بعد سقوط النظام لم تكن الكهرباء مجرّد خدمة عامة يُعاد تشغيلها، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر الوعود التصاقا بحياة السوريين اليومية، وإلى اختبار مبكر لقدرة الحكومة الجديدة على إحداث فرق ملموس في تفاصيل العيش.
فسنوات طويلة من التقنين القاسي والانقطاع شبه الدائم، جعلت من التيار الكهربائي حلما مؤجّلا، تُقاس به جدّية أي وعود حكومية لتحسين الواقع المعيشي والاقتصادي.
وفي الأسابيع الأولى التي تلت التحرير، بدا المشهد مختلفا نسبيا؛ ساعات التغذية الكهربائية ارتفعت، التقنين خفّ حدّته في عدد من أحياء دمشق وريفها، وعاد الأمل تدريجيًا إلى البيوت التي اعتادت العتمة، ترافق هذا التحسّن مع خطاب رسمي يتحدّث عن خطط طوارئ، وإصلاحات في قطاع الطاقة، وقرارات برفع تعرفة الكهرباء باعتبارها خطوة “ضرورية” لضمان الاستدامة وتحسين الخدمة.
لكن هذا التحسّن لم يدم طويلًا فقبل أيام قليلة من ذكرى التحرير، عاد التيار الكهربائي ليتراجع بشكل ملحوظ في عدة أحياء من دمشق وريفها، لتعود معها ساعات الانقطاع الطويلة.
وتتصاعد شكاوى السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام معادلة مربكة؛ تعرفة أعلى ووعود مستمرة مقابل خدمة غير مستقرة تعيد إنتاج مشهد الكهرباء ما قبل التحرير، وإن بوجوه مختلفة.
وبين الوعود الحكومية وواقع الشبكة المتهالكة، وبين الحديث عن إصلاحات بنيوية والضغط المتزايد على المواطنين، يفتح ملف الكهرباء في سوريا بعد سقوط النظام أسئلة جوهرية حول إدارة المؤسسات، وحدود الممكن في بلد أنهكته الحرب، وما إذا كان التحسّن الذي شهده السوريون مجرّد هدنة مؤقتة، أم خطوة أولى تعثّرت قبل أن تكتمل.
الكهرباء ساعة وصل مقابل ساعات انتظار
من قلب الأحياء السكنية في دمشق، تبدو صورة الكهرباء اليوم أقرب إلى حالة من الترقب والارتباك، حيث لا جدول واضح ولا مؤشرات ثابتة على تحسن مستدام.
ناتالي وهي من سكان مساكن برزة، أوضحت في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن واقع الكهرباء في منطقتها شهد تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أن التغذية باتت تصل بمعدل ساعة واحدة كل ست ساعات “إذا جاءت أصلًا”، على حد تعبيرها.
وتضيف قاىلة "بررنا هذا التراجع بالضغط الحاصل على الشبكة الكهربائية نتيجة التحضيرات لاحتفالية ذكرى التحرير"، إلا أن الوضع بحسب ناتالي ما يزال يسير بالوتيرة نفسها حتى اليوم من دون أي تحسن ملموس.
وتلفت ناتالي إلى أن المشكلة لا تقتصر على قلة ساعات التغذية، بل تمتد إلى غياب أي توقيت واضح أو جدول ثابت، إذ تتبدل ساعات الوصل والقطع بين أربع ساعات وساعة واحدة أو أكثر أو أقل، بشكل عشوائي يربك تفاصيل الحياة اليومية للسكان، وقالت “والله احترنا ما عاد في وقت معروف، وما عم نعرف إذا الوضع عم يتحسن أو رجع مثل قبل”.
وتتابع حديثها بنبرة تحمل قدرًا من القلق والتساؤل، متوقفة عند قرار رفع تعرفة الكهرباء الذي روج له على أنه خطوة لتحسين الخدمة، مضيفةً “قالوا زادوا التكلفة لتتحسن الكهرباء، أول كم يوم صار الوضع منيح بعدين رجع”.
وتختم ناتالي بالتحذير من أن العودة إلى أنماط الإدارة السابقة في التعامل مع ملفات المواطن والحياة المعيشية قد تعني إعادة إنتاج مشكلات عدة للمواطن، حتى بعد كل الوعود التي أُطلقت مع مرحلة ما بعد السقوط.
ساعة وصل لا تكفي.. انقطاع الكهرباء يفتح أزمة مياه
في أحد أحياء المزة لا يقاس انقطاع الكهرباء بعدد الساعات فقط، بل بما يخلفه من أزمات متداخلة تمس أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها المياه.
عائدة وهي من سكان الحي تقول لموقع تلفزيون سوريا إن الكهرباء باتت تأتي إلى منزلها بمعدل ساعة واحدة كل ست ساعات، وهو واقع بدأ قبل أيام قليلة من ذكرى التحرير، بعد فترة كانت فيها التغذية أفضل نسبيًا وأكثر انتظامًا.
وتوضح أن هذا التراجع انعكس مباشرة على توفر المياه، إذ غالبًا ما تصل في أوقات يكون فيها التيار الكهربائي مقطوعًا، ما يحول دون ضخها وتخزينها، ويضعها أمام مشكلة مزدوجة يصعب التعامل معها.
وتضيف عائدة “يعني من وين بدنا نلاقيها؟ كهرباء مقطوعة ومياه ما عم نقدر نعبي لان بذات وقت قطع الكهربا ما صدّقنا قلنا الحمد لله الوضع عم يتحسّن، بس المعاناة مابتخلص”.
وتشير إلى تضارب التبريرات التي تقدم للسكان، بين ضغط على الشبكة أو ظروف الطقس أو أسباب غير واضحة، مؤكدة أن السؤال الأبرز يبقى لماذا تراجع الوضع فجأة بعد الحديث المتكرر عن تحسن ملموس في الخدمة؟.
وفي الوقت الذي تتراكم فيه هذه الشكاوى، تعلن الحكومة عن خطوات إصلاحية على مستوى قطاع الطاقة، فقد أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، توقيع الوثيقة النهائية لمشروع إصلاح خطوط الربط الكهربائي مع البنك الدولي، مؤكدًا أن التمويل سيكون على شكل منحة لا قرض، في خطوة تعد مؤشرًا على انفتاح تدريجي في علاقة سوريا بالمؤسسات المالية الدولية.
ويعد هذا المشروع الذي تبلغ قيمته 146 مليون دولار، من أبرز برامج إعادة تأهيل البنية التحتية الكهربائية، إذ يهدف إلى دعم جهود وزارة الطاقة في تحسين كفاءة الشبكة وزيادة قدرتها على تلبية الطلب، في بلد ما تزال شبكاته الكهربائية تعاني من أعطال وتآكل واسع النطاق.
وفي حين تراهن الجهات الرسمية على هذه المشاريع متوسطة وطويلة الأمد، ينتظر السكان حلولًا أقرب تعيد للكهرباء انتظامها، وتخفف من الأعباء اليومية التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الوعود.
من التحسّن المؤقت إلى الواقع اليومي
وفي أحياء دمشق القديمة حيث يفترض أن تكون الخدمات أكثر استقرارًا بحكم الكثافة السكانية والحيوية التجارية، لا يبدو واقع الكهرباء مختلفًا كثيرًا.
ضرار من سكان منطقة باب شرقي، قال في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن التيار الكهربائي في منطقته ينقطع لنحو ست ساعات متواصلة، مقابل ساعة أو ساعة ونصف فقط من التغذية، وغالبًا لا تكتمل حتى الساعتين.
موضحًا أن هذا النمط من التقنين بات شبه ثابت، ما يجعل التخطيط لأبسط شؤون الحياة اليومية أمرًا بالغ الصعوبة.
ويضيف ضرار أن ما يجري في باب شرقي لا يعد استثناءً، مشيرًا إلى أن أصدقاءه في أحياء مختلفة داخل دمشق يؤكدون أنهم يواجهون الواقع نفسه، في حين تحظى مناطق أخرى بتغذية أفضل نسبيًا، تصل إلى أربع ساعات قطع مقابل ساعتين وصل، وقال “الظاهر إنو نفس الوضع بكل الشام، بس التفاوت بين المناطق عم يزيد الإحساس بعدم العدالة”.
ولا يخفي ضرار شعوره بخيبة الأمل معتبرًا أن التحسن الذي شهده التيار الكهربائي لفترة قصيرة لم يكن سوى “ومضة عابرة”، مضيفًا “ضحكوا علينا كم يوم، إجت الكهرباء منيحة وبعدين انتزعت، بس يلا منضل متفائلين لنشوف”.
ورغم تأكيده أن الأمل بالتغيير لا ينقطع، إلا أنه ينتقد بشدة غياب الأفعال الملموسة، متسائلًا عن جدوى الوعود المتكررة من دون نتائج حقيقية، وختم حديثه قائلاً “السلطة اللي بتقعد بمكان وتكتفي بالحكي عم تضحك على الناس مو معقول هيك، لازم يكون في فعل مو بس قول”.
وفي شهادة أخرى من دمشق قال عمار مغربية، وهو من سكان منطقة دمر، إن منطقته شهدت انقطاعًا شبه كامل للكهرباء منذ مساء أمس عند الساعة الخامسة، أي لما يقارب أربعًا وعشرين ساعة متواصلة، وأضاف “ما عدنا نعرف إذا الوضع تحسّن أو ساء، إذا في عطل أو تقنين… الصورة مو واضحة”.
وأشار عمار إلى أن واقع الكهرباء في ريف دمشق لدى أقاربه يبدو أفضل نسبيًا مقارنة بالعاصمة، مؤكدًا أن التفاوت بين مناطق دمشق نفسها بات أكثر وضوحًا، مع وجود أحياء تشهد تقنينًا أشد قسوة من غيرها.
وبين تحسن مؤقت سرعان ما تراجع ووعود لم تترجم بعد إلى واقع ثابت، تبقى الكهرباء بالنسبة لسكان دمشق معيارًا يوميًا لصدق التغيير الموعود، وملفًا مفتوحًا على أسئلة أكبر من ساعات الوصل والقطع، بانتظار أفعال تُنهي زمن الوعود المؤجّلة.
"العدالة بتوزيع الكهرباء"
يختلف واقع التغذية الكهربائية من منطقة إلى أخرى داخل سوريا، سواء من حيث عدد ساعات الوصل أو انتظامها، إذ يعكس هذا التفاوت تباينًا في ظروف الشبكة الكهربائية بين المحافظات، ويشكّل أحد أبرز ملامح المشهد الحالي للقطاع.
في حلب حي الأعظمية، أوضح جودت لموقع تلفزيون سوريا أن الكهرباء حتى بعد التحرير تصل إلى منطقته بمعدل ساعة واحدة فقط خلال اليوم، مشيرًا إلى أن الأحياء الشعبية تعاني من إهمال واضح في الصيانة والاستجابة للأعطال، وأضاف أن أي خلل في الشبكة قد يُترك لأيام من دون معالجة، مستشهدًا بمنزل جده الذي لم يحصل على كهرباء نظامية منذ ثلاثة أيام متواصلة.
أما في إدلب، فقد قال حذيفة إن واقع الكهرباء شهد تراجعًا حادًا بعد أن كان أفضل بكثير، موضحًا أن التيار كان يصل سابقًا على مدار اليوم تقريبًا، قبل أن يتحوّل اليوم إلى تقنين قاسٍ، وقال “كانت الكهربا تجي 24 ساعة، أما هلق صارت ساعتين الصبح، وساعتين العصر، وساعتين بنص الليل وعم نعاني كتير منها”.
في المقابل تبدو الصورة مختلفة في طرطوس، حيث أشار يزن إلى أن وضع الكهرباء في منطقته يُعد جيدًا مقارنة بمناطق أخرى، موضحًا أن التيار يصل عادةً من نحو التاسعة أو العاشرة مساءً وحتى العاشرة صباحًا، ما يوفّر ساعات وصل طويلة ومستقرة نسبيًا.
وفي درعا، يصف حازم واقع الكهرباء بإيجابية لافتة، قائلًا “الحمد لله عنا الكهربا جيدة جدًا، ما منحس إنها قطعت، الوضع صار أحسن وملحوظ”، في شهادة تعكس تحسّنًا واضحًا في التغذية الكهربائية مقارنة بمراحل سابقة.
يعكس هذا التفاوت الحاد بين المحافظات والمناطق تساؤلات متزايدة حول معايير توزيع الكهرباء، وأولويات إدارة الشبكة، وقدرة المؤسسات المعنية على تحقيق حدٍّ أدنى من العدالة الخدمية، في مرحلة يُفترض أن تُبنى فيها الثقة على أساس المساواة والاستجابة السريعة لاحتياجات الناس.
وزارة الطاقة توضح
وفي ردها على التساؤلات المتزايدة حول أسباب تراجع التغذية الكهربائية والتفاوت بين المناطق، قدّمت وزارة الطاقة توضيحاتها.
عبد الحميد سلات مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، أوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن منظومة الكهرباء تمر حاليًا بمرحلة انتقالية حساسة ضمن خطة إصلاح شاملة، تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرّضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن التحسن النسبي الذي سجل عقب التحرير كان نتيجة عودة عدد من مجموعات التوليد إلى الخدمة بشكل إسعافي، إلا أن استمرار التشغيل أظهر الحاجة الملحة لإجراء أعمال صيانة عميقة وإصلاحات جذرية في بعض المحطات والمولدات وشبكات النقل.
وأضاف سلات أن هذه الأعمال الفنية استدعت إيقاف بعض الوحدات مؤقتًا لإعادة تأهيلها أو استبدال تجهيزاتها، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ساعات التغذية الكهربائية في عدد من المناطق، لافتًا إلى أن الزيادة الكبيرة في الأحمال، نتيجة عودة السكان والنشاط الاقتصادي، ولا سيما في دمشق وريفها وعدة محافظات أخرى فرضت ضغطًا إضافيًا على الشبكة، في وقت ما تزال فيه القدرة الإنتاجية أقل من حجم الطلب الفعلي.
وأكد سلات أن هذا التراجع في التغذية يعد مؤقتًا، ومتصلاً بإجراءات فنية ضرورية تهدف إلى ضمان عودة التيار الكهربائي بشكل أكثر استقرارًا واستدامة خلال المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق بالتفاوت في ساعات التغذية بين المناطق، أوضح أن وزارة الطاقة تعتمد في توزيع الكهرباء على معايير فنية وتشغيلية بحتة، في مقدمتها جاهزية الشبكات والمحطات في كل منطقة، والقدرة الاستيعابية لخطوط النقل والتحويل، ومستوى الأعطال وحجم الضرر في البنية التحتية، إضافة إلى طبيعة الأحمال الحيوية، مثل المشافي، ومحطات المياه، والأفران، والمرافق الخدمية الأساسية.
مبينًا أن اختلاف واقع الشبكات الكهربائية من منطقة إلى أخرى هو السبب الرئيسي وراء تفاوت ساعات التغذية، إذ لا تزال بعض المناطق تعاني من أضرار كبيرة في محطات التحويل وخطوط النقل، ما يحد من قدرتها على تحمّل فترات وصل أطول، في حين تتمتع مناطق أخرى بشبكات أكثر جاهزية تسمح بتغذية أفضل نسبيًا.
أما في دمشق وريفها فأشار سلات إلى أن الكثافة السكانية العالية وحجم الاستهلاك الكبير يفرضان ضغطًا مضاعفًا على الشبكة، ما يستدعي أحيانًا اعتماد برامج تقنين مختلفة للحفاظ على استقرار المنظومة ومنع حدوث أعطال واسعة النطاق.
وختم سلات بالتأكيد على أن الوزارة تسعى إلى تحقيق عدالة تدريجية في توزيع الكهرباء قدر الإمكان، بالتوازي مع استمرار أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، بما يضمن تحسنًا متوازنًا في مختلف المحافظات خلال المرحلة المقبلة.