لعلّه من الصعب اليوم تحديد أكبر الهموم السورية، فهذه تتوزّع شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا حسب شرائح المجتمع المختلفة، كما إنّها تتنوّع باختلاف زوايا النظر إليها داخليًا وخارجيًا. بعض الأطراف ترى أنّ الصراع بات وجوديًا بالنسبة إليها، فقسمٌ منها أصبح في خانةٍ ملحقةٍ بالمجمل بالنظام البائد، ويستشعر أفراد هذه المجموعة تمييزًا دائمًا ومستمرًا متناقضًا مع قرينة المواطنة.
هذه الشريحة من السوريين ترى أنّه ليس فقط السلطة الحاكمة الآتية من خلفية إسلامية جهادية هي التي تصنّفها بهذا التصنيف، بل عموم الأكثرية السنيّة. قد يكون هذا صحيحًا إلى حدٍّ كبير، وهذا يستدعي مراجعةً ذاتيةً من هذه الفئة تستقرئ فيها تاريخ انخراطها في المجتمع السوري ومشاركتها في الحياة العامّة ومساهمتها في تثبيت نظام الحكم السابق على مدى عقودٍ ستة من جهةٍ أولى، كما إنّه يستدعي من جهةٍ ثانية الأكثريةَ السورية من كل الطوائف لإعادة النظر في مساهماتها هي في هذا المآل الذي وصلت إليه البلاد، سواء بصمتها السلبي أم بمشاركتها الفعلية فيما تنسبه للشريحة الضيّقة (العلويون) المسمّاة حاضنة النظام الطائفية. لم يختر العلويون حافظ الأسد كما لم يختره السوريون أيضًا، ولم يقاوم العلويون إغراء الانخراط في الدولة ونظام الحكم سابقًا كما لم يقاوم السنّة ذلك الآن. يجب على الأكثريّة السنيّة أن تتعظ من دروس غيرها، والشاطر من يتعلّم من تجارب الآخرين قبل خوض تجاربه الخاصّة.
إنّ التشكّلَ السوريّ معقّدٌ لدرجة أنّ هذه التوصيفات الواردة هنا لا تعدو كونها مجرّدَ تبسيطٍ ساذجٍ لجعل المقاربة العقلية أكثر حضورًا، ولتوضيح بعض المعطيات التي تحتاج الصراحةَ والمباشرةَ في طرحها.
من الفئات التي تشعر بالتهديد الوجودي أيضًا أقلياتٌ أخرى لم تشارك في المقتلة السورية كالدروز، وهؤلاء لم ينخرطوا في الصراع السوري الدامي لأنّهم كانوا يعتبرون أنفسهم غير مستفيدين من السلطة التي أقصتهم منذ العام 1970 عندما أحكم حافظ الأسد سيطرته على حزب البعث وعلى الجيش وحكم البلاد منفردًا. لم يرَ الدروز ما رآه العلويون في الثورة السورية تهديدًا مباشرًا لموقعهم في المجتمع السوري، لكنّهم لم ينظروا إليها بالمقابل على أنّها الطريق المنشود للتغيير الديمقراطي الليبرالي، ربّما لحساباتهم التي تغيّرت جذريًا مع تسليح الثورة وأسلمتها بفعل العنف المفرط والحلول الدموية التي دُفعت إليها دفعًا. لكنّ الدروز وجدوا أنفسهم بالعموم في وجه المدفع بعد أحداث الساحل؛ فلم تكن حالة السعار الطائفي والتجييش العلني ضدّهم بالمسألة البريئة ولا الهامشية، وقد تصاعد الأمر إلى أن وصل إلى المجازر الدامية التي راح ضحيتها مئاتُ المدنيين الأبرياء وعشراتُ القرى المدمّرة والمحروقة. سبّبت هذه الأحداث صدمةً هائلةً في الوعي والوجدان الدرزي، وهي السبب الرئيس والمباشر في افتراقهم الحادّ عن الجسد السوري. ورغم عدم سهولة إطلاق التعميمات، فإنّ نسبةً وازنةً من الدروز الآن تقف على حافّة القبول بالانفصال عن الوطن والشعب. لكنّ الخطاب الدرزي الآن متناقضٌ أيضًا؛ فالمطالبةُ بالانفصال وحقّ تقرير المصير و«دعشنة» الأغلبية السنيّة، يقابلها تواصلٌ مع الأكراد والعلويين وشكرٌ للأميركيين والإسرائيليين! فهل يحمل هذا الخطاب إقصاءً للسنّة من الشعب السوري أم ابتعادًا للدروز ومن يجدونهم في صفهم عن هذا الشعب؟ وهل يدرك أصحاب هذا الخطاب أنّ المتلحّف بغطاء أميركا وإسرائيل لن يدفأ ولن يهنأ ولن يستقرّ له حال؟
قد يُقال عن الأكراد إنّهم أفضلُ حالًا من غيرهم بسبب اتخاذ قياداتٍ حزبيةٍ منهم خيارَ بناء الخصوصية الكردية على حساب الصراع بين قوى الثورة وقوى النظام، وأنّ هذا الخيار أتى أُكُلَه بسبب التعامل البراغماتي مع جميع الأطراف؛ فلم تنقطع شعرةُ معاوية بين هذه القيادات وبين النظام البائد كما بينها وبين هيئة تحرير الشام وحتى الفصائل المحسوبة على تركيا. لقد بقيت شرايينُ التواصل الأمني والاقتصادي وأحيانًا السياسي مفتوحةً بين مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وبقيّة المناطق السورية بشكلٍ أو بآخر. لعلّ الأقلية الكردية السورية الآن في أفضل أحوالها نظريًا من حيث الاستعداد للمشاركة في بناء المستقبل السوري، ومن حيث العزيمة والإرادة للحصول، بالحدّ الأدنى، على الحقوق الثقافية الكردية ضمن الجسد السوري الكبير. قد نجد طبعًا بعض التيارات المتطرّفة التي تسعى للتقسيم أو الانفصال بدوافع خاصّة أو بدوافع الارتباط الخارجي، لكنّ هذه ستبقى أقليّةً ضمن الوسط الكردي الأوسع، وستفشل مشاريعها لتناقضها مع مصالح غالبية دول الإقليم قبل تناقضها مع مصالح السوريين ذاتهم.
المسيحيون هم الغائب الحاضر في هذا الوضع الراهن، واستراتيجيتهم البادية حتى الآن هي الصبر حتى تهدأ العاصفة. هذا المكوّن الأصيل لا يتصوّر ذاته إلّا جزءًا مؤسِّسًا من سوريا عبر تاريخها العريق، بل عنصرًا أساسيًا أصيلًا وليس طارئًا أبدًا. لعلّ بعض الفئات المتطرّفة تحاول صناعة المقارنات بين الوجود المسيحي والوجود المسلم من حيث القِدم وبالتالي الأصالة والأحقّية الوطنية، وهذه قضايا غير منطقية ولا قابلة للقياس بسبب ضحالتها وانعدام وزنها الفعلي في الواقع. لن يستطيع المسلمون محو تاريخ المسيحية، وهم لا يريدون ذلك أبدًا، ولمن لم يقرأ التاريخ فقد كان المسيحيون هم الأكثرية العددية حتى بداية الحروب الصليبية على بلاد الشام، وهذا لم يمنع أن تكون الدولة إسلامية. إنّ التشكّلَ السوريّ معقّدٌ لدرجة أنّ هذه التوصيفات الواردة هنا لا تعدو كونها مجرّدَ تبسيطٍ ساذجٍ لجعل المقاربة العقلية أكثر حضورًا، ولتوضيح بعض المعطيات التي تحتاج الصراحةَ والمباشرةَ في طرحها.
تبسيطُ الأمور يزيدها تعقيدًا في كثيرٍ من الأحيان؛ فمقاربةُ البعض للسلطة على أنّها الدولة، والعكسُ أيضًا، يضعُ الأكثريةَ في مواجهة الأقليات التي تشعر بالخوف وتحاول معارضةَ السلطة الراهنة.
لم تشعر الأكثريةُ السنّية عبر تاريخها المديد في سوريا بالتهديد الوجودي، وهذا شيءٌ منطقيٌّ وطبيعيّ؛ فرغم كل الهمجية في حرب النظام على السوريين عمومًا الذين وقفوا بوجهه، وغالبيتهم كانت بالطبع من الأكثرية السنيّة، ورغم التدمير الهائل لمدنهم وحواضرهم وتشريدهم داخل البلاد وخارجها، إلّا أنّهم لم يتصرّفوا تحت تأثير الخوف من الإبادة أو التهديد الوجودي. صحيحٌ أنّ كثيرًا منهم من طلب الحمايةَ الدولية وحظرَ الطيران لمنع آفة البراميل من التغوّل أكثر فأكثر، وصحيحٌ أنّ بعضهم فرح لقصف إسرائيل مواقعَ الحرس الثوري الإيراني وحزبِ الله والميليشياتِ الطائفية، وحتى مواقعَ النظام على ندرة ذلك، إلّا أنّه لا أحدَ منهم طلب حمايةَ إسرائيل ولا طلب الانفصال أو التقسيم أو تقرير المصير بمعزلٍ عن بقية السوريين. هذا أيضًا أمرٌ طبيعيٌّ ومنطقيٌّ وبسيطُ الفهم والشرح؛ فمن يعتبر أنّه يشكّل العنصرَ الرئيس في الأمّة والوطن والدولة لا يمكنه أن يفكّر بغير هذا المنطق: نحن الأمّةَ والوطنَ والدولةَ، وهذا لسانُ حال الأغلبية الآن، رغم كلّ ما في ذلك من خلطٍ يسبّب الإرباك. تبسيطُ الأمور يزيدها تعقيدًا في كثيرٍ من الأحيان؛ فمقاربةُ البعض للسلطة على أنّها الدولة، والعكسُ أيضًا، يضعُ الأكثريةَ في مواجهة الأقليات التي تشعر بالخوف وتحاول معارضةَ السلطة الراهنة؛ هذا الأمرُ الذي تظنّه الأكثريةُ رفضًا للدولة وللأمّة وبالتالي رفضًا لها هي بكل تضحياتها التي أوصلت إلى سقوط النظام الديكتاتوري البائد.
رغم كل هذه الاختلافات والخلافات، وبكلّ الوضوح الذي قاربنا فيه الأمور أعلاه، نجد أمامنا السؤال المختصر بعنوان المقال، وهو الذي يحاول أن يوجِد مكسر العصا السوري الراهن. وجوابُنا أنّه الشعبُ السوري بكلّ أطيافه، المسحوقُ تحت وطأة انهيار بُنى الاقتصاد وأنظمةِ الصحة والتعليم والعدالة وسيادةِ القانون، هو الشعبُ ذاته الممزّق بين هُوياته الفرعية وضياع هُويته الوطنية، وهو الشعبُ ذاته الذي يكافح لاسترداد أرضه المحتلّة شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وهو الشعبُ الذي أبدى رأيه واضحًا جليًا في طبيعة الدولة التي ينشدها عبر استطلاع المؤشر العربي، وهو الشعبُ التوّاقُ إلى الحرية والكرامة والسلام، وهو الذي سيكسر العصا التي تقف كؤودًا في طريقه.
التغيرات العالمية والعماء الاستراتيجي المحلي
العالم يهتزّ تحت وقع أقدام الفيل الأميركي
ألمانيا الركيزة الدفاعية لأوروبا
سيمون بوليفار في مواجهة جيمس مونرو
عن السوريين.. خلافاتهم واختلافاتهم