مناطق الجيش الوطني تملؤها الملغمات.. من يضبط بوصلة الأمن؟

إسطنبول - تيم الحاج

"لا تكاد تخمد نيران تفجير ملغمة في منطقة حتى تشتعل مجدداً بتفجير آخر في منطقة أخرى، وحتى دماء الضحايا لن تجف قبل انتهاء هذه المعاناة التي تؤرق السكان"، بهذه العبارة يصف محمود أبو غنوم لموقع تلفزيون سوريا شعور سكان مناطق سيطرة الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، نتيجة ازدياد عدد الملغمات التي تضرب الأحياء السكنية والأسواق والمرافق العامة.

يستذكر أبو غنوم رفاقه الثلاثة الذين قضوا في تفجير ملغمة أمام مسجد عمر بن الخطاب بمدينة الباب مطلع تموز 2019، قائلاً "كنا نعمل في ذلك اليوم سوية في ورشة إصلاح دراجات نارية حين وضع أحدهم كيساً ملغماً بالقرب منا لينفجر وينهي حياة أصدقائي".

يؤكد أبو غنوم، أن حالة القلق والخوف باتت تسيطر على معظم سكان المنطقة، ويشير إلى أن أساليب تفجير الملغمات باتت لا تعد ولا تحصى "حتى في أكياس الخضار وفي البرادات المستعملة وضعوا الملغمات".

رصد موقع تلفزيون سوريا، منذ مطلع عام 2020 وحتى الساعة، عشرات التفجيرات التي أودت بحياة مدنيين، وأخرى ضربت مواقع وحواجز عسكرية، خاصة في ريفي الحسكة والرقة ضمن المنطقة الممتدة من رأس العين إلى تل أبيض، وهي المنطقة التي سيطر عليها الجيشان الوطني السوري والتركي بعد معارك مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، في تشرين الأول 2019، ضمن عملية "نبع السلام".

طالت التفجيرات وفق الرصد، مدن الباب وعفرين وجرابلس واعزاز والراعي في ريف حلب، إلا أنها أخذت بعداً تصاعدياً في كل من مدن ريفي الرقة والحسكة كـ رأس العين وتل أبيض.

"نبع السلام" البداية

منذ انتهاء عملية "نبع السلام" بعد اتفاق روسي- تركي وقعه الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في مدينة "سوتشي"، وقضى بتوقف المعارك وانسحاب "قسد" من الحدود مع تركيا، بدأت سلسلة التفجيرات تتصاعد في المنطقة، ووصلت نيرانها إلى ريف حلب.

رصد موقع تلفزيون سوريا خلال أشهر تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول من عام 2019، أكثر من عشرين تفجيراً توزعت على مناطق (سلوك، عين عروس، تل أبيض، رأس العين، تل حلف، الباب، اعزاز، عفرين).

أوقعت هذه التفجيرات أكثر من 60 قتيلاً، في حين فاق عدد الجرحى الـ 100، وكان أبرزها تفجير تل أبيض بريف الرقة الشمالي، في 2 تشرين الثاني 2019، الذي أسفر عن مقتل 14 مدنياً، وإصابة أكثر من 20 آخرين، إلى جانب الدمار الواسع في المنازل والمحال التجارية.

ومنذ مطلع عام 2020 لم تعد هناك إحصائية دقيقة للتفجيرات فمدينة رأس العين وريفها بمحافظة الحسكة، باتت على موعد أسبوعي مع انفجار ملغمة، بعضها يوقع قتلى والبعض الآخر يكتفي بدمار في الممتلكات وجرح عدد من السكان، إلى جانب زيادة حالة الخوف والهلع عند المدنيين.

يقدر نائب رئيس المجلس المحلي في مدينة رأس العين عبدالله الجشعم، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، عدد التفجيرات الكبيرة التي ضربت المدينة منذ مطلع العام الحالي بنحو عشرين تفجيراً، بإحصائية ضحايا تصل إلى 70 قتيلا، ونحو 100 جريح.

وأحدث تلك التفجيرات وقع مطلع آب الجاري، حينما ضرب انفجار حاجزاً للجيش الوطني، وأدى إلى مقتل وجرح 16 مقاتلاً ومدنيين في المنطقة.

وحسب المجلس المحلي في رأس العين، فإن سيارة ملغمة انفجرت على حاجز "تل أرقم" غربي تل حلف بريف مدينة رأس العين.

ووفق شهود من المنطقة فإن السيارة كانت في طريقها إلى وسط مدينة رأس العين، إلا أنه جرى تفجيرها في أثناء تفتيشها من العناصر.

سبق هذا التفجير بأيام، مقتل ثمانية مدنيين بينهم طفل وإصابة 21 آخرين، بانفجار عبوة ناسفة مزروعة بعربة لبيع الخضار في سوق شعبي برأس العين، سبقه بيومين انفجار دراجة ملغمة وسط سوق المدينة، قُتل على إثره شخصان بينهم طفل، وأُصيب مدنيان آخران.

وفي 24 من تموز الفائت، أُصيب مدني بانفجار دراجة نارية ملغمة شرقي المشفى الوطني في المدينة، سبقه مقتل ثلاثة مدنيين بينهم امرأة وإصابة ثمانية آخرين، في 23 من الشهر ذاته، بانفجار سيارة ملغمة مقابل المركز الثقافي القريب من المجلس المحلي.

وليست بقية مناطق النفوذ التركي في سوريا أفضل حالاً من رأس العين، إلا أن هذه المدينة، ووفق ما تقدم من سلسلة التفجيرات تحظى بالدرجة الأولى في سلم أولويات من يقف وراء هذه التفجيرات.

تبادل الاتهامات

توجه الحكومة التركية التي تدعم مناطق "نبع السلام" و"درع الفرات" و"غصن الزيتون" إدارياً وعسكرياً، أصابع الاتهام بشكل واضح لـ"قسد" بشأن التفجيرات التي تستهدف مناطق شمالي وشمال شرقي سوريا.

وزارة الدفاع التركية، وجهت بيانات عدة تتهم فيها "وحدات حماية الشعب" وهي عماد "قسد"، بالوقوف وراء التفجيرات.

في المقابل، تتنصل "قسد" من هذه الاتهامات، حيث زعم مدير مكتبها الإعلامي مصطفى بالي، في تغريدة سابقة له عبر "تويتر"، أن هذه التفجيرات "جزء من مخططات تركيا الممنهجة لإفراغ المدن، وإجبار الناس على الهروب وإحداث التغيير الديمغرافي".

كما تتفق رئيسة المجلس التنفيذي لـ"مجلس سوريا الديمقراطية"، إلهام أحمد، مع ما جاء به مصطفى بالي، وقالت في تصريح نهاية 2019 إن "فصائل المعارضة السورية تقف وراء التفجيرات لإجبار السكان الأصليين على الفرار" على حد تعبيرها.

من يضبط الأمن؟

طرح موقع تلفزيون سوريا أسئلة عدة على الناطق باسم الجيش الوطني السوري الرائد يوسف حمود، حول إجراءاتهم لضبط الأمن في مناطق نفوذهم، إلى جانب نقل مخاوف السكان من ازدياد تفجير الملغمات.

وقال حمود إنهم يقومون بحملات أمنية متكررة لتنظيفها، وفق وصفه، من الأطراف التي يؤدي وجودها في المنطقة إلى حدوث خلل أمني، ينعكس على الواقع الأمني للمنطقة ككل، مشيراً إلى أنهم يدعمون عمل الشرطة المدنية والعسكرية والقضاء، مستدركاً أن الجيش الوطني قام بتقليل عدد حواجزه ضمن المدن، وأن معظم الحواجز الموجودة حالياً هي مشتركة بين الشرطة المدنية والعسكرية.

ولفت حمود أن هذه الحواجز المشتركة كشفت خللاً في توزيع المهام، لكون الجهاز الأمني لكلا الطرفين بعيدا عن عمل الآخر، مشيراً إلى أن هذا الخلل كان قبل أشهر، وتم تداركه لاحقاً بالتنسيق مع الجيش الوطني.

ولم يستبعد حمود وجود ثغرات أمنية في مناطق شمالي وشمال شرقي سوريا، عبر وصول ملغمات إلى مواقع تمركز الجيش الوطني، وقال إن العمل جار على تلافيها، عبر التنسيق مع الجانب التركي الذي يزودهم بالمعلومات الاستخباراتية، وقال إن الشرطة العسكرية والشرطة المدنية تمكنت من إلقاء القبض على عدة ملغمات قبل تفجيرها، بفضل المعلومات الاستخباراتية.

وركز حمود على أنهم يعملون على إنهاء حالة الخلل في توزيع المهام بين المؤسسات الأمنية في المنطقة، لأنها وفق تأكيده، لها دور كبير في إحداث ثغرات أمنية، يتم منها تسلل ملغمات إلى مواقع المدنيين والجيش الوطني.

وحول ازدياد عدد التفجيرات، اعتبر حمود أن الملف السوري هو ملف تفاوضي، وعليه فإن هناك "أطرافاً" تعمل على زعزعة الأمن في المناطق السورية، وتوجيه رسائل للاعبين بهذا الملف من أجل تحريك ملفات التفاوض، وفق تعبيره، وقال إن هناك أسبابا عديدة أخرى.

واتهم حمود خلايا "قسد" وخلايا لنظام الأسد وخلايا لتنظيم "الدولة" بالوقوف وراء التفجيرات، لزعزعة أمن المنطقة، وقال إن كل طرف يعادي المناطق المحررة له مصلحة بحدوث هذه التفجيرات، محملاً بالدرجة الأولى خلايا "قسد" المسؤولية.

وقال إن على المجالس المحلية التي تدير المناطق في ريف حلب ورأس العين وتل أبيض، عليها مسؤولية ضبط الأمن أيضاً عبر الإسراع في تركيب كاميرات المراقبة للحد من حركة هذه الخلايا ومراقبتها، مؤكداً على ضرورة وجود تنسيق بين هذه المجالس مع الشرطة المدنية والعسكرية والجيش الوطني.

وتتخذ القوى الأمنية في شمالي وشمال شرقي سوريا إجراءات عدة لتقليل خطر التفجيرات على المدنيين، كنشر الحواجز الأمنية في مداخل ومخارج المدن، وعلى الطرقات العامة المؤدية إلى الأحياء السكنية، وتسيير الدوريات خلال فترات النهار، وجمع المعلومات عن أي فرد يشك بتحركاته، والتدقيق على الداخلين والخارجين من المدن وتفتيش العربات.

وكان وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة اللواء سليم إدريس، أشار في مقابلة مع إدارة التوجيه المعنوي، في أيار الفائت، إلى أن السيارات والدراجات الملغمة ليس بالضرورة أن تكون دخلت من المعابر، بل قد تكون مجهّزة في الداخل، وهو ما يستدعي وجود جهاز استخبارات قوي ومنظم، وتعاون بين الأهالي والأجهزة الأمنية لكشف مثل هذه الأعمال قبل حدوثها.

كما طلبت إدارة التوجيه المعنوي التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة، في وقت سابق، من المدنيين الابتعاد قدر الإمكان عن الأسواق، وخاصة في فترة الأعياد "الأمر الذي قد يمثل مناخاً ملائماً للإرهابيين لتنفيذ مخططاتهم الإرهابية".

وطلبت من المدنيين والعسكريين أيضاً عدم اصطحاب الآليات (سيارات، دراجات نارية) إلى الأسواق، للمساعدة في ضبط الأمن داخل الأسواق الشعبية.

مقالات مقترحة
نائب برلمان النظام.. بشّر أمس بزيادة الرواتب وتنصّل اليوم
أزمة الخبز في سوريا.. عقوبة للسوريين وتمرير للصفقات
وزارة تجارة النظام تطبّق آلية جديدة لتوزيع المواد التموينية
كورونا.. أول وفاة و240 إصابة في مخيمات اللاجئين باليونان
4 وفيات و34 إصابة بفيروس كورونا في مناطق نظام الأسد
38 إصابة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا