مقياس خط الفقر في الغوطة.. رغيف خبز وكأس شاي

تاريخ النشر: 02.03.2018 | 14:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 00:16 دمشق

تلفزيون سوريا- سامر قطريب

"المواد الغذائية وغيرها كانت تدخل من معبر مخيم الوافدين الواقع تحت سيطرة جيش الإسلام، والذي أغلقه النظام منذ أكثر من  سبعة أشهر"، كان هذا الحديث مع أحد الناشطين  قبل تحول غوطة دمشق الشرقية إلى جحيم على الأرض بحسب وصف الأمم المتحدة.

جولة في ماضي الغوطة القريب أصبحت ترفاً في مرحلة الإبادة الممنهجة للمدنيين في معظم مدنها وبلداتها، إلا أن الحصار المفروض من قبل قوات النظام السوري سلاحٌ مهّدَ لتغيّر في حياة أهالي الغوطة الشرقية سلةِ دمشق الغذائية.

يتابع الناشط المعروف باسم "سيفو العكر" والذي طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي حديثه عن الحصار" النظام يفرض أتاوات على المواد قدرها 2000 ليرة سورية على الكيلو الواحد، الأسعار مرتفعة جداً بسبب الحصار واحتكار التجار، عندما يتم فتح المعبر ترخص الأسعار قليلاً، المواد كانت تدخل أيضاً عبر الأنفاق في حيي القابون وبرزة التي كانت تصل بأحياء الغوطة" .

الخلافات بين الفصائل العسكرية كانت تمنع دخول المواد الغذائية إلى الغوطة، المقسمة إلى قطاعين يقع قطاع دوما تحت سيطرة جيش الإسلام فيما يسيطر فيلق الرحمن على القطاع الأوسط ، ويضيف العكر" جيش الإسلام منع -أحياناً- دخول المواد لقطاع فيلق الرحمن بسبب مشكلات بين الطرفين، كما أن غياب جهة تحاسب التجار شجعهم على متابعة الاحتكار".

 

طبقات اجتماعية ناشئة

ويذكر"العكر" أن التاجر محي الدين المنفوش ابن بلدة مسرابا في الغوطة، كان يُدخل المواد من معبر مخيم الوافدين وهو مسؤول عن التلاعب بالأسعار وبإمكانه التنقل بين الغوطة ومدينة دمشق، وتباع وتوزع المواد على تجار الغوطة الصغار، وكانت الأفران تنتج الخبز وتبيعه بأسعار مرتفعة إلا أن أهالي الغوطة كانوا يعتبرون أن ارتفاع الأسعار أفضل من انقطاع مادة الخبز والطحين، كما ينظرون إلى المنفوش على أنه أفضل الأسوأ، ويضيف أن مقياس خط الفقر في الغوطة رغيف خبز و كأس من الشاي، فمن لا يملك خبزاً حافاً فهو تحت خط الفقر. 

ويؤكد "العكر" أن نسبة قليلة من الأهالي كانوا قادرين على شراء الخبز والأرز وبعض المواد الغذائية الرئيسة، وهم الموظفون في المنظمات المحلية والدولية والعاملون في قطاعي الصحة والتعليم وبعض الناشطين الإعلاميين، إضافة إلى قادة الفصائل العسكرية، ويتابع بسخرية" كيف عايشين بقية الناس والله ما بعرف".

" الرواتب لا تناسب الحياة في الغوطة، تتفاوت الأجور بين الموظف والعامل بحدود 50 – 100 دولا وسطياُ، تحتاج الأسرة المؤلفة من خمسة أشخاص إلى 100 ألف ليرة شهرياً لتعيش في الحد الأدنى"، يقول الطبيب أحمد البقاعي لتلفزيون سوريا من مدينة دوما، ويضيف "لايوجد خط فقر في الغوطة معظم المدنيين فقراء".

ويشير بقاعي إلى وجود محاولات للتضامن والتكافل بين المدنيين المقتدرين مادياً والفقراء، إلا أن ذلك غير كاف ويحتاج لمنظمات ذات إمكانيات كبيرة تقدم المساعدة لـ 400 ألف مدني محاصرين منذ قرابة خمس سنين. 

مهن جديدة

90 % من المهن المعروفة في مدن وبلدات غوطة دمشق الشرقية توقفت بشكل كامل بسبب حصار قوات النظام  منذ قرابة الخمس سنين، ويوضح البقاعي أن مهنا جديدة ظهرت نتيجة الحصار في محاولة من السكان لمواجهة متطلبات الحياة بما توفر من مواد بين أيديهم، وعمل بعض الأهالي على إنتاج المحروقات من إعادة تكرير المواد البلاسكتية وتقطيرها ومن ثمَّ استخراج الغاز وضغطه في جرار للبيع، ومن لا يقدر على شراء الغاز يقوم بتقطيع المفروشات للتدفئة والطبخ.

فرضت أجواء الحرب والقصف المستمر الذي يخلف وراءه ضحايا مدنيين انتشار صناعة المواد و المستهلكات الطبية مثل معامل الشاش و ورشات تصنيع المستلزمات الطبية والمثبتات الخارجية والأدوات الجراحية وفرش العمليات والأطراف الصناعية، و تنتشر في الغوطة قرابة عشر ورش لصناعة الأطراف، ويوجد أكثر من 1500 شخص بتر أحد أعضائه جراء إصابتهم في عمليات القصف الجوي والمدفعي لقوات النظام وروسيا.

ويضيف البقاعي أن الحصار أعاد إحياء بعض الصناعات القديمة في الغوطة، مثل الخياطة اليدوية لإنتاج ملابس الصوف والقطن ضمن المنازل، و تجفيف الخضار يدوياً والكونسروة.

90% من المهن المعروفة في مدن وبلدات غوطة دمشق الشرقية توقفت بشكل كامل

تجارة تحت الحصار

بدأت الحياة الاقتصادية و الصناعات والمهن بالموت تدريجياً بسبب الحصار و انقطاع الموارد للصناعات مثل المحروقات للزراعة، وقد حاولت المنظمات الإغاثية إحياء الزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال دعم مشاريع زراعية وتشغيل أيدٍ عاملة معتمدة على فلاحين مقتدرين ماديا.

تعرف الغوطة بالزراعة وتربية الحيوان "الأبقار و الماعز " والصناعات المرتبطة بها، حيث كانت السلة الغذائية لدمشق وضواحيها، وأغلب السكان كانوا يعملون في زراعة الأشجار المثمرة والحبوب، إلا أن النزوح الداخلي من بلدات المرج والقطاع الجنوبي أدى لخسارة الغوطة لأغلب الأراضي الزراعية، وأصبح الفلاحون يعيشيون في ظروف قاسية وهم يبحثون عن عمل يوفر لهم لقمة العيش بصعوبة بعد أن  كانت الأرض المورد الاقتصادي لهم، يقول البقاعي.

ويتابع" كانت تقدم الغوطة 15% من إنتاج اللحوم والحليب لدمشق محليا، وجراء المعارك وعمليات القصف العشوائي  والحصار نفقت أكثر من 90% من الأبقار و الأغنام وتجاوز سعر البقرة مليون ليرة في الغوطة".

.لكل مدينة من مدن الغوطة الشرقية جانب صناعي واقتصادي مختلف عن غيرها، مدينة سقبا على سبيل المثال كانت مشهورة بصناعة المفروشات الخشبية ، أما عين ترما  اشتهرت في مهنة قص الحجر والرخام وتصنيعه، واشتهرت حمورية بدق الخشب وحفره وتلبيس الموزاييك.

ازدادت في الغوطة الشرقية عمليات بيع المفروشات والأدوات الكهربائية غالية الثمن في محاولة منها لمواجهة الحصار وتأمين لقمة العيش، وتشتري حواجز قوات النظام المفروشات والكهربائيات بأسعار زهيدة وتبيعها في أسواق العاصمة دمشق بأسعار مرتفعة، كما يقوم البعض "بتعفيش" البيوت الخالية على الجبهات وبيعها، بحسب بقاعي.