"ممكن بإصرار".. كتاب يواجه أسطورة "الخلية التي لا تُقهر"

2025.11.12 | 17:09 دمشق

536556
+A
حجم الخط
-A

لطالما كان السرطان مرضاً مُؤرِّقاً فعلاً، والأرق هنا ليس أسير النفس البشرية وحسب، بل يمكننا القول إنه بات هاجساً مُرعباً لكلّ المخابر العلمية وكذلك الأوراق البحثية التي يشتغل عليها نخبة من الأكاديميين حول العالم. ولا يمكننا أن ننكر أنه رغم التقدم العلمي الذي شهده العالم في السنوات الأخيرة، إلا أنّ السرطان بقي دون علاجٍ فعلي، ويعود ذلك لأسباب عديدة، لعلّ أبرزها طريقة انتشاره وأعراضه غير الواضحة والكشف المتأخر عنه؛ لذلك كانت تسمية "المرض الخبيث" الأكثر انتشاراً في الأوساط العلمية لما يحمله هذا المرض من مَكرٍ وخداع في ظهوره، وكذلك فتكه بالأجساد على مدار سنواتٍ طويلة دون أن يكون هناك بروتوكولٌ واضحٌ للعلاج.

ورغم ما تقدّم، استطاع العديد من محاربي هذا المرض حول العالم أن يتماثلوا للشفاء وقهروا أسطورة المرض المستحيل، ونجحوا فعلاً في التعافي التام من هذا الوباء القاتل، ونستنتج هنا أن الإرادة البشرية إن تمّ توجيهها بشكلٍ صحيح يمكنها قهر المرض فعلاً.

وعليه، بين يدينا اليوم كتاب "ممكن بإصرار" للكاتبة آلاء صفوان الدهنة، الصادر عن منشورات دار ببلومانيا للنشر والتوزيع، الذي جاء ليبرهن أن التعافي من السرطان والعودة إلى الحياة الطبيعية أمرٌ ممكنٌ فعلاً وليس مجرد مبالغاتٍ مجازية. ومن خلال هذا الكتاب يمكننا أن نرصد فكرة تطوّر المرض داخل المجتمع، ونستنتج أن نصف الهالة التي تحيط به ليست إلا وهماً صنعته أفواه العامة من خلال تناقل معلوماتٍ خاطئة ومغالطاتٍ علميةٍ انتشرت بفعل الخوف.

"إنّ المصائب تنهش قلوبنا كما يفعل الصدأ بالحديد، فيأتي نسيم آية: "لا تحزن إنّ الله معنا" كالنسيم البارد الذي يمرّ على القلب، فلا يذر به حُزناً ولا قلقاً".

يندرج الكتاب في أربعة فصولٍ هامة، ويتناول حكاية المرض من عدة زوايا دقيقة، ويحاول تسليط الضوء على مجموعةٍ من النقاط الغامضة التي تُحيط بالمرض. وتشرع الكاتبة آلاء الدهنة في الفصل الأول، الذي جاء تحت وسم "لماذا أنا...؟"، لتجيب عن سؤالٍ هو الأكثر شيوعاً في حالة الإصابة بالسرطان أو غيره من الأمراض، وبلغةٍ سلسةٍ ودقيقة تحاول الولوج إلى أفكار المصاب وتقويمها وتعديلها، وتُحلّل فكرة المرض بعيداً عن الإشاعات؛ فالمرض في نهاية المطاف هو اختبارٌ للمُصاب بالدرجة الأولى ولمحيطه في الدرجة الثانية. بالتالي تسعى الكاتبة لزراعة الأمل في النفس الإنسانية من خلال استعراض عدة تجارب ناجحة لاحتواء المرض، وفي كل سطر نلمس العمق الإنساني الذي عملت عليه الكاتبة؛ فلم تحاول تجاوز أدقّ التفاصيل، وأحاطتنا علماً بالعديد من الأفكار الإيجابية التي تُشكّل جزءاً هاماً من عملية التعافي من السرطان، مُستدلةً على ذلك بالنص القرآني وكذلك الحديث النبوي اللذين يثبتان أن المرض ليس عقاباً كما يفترض البعض، وإنما هو اختبارٌ لصبر المؤمن وقوة إيمانه.

"إنّ المصائب تنهش قلوبنا كما يفعل الصدأ بالحديد، فيأتي نسيم آية: "لا تحزن إنّ الله معنا" كالنسيم البارد الذي يمرّ على القلب، فلا يذر به حُزناً ولا قلقاً".

أما الفصل الثاني، الذي جاء تحت عنوان "لستَ وحدك"، فينتقل بالكتاب نقلةً نوعية وفنية في الوقت ذاته؛ فعوضاً عن النصائح التي مهّدت الكاتبة من خلالها لفصلها الأول، يأتي الفصل الثاني مُحاكياً لتجارب واقعية استطاعت صياغتها في بوتقةٍ أدبية، وتسرد لنا مجموعةً من القصص الإنسانية معتمدةً على أدواتٍ فنيةٍ متمثلةٍ في الحوار والزمان والمكان. فتنقلنا الكاتبة إلى مجموعةٍ من المصابين الذين يخضعون لجلسات الدعم النفسي، وترصد لنا حالاتٍ إنسانيةً صادقة مستمدةً من الواقع، وتعمل على إعادة تأطيرها واختزالها في جملةٍ من الحوارات الدقيقة التي تبعث في النفس الإنسانية الراحة والسلام. ناهيك بأنها لا تكتفي فقط بأصحاب الإصابة، بل تركز على المحيط العام من حولهم؛ فأحياناً البيئة التي تحتضن المُصاب يقع على عاتقها مساعدته للوصول إلى بَرّ الأمان. وكما هو معروف في الثقافة الشعبية أن "الحِمل مهما كان ثقيلاً فهو على الجماعة خفيف"، فالفكرة التي أرادت الكاتبة تجسيدها هي عملية المشاركة؛ فالهموم تضمحلّ تلقائياً لو استطعنا أن نشاركها مع من نحبّ، وأسطورة المرض تُقهر عندما يكون الإنسان غنياً بأحبابه وأصحابه من حوله.

"أشعر بالكلمات التي تريد أن تبوح بها لي، لكنك تغصّ بالكلمات وحدك".

أما المادة الدسمة في الكتاب فهي في الفصل الثالث؛ إذ تعمل الكاتبة على دحض مجموعةٍ من النظريات والفرضيات التي تُحيط بالمرض، وتُبرهن أن الطبّ بكل أبحاثه لم يثبت طرقاً فعلية لانتقال العدوى؛ بالتالي فإن فكرة النفور والنبذ للمريض أمرٌ غيرُ عقلانيٍّ بتاتاً. والمسألة، من وجهة نظرٍ علميةٍ بحتة، لا تتعدّى كونها مجموعةً من الأقاويل التي تحولت بفعل التراكم إلى أحكامٍ عرفيةٍ مجهولة المصادر. لذلك كان على الكاتبة الاعتماد على جملةٍ من المصادر والمراجع العلمية التي تثبت وجهة نظرها. وجاء عنوان الفصل مواتياً للمادة ويدل على عمق الحالة التي وصلت إليها مجتمعاتنا بفعل الخوف وكذلك الجهل، وجاء العنوان: "كلّنا أطباء بدون شهادة... لذا تسقط المصادر".

قد استطاعت آلاء الدهنة، من خلال جمع تلك الأقلام، أن توجّه رسالةً للعالم مفادها أن السرطان مرضٌ خطير، وهذا أمرٌ لا شك فيه، ولكن التعافي "ممكنٌ بإصرار"، والسرطان ليس إلا حقَّ مقاومةٍ مشروعةٍ لمكافحيه.

وتبرهن الكاتبة آلاء الدهنة أن كثيراً من الأقاويل المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي ليست إلا اجتهاداتٍ يصنعها الخوف من المرض والجهل بتفاصيله؛ فعوضاً عن أن تكون المعلومة مفيدة، تتحوّل تدريجياً إلى كيانٍ مرعبٍ من الوهم قادرٍ على قتل صاحبِه. بالتالي كانت رسالة الكاتبة العلمية تهدف إلى الحدّ من انتشار العلاجات البدائية، وعدم الاعتماد على وجهات نظر لا تستند إلى رأيٍ طبي. فعلى الإنسان أن يكبح جماح فضوله ويتوقف عن الإفتاء في قضايا لا يفقه فيها؛ فقمة المعرفة أن يعترف الإنسان بجهله. فليس من المنطقي أن نكون جميعاً علماء وأطباء ونقدّم معلوماتٍ ومغالطاتٍ يمكن أن تُودي بحياة أحدهم إلى الهلاك. ولعل هذه النقطة هي جسرٌ للعبور إلى عقل المجتمعات الجاهلة التي صنعت بينها وبين العلم حواجز منيعة، واكتفت بترديد أحاديث العامة دون تدقيق.

وتعمل الكاتبة على إضافة لمسةٍ خاصة، فتقدّم فصلاً فرعياً تحت عنوان "كن أنت"، وتحاول من خلاله رفع معنويات المُصاب عبر جملةٍ من الشعارات التي يجب على الإنسان أن يتخذها مثلاً أعلى في حياته.

وتختم آلاء الدهنة كتابها بمجموعةٍ من الرسائل التي وجّهها عددٌ من الكتّاب والأدباء إلى مرضى السرطان تحت عنوان "من القلب إلى القلب"، رسائل تحمل في طياتها تجارب إنسانية يمكنها أن تكون عوناً للمريض أثناء رحلة التعافي من المرض. ونذكر من أصحاب الأقلام المميزة الدكتورة ماجدة أحمد، التي حاولت من خلال رسالتها منح الدعم النفسي الكافي للمُصاب بحكم اختصاصها في العلاج النفسي، وكذلك الأديبة المميزة إسراء حمدي، والكاتب السوري رامز بركات. وقد استطاعت آلاء الدهنة، من خلال جمع تلك الأقلام، أن توجّه رسالةً للعالم مفادها أن السرطان مرضٌ خطير، وهذا أمرٌ لا شك فيه، ولكن التعافي "ممكنٌ بإصرار"، والسرطان ليس إلا حقَّ مقاومةٍ مشروعةٍ لمكافحيه.

 
 
 
 
كلمات مفتاحية