مكانة "إسرائيل" في المؤشر العربي

2026.01.15 | 05:57 دمشق

58785
+A
حجم الخط
-A

تُظهر نتائج المؤشر العربي لعام 2025، الذي نفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 15 بلداً عربياً، عبر إجراء استطلاع رأي يتناول مواقف الناس من قضاياهم المختلفة في السياسة والاقتصاد والأمن والمجتمع، ارتفاع أعداد المستجيبين للاستطلاع، والتي بلغت 40,130 عينة جرى اختيارها عشوائياً. كما يُلاحظ وجود تباين في الآراء حول بعض المواضيع المطروحة، كالأمن والاقتصاد، إلى جانب نسبة متغيرة تتعلق برؤية المستجيبين لعلاقة أنظمتهم مع الاحتلال الإسرائيلي، والموقف من التطبيع مع إسرائيل.

وفي ما يتعلق برأي المستجيبين حول سؤال: هل يقبل العرب أن تعترف بلدانهم بإسرائيل؟، يظهر رفض حاد للعلاقة مع إسرائيل والتطبيع معها. ففي بلدين موقعين على معاهدة سلام مع إسرائيل، شملهما استطلاع الرأي، مثل مصر، حيث بلغت نسبة الرفض 87%، والأردن 95%، عبّر المستجيبون عن رفضهم الاعتراف بإسرائيل. كذلك انخفضت نسبة المؤيدين للاحتلال في دول انضمت إلى التطبيع، كالمغرب، إذ كانت النسبة عام 2022 نحو 20% لتصبح اليوم 6%.

إن الوصول إلى نتائج موضوعية في استطلاع رأي عربي عن إسرائيل، بعيداً عن الوقوع بين دائرتي الشك واليقين، يكمن في مراعاة الباحثين لآراء العينات المختلفة في بلدان الاستطلاع، كمقياس نجح في بث الثقة الكاملة بما أتى عليه من نتائج، سواء للمؤيدين للتطبيع أو المعارضين له.

وقبل الخوض في مضمون هذا الاستبيان ونتائجه، لا بد من الإقرار بنموذجية معظم البيانات الإحصائية للعينة العشوائية التي استخدمها المؤشر العربي، وذلك من وجهة نظر علمية وممنهجة بحتة. وإذا أردنا محاكمة هذا الاستطلاع على أساس مضمونه وأهدافه، وخصوصاً ما يتعلق برأي الشارع العربي بإسرائيل كدولة استعمارية توسعية تسعى للهيمنة على المنطقة، من خلال ممارسة إرهاب الدولة المنظم على الشعب الفلسطيني، وعلى سيادة بلدان عربية أخرى، يصبح من الصعب تزوير بعض السياسات الرسمية لدولة الاحتلال.

وذلك لأن تعبير شرائح واسعة من المجتمع العربي عن رأيها تجاه إسرائيل لم ولن يتغير، بخلاف تغيّر بعض السياسات الرسمية. وهو ما حاول إثارته رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قبل أيام في مقابلته مع مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، حيث تحدث عن تقييمه لمواقف عدد من القادة العرب، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد تمثل أولوية استراتيجية لكثير منهم، بقدر ما تُستخدم كملف حساس مرتبط بإدارة الرأي العام الداخلي في بلدانهم. وأوضح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي أن الفجوة بين الخطاب السياسي الموجّه للجمهور والمواقف الفعلية في الاجتماعات الخاصة باتت واضحة، قائلاً إن الاهتمام الحقيقي لدى بعض القادة ينصب على كيفية انعكاس القضية الفلسطينية على الاستقرار السياسي الداخلي، وليس على تفاصيل الحل أو مستقبل الفلسطينيين.

إن الوصول إلى نتائج موضوعية في استطلاع رأي عربي عن إسرائيل، بعيداً عن الوقوع بين دائرتي الشك واليقين، يكمن في مراعاة الباحثين لآراء العينات المختلفة في بلدان الاستطلاع، كمقياس نجح في بث الثقة الكاملة بما أتى عليه من نتائج، سواء للمؤيدين للتطبيع أو المعارضين له. ويؤكد المستجيبون للاستطلاع أن الغالبية العربية ترى أن جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل في غزة، أو سياساتها الاستعمارية في بقية الأرض الفلسطينية والعربية، تبقى من الأمور التي تمس الوجدان العربي بشكل شخصي، وهو ما يفسر حالة إبداء الإعجاب العربي، بنسبة 83%، بأداء جنوب أفريقيا من خلال رفعها قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، والتي أسهمت بشكل كبير في رفع الروح المعنوية لديهم.

ويلخص القائمون على المؤشر العربي الشعور العربي العام تجاه القضية الفلسطينية بعدم فاعلية وجدوى تطبيع الفاشية الإسرائيلية مع العقل العربي، وفشلها التاريخي في دول مثل الأردن ومصر، وانخفاض نسبتها في دول مثل المغرب والسودان، وهو أيضاً مؤشر على فشل بروباغندا "السلام"، ودليل دافع على بؤس السياسات العربية تجاه إسرائيل. وهي السياسات التي تحاول الإدارة الأميركية من خلالها فتح بوابات العبور السياسي والاقتصادي والأمني في العالم العربي أمام إسرائيل، بموازاة مواصلتها جرائم الإبادة والفصل العنصري وضم الأراضي وتهجير سكانها. ولهذا اعتبر المستجيبون للاستطلاع أن مصدر التهديد وعدم الاستقرار في المنطقة العربية يعود إلى إسرائيل وسياسات الولايات المتحدة الداعمة لها.

فلسطين باقية في الوجدان والعقل العربي والإنساني قضية عادلة، إلى جانب قضايا حق التعبير والرأي والمواطنة والحريات الفردية والجماعية، وإشاعة الحياة السياسية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والتخلص من الاستبداد والقهر والظلم.

إن الاستخلاص الأبرز لنتائج المؤشر العربي حول العلاقة العربية مع إسرائيل يتمثل في نجاحه في رسم صورة المزاج العربي تجاه إسرائيل، دون التزييف الرسمي لصورة السلام والتطبيع وغيرها. فأجواء الإحباط والخيبة، بالنظر إلى العجز الرسمي العربي تجاه القضية الفلسطينية، تنعكس على اتجاهات الرأي العام العربي مستقبلاً في قبول إسرائيل في المخيال العربي ككيان طبيعي يمكنه الاستمرار والتعايش على أنقاض جرائم متواصلة. وهذا يقودنا إلى سؤال عن كيفية انتفاع الموقف الرسمي العربي من المؤشر العربي ليكون لديه رؤية علمية يعتمد عليها في سياساته تجاه القضية الفلسطينية.

وقد قُدمت الإجابة عن هذا السؤال في بقية الزوايا التي أضاء عليها المؤشر العربي، ومن خلال استمزاج الآراء حول مواضيع أخرى تتعلق بالديمقراطية والمواطنة ومكافحة الفساد والتنمية وحرية الرأي والتعبير، وجميعها تشكل معوقات حقيقية لإنجاز موقف عربي رسمي ينسجم مع المؤشر الحقيقي لوجدان الشارع في معظم قضاياه المصيرية. ولعل ما يجري اليوم من محاولات بعض الأصوات والقوى المرتبطة بالاحتلال تصوير خلاصها ضمن الانتماء إلى قوة المستعمر، بعيداً عن استقلال الدولة وسيادتها، وبمعزل عن الحقوق الأساسية، وادعاء تمثيل آراء الشارع في ما يخص محاولة زمرة ما القول إنها تنتمي تاريخياً إلى إسرائيل كمشروع استعماري في المنطقة العربية، يدلل على أهمية ما ذكره المؤشر العربي عن مكانة إسرائيل والنظر إليها ككيان استعماري دون تزوير.

كما يؤكد أن فلسطين باقية في الوجدان والعقل العربي والإنساني قضية عادلة، إلى جانب قضايا حق التعبير والرأي والمواطنة والحريات الفردية والجماعية، وإشاعة الحياة السياسية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والتخلص من الاستبداد والقهر والظلم. فعندما تصبح كل تلك القضايا استراتيجية في النظام السياسي العربي، لا يجرؤ نتنياهو على التبجح بوجود استراتيجية عربية مغايرة تهمس في أذنه بعيداً عن آراء وطموحات الشارع العربي، الذي تُلقى في وجهه كل الوقاحة الصهيونية عن سلوك زعامات عربية.