلب، منير القسقاس، لموقع تلفزيون سوريا، إن المديرية تواصل عملها في جمع ما تبقى من آثار مبعثرة في المنطقة، حيث نُقلت دفعة جديدة من القطع الأثرية إلى مبنى الحمام العثماني، وذلك بالتعاون مع إدارة المنطقة ومنظمة "تراث من أجل السلام".
وأوضح القسقاس أن هذه الخطوة تأتي في إطار الحفاظ على المقتنيات التراثية وصون الإرث الثقافي للمنطقة، من خلال وضعها في موقع آمن يحميها من التلف.
وكانت مديرية المتاحف والآثار في حلب قد نقلت في أوائل شهر أيلول/سبتمبر الحالي 11 قطعة أثرية من مواقع متفرقة في منطقة منبج إلى الحمام العثماني. وضمت القطع المنقولة حينها منحوتات بازلتية سوداء، بعضها مجسم والآخر نافر، بالإضافة إلى قواعد حجرية كانت تُعرض في ساحة حديقة معمل النسيج خلال السنوات الماضية.
وشهدت منطقة منبج منذ أشهر تحركات مكثفة لحماية قطع أثرية واسترداد أخرى، في ظل تكرار حوادث السرقة والتهريب، وتعدد القوى التي سيطرت على المنطقة بعد عام 2011. وبدأت الجهود الرامية للحفاظ على الآثار فيها منذ أواخر عام 2024، أي بعد استعادة السيطرة عليها وخروج قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وأكد القسقاس أن عملية تجميع الآثار تشمل عدة مراحل: البحث والاستعلام عن القطع المسروقة والمبعثرة في مناطق مختلفة، ثم نقل القطع الأثرية إلى الحمام العثماني، ومن ثم إعادة ترميم المتضرر منها.
يُذكر أنه في 20 من تموز/يوليو الماضي، استلمت مديرية الآثار والمتاحف في حلب ما يزيد على ألف قطعة أثرية، بالتعاون مع محافظة حلب وقيادة منطقة جرابلس ووزارة الدفاع. وتنوعت القطع المستردة بين فخارية وزجاجية وبرونزية، إضافة إلى تماثيل حجرية تعود إلى فترات تاريخية متعددة.
وأعلنت المديرية، في 19 من آب/أغسطس الماضي، عن اكتشاف شاهدة جنائزية في منطقة منبج تعود لمدفن روماني، تحمل نقش طائر العقاب، الذي تصفه المديرية بأنه يمثل الهوية البصرية الجديدة لسوريا.
الحمام العثماني
يقع الحمام العثماني وسط مدينة منبج، وتحديداً في قلب المربع الأمني، ما يعني أن عنصر الحماية متوفر، وهو على الأرجح ما يبرر نقل القطع وتجميعها داخله، كونه أحد أهم المعالم الأثرية والتاريخية في المدينة.
وبحسب القسقاس، يرجع اختيار الحمام العثماني ليكون متحفاً مؤقتاً إلى توافق موقعه مع المعايير الدولية لحفظ القطع الأثرية، وأبرزها ما ورد في ميثاق البندقية لعام 1964، بالإضافة إلى ملاءمته المعمارية والتاريخية.
وأضاف أن هناك خطة لتأهيل الموقع ليكون مناسباً للحفاظ على الآثار، ومن المفترض أن تشمل عمليات التأهيل تجهيز البنية التحتية، وتوفير بيئة ملائمة لحماية القطع من العوامل الجوية، إضافة إلى شروط عرض تتيح للجمهور مشاهدتها مستقبلاً.
ومن المنتظر أن تحظى منطقة منبج بمتحف خاص بها خلال الفترة القادمة، فالمنطقة زاخرة بالآثار التي تعود إلى حقب تاريخية متنوعة، بعضها إلى العصر الكلاسيكي وأخرى إلى الفترة ما بعد الميلاد.
وشدد مدير مديرية المتاحف والآثار في حلب على أن المديرية تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على الآثار وإعادة تجميعها واستردادها بعدما فُقدت أعداد كبيرة منها، فضلاً عن الضرر الكبير الذي لحق ببعض المواقع التاريخية، وبالأخص وسط مدينة حلب (الأسواق التاريخية حول القلعة)، نتيجة للقصف الجوي والبري للنظام المخلوع خلال سنوات الثورة، إضافة إلى أضرار سببها الزلزال والإهمال وعوامل الزمن.
أما ميثاق البندقية الصادر عام 1964، فهو وثيقة دولية وضعتها منظمة (ICOMOS) لتنظيم عمليات حفظ وترميم المباني والمواقع الأثرية، وينص على أهمية احترام البنية التاريخية للموقع ومحيطه العمراني، والحفاظ على النسب المعمارية من دون إجراء تعديلات قد تشوه العلاقة بين أجزائه، إلى جانب التوثيق الدقيق لكل مراحل الحفظ والترميم لضمان الشفافية وإمكانية الرجوع إلى السجلات في أي وقت.
