icon
التغطية الحية

ملف "التوحد" في سوريا: من فجوات الإحصاء والتشخيص إلى استراتيجيات التمكين والدمج

2026.04.10 | 06:04 دمشق

آخر تحديث: 2026.04.10 | 06:06 دمشق

التوحد في سوريا 2026 من الأزمة إلى الرعاية الشامل
التوحد في سوريا 2026 من الأزمة إلى الرعاية الشامل
دمشق ـ حنين عمران
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه أطفال التوحد في سوريا تحديات كبيرة في الاندماج بسبب نقص الإحصائيات والكوادر المتخصصة وبيئة مجتمعية مليئة بالشائعات، مما يزيد من معاناة الأهالي في دمج أبنائهم.
- تسعى الحكومة السورية لتطوير خطط متكاملة لتأهيل كوادر متخصصة وتوفير مناهج تعليمية خاصة، مع التركيز على التشخيص المبكر والشراكة الوطنية لضمان فرص التعليم والدمج الاجتماعي.
- بدأت هيئة التخطيط والإحصاء بإنشاء قاعدة بيانات موحدة لاضطراب طيف التوحد بالتعاون مع "يونيسيف"، لتطوير السياسات العلاجية والتعليمية ونشر البيانات للجميع.

تبرز قضايا الفئات الأكثر احتياجاً للدعم كاختبار حقيقي لضمير المؤسسات المعنية بأمرهم وفاعلية الاستراتيجيات والخطط الوطنية، كما أنها اختبار للمجتمع والبيئة في دعمهما ومسؤوليتهما تجاه هذه الفئات.

وليست قضية أطفال التوحد في سوريا بمعزل عن هذا الاختبار بل هي في صلبها ولا سيما مع تهميش احتياجاتهم في السنوات الأخيرة وغياب الرؤية الواضحة لمسار الدعم والتأهيل الخاص بهم، بدءاً من تصحيح الشائعات التي تدور حولهم وصولاً إلى دمجهم في المجتمع.

تحديات الدمج والتأهيل

يعيش أطفال التوحد اغترابهم الخاص داخل أنفسهم؛ إذ يتبدّى العالم الخارجي لهم من وراء زجاج غير مرئي أو من وراء جدار يعزل صوت الآخرين مهما عَلت. وفي سوريا بلغ نصيب أطفال التوحد من الإهمال حداً فاقم معه معاناة الأهالي في محاولاتهم لدمج أبنائهم بين أقرانهم في المدارس وفي المجتمع.

ويواجه مسار العلاج والتأهيل لأطفال التوحد في سوريا جملةً من التحديات المركّبة بدءاً من غياب الإحصائيات الدقيقة مروراً بنقص الكوادر الطبية والتربوية المتخصصة في اضطراب طيف التوحد، وصولاً إلى البيئة المجتمعية التي ما تزال أسيرة الشائعات والتصنيف المسبق للأفراد المختلفين.

في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، أكدت الدكتورة سارة بوظو الاختصاصية في التربية الخاصة، أن نسبة انتشار اضطراب طيف التوحد تزداد عالمياً، إلى جانب وجود عوائق تحول دون تقديم المساعدة الكافية لأطفال طيف التوحد في سوريا، وأبرزها نقص الكوادر المؤهلة للتعامل معهم وغياب البيئة الداعمة. تقول "لا بد من امتلاك استراتيجيات فعّالة في تأهيل أطفال اضطراب طيف التوحد فكل طفل هو حالة خاصة تحتاج إلى خطة مناسبة له تساهم في تحسين أدائه إلى أعلى درجة ممكنة في كل المجالات ". كما أكدت على أهمية توظيف الألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي في مسار التأهيل والتعلُّم، وذكرت أن طفل اضطراب طيف التوحد يحتاج الى فهم وتقبّل وإجراءات فعّالة لتحسين جودة حياته.

وقدّرت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن واحداً من بين كل 127 شخصا حول العالم يعاني من اضطراب طيف التوحد.

د.سارة بوظو -  اختصاصية باضطراب طيف التوحد
د.سارة بوظو - اختصاصية باضطراب طيف التوحد

استراتيجيات التعليم والتمكين

خلال ندوة علمية أقيمت في مدرج جامعة دمشق برعاية وزارة التعليم ومؤسسة "خذ بيدي" تحت عنوان "التوحد في سوريا 2026: من الأزمة إلى الرعاية الشاملة"، طرح وزير التربية محمد تركو، سؤال: "أين نحن من ملف اضطراب التوحد؟" مشيراً إلى أن لأطفال طيف التوحد ثلاثة حقوق أساسية: حق الرعاية الصحية وحق الرعاية الاجتماعية وحق التعليم.

وأكد تركو أن وزارة التربية باشرت بإعداد خطة متكاملة لإعداد كوادر مؤهلة بالتعاون مع أقسام التربية الخاصة في الجامعات السورية، ووضع مناهج خاصة تساعد أطفال التوحد على اكتساب المهارات المعرفية في المدارس.

أما وزير التعليم العالي الدكتور مروان الحلبي فقد أكد على دور الجامعات ومراكز البحث العلمي في ملف اضطراب طيف التوحد، من خلال تقديم مجهود نوعي والتنسيق بين اختصاصات الطب العصبي والنفسي والعلاج المعرفي السلوكي والتربية الخاصة واستراتيجيات التعليم الذكي، مشيراً إلى أن الأبحاث التي ستقدم في هذا السياق ستترجم إلى أثر حقيقي في حياة أطفال التوحد، يقول "أطفال التوحد لا يحتاجون إلى شفقة بل إلى فرصة تساعدهم في كسب عيشهم وإثبات وجودهم، فهم ليسوا على هامش الحياة إنما في صميمها".

 ويقتضي تحقيق هذه الأهداف بناء شراكة وطنية فاعلة بين مختلف المؤسسات المعنية والمنظمات الإنسانية، بما يضمن تقييم البرامج التربوية وتطوير أدواتها، ويمنح أطفال التوحد فرصاً حقيقية في التعليم والدمج الاجتماعي وسوق العمل.

وتضمنت الندوة العلمية محاضرات لاستشاريين واختصاصيين في اضطراب طيف التوحد، شرحوا خلالها مسارات التأهيل والدمج باستعراض النماذج العالمية والعربية، كما ركزت على ضرورة التشخيص المبكر والمبكر جداً لالتماس نتائج أفضل.

قاعدة بيانات خاصة

بدأت هيئة التخطيط والإحصاء السوريّة ببناء قاعدة بيانات شاملة وموحدة لاضطراب طيف التوحد، بالاعتماد على تكامل المسوح والإحصاءات السكانية والديمغرافية المتاحة، وفي مقدمتها بيانات "مسح الأمن الغذائي".

 وأوضح رئيس الهيئة أنس سليم في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن هذه القاعدة ستُرفَد بنتائج المسح الميداني الذي تنفذه منظمة "يونيسيف" حالياً والمكون من 6 مراحل تتعلق بالاحتياجات الإنسانية. يقول: "العمل على هذه القاعدة هو مجهود إحصائي مشترك مع وزارتي الصحة والتعليم العالي بما يضمن وضع خطة للانتقال بملف التوحد من مرحلة الأزمة إلى منظومة الرعاية الشاملة".

كما أكدت الهيئة أن هذه البيانات ستُنشر لاحقاً عبر الموقع الرسمي لها لتكون مرجعاً لكل الجهات المعنية بملف التوحد ولاستثمارها في رسم السياسات العلاجية والتربوية والتعليمية.

أعباء تفوق طاقة الأهالي

تزداد مخاوف سامر مؤيد عاماً بعد عام على ابنه محمد الذي يعاني من اضطراب طيف التوحد، ولا سيما مع ضعف الدعم وغياب التشخيص الدقيق وتفاقم تكاليف العلاج والتأهيل؛ إذ يحتاج سامر إلى ما يعادل 100$ شهرياً لتأمين أدوية ابنه التي تتضمن مثبطات حركة عصبية ومضادات ذهان إلى جانب تخطيط الدماغ والتحاليل الطبية، بينما يدفع "الكفيل" أو المتبرع الرسوم الشهرية لمتابعة محمد في مركز متخصص لتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتصل هذه الرسوم إلى مليون ليرة سورية.

ولا يزال محمد غير قادر على الكلام بشكل مفهوم أو حتى اكتساب المهارات المعرفية التي تؤهله للاعتماد على نفسه أو التواصل مع محيطه بطريقة مفهومة، يقول والده سامر لموقع تلفزيون سوريا "أخاف منذ الآن على ابني إذا حصل لي شيء، مَن سيحمي ابنه ويساعده؟ نحن بحاجة حقيقية إلى مراكز تأهيل ورعاية مستمرة، ونحتاج إلى مبادرات دافئة تحتوي هؤلاء الأطفال".