مقتلة الغوطة وآليات الدفاع النفسي

تاريخ النشر: 19.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 15:31 دمشق

أصدقاؤنا هناك في خطر... يسرقون أي لحظة يمكن أن يتصلوا فيها بالإنترنت ويكتبون قيامتهم، يبثون مخاوفهم، صمودهم، ويودعوننا ما يشبه الوصايا في الرسائل. يقرعون جدران الخزان كلها مستغيثين، دون فائدة. وبالنظر إلى أن تناقل هذه المنشورات والفيديوهات والصور يتم بين الجمهور نفسه، أي أبناء الثورة ومؤيديها، فإن ما يفوتك على فيسبوك سيصل عبر الواتساب، حتى صار الحال أشبه بتمرد سجناء يطرقون وحيدين على الأبواب الحديدية المحكمة، فيما السجانون في مبنى آخر لا يسمعون. ما جعل الأمر منهكاً لدائرة أصحابه من جمهور الثورة دون سواهم، لا سيما أن المتاح أمامهم من أفعال، كالمظاهرات والاعتصامات في الخارج وجمع التبرعات القليلة ومشاركة المنشورات، غير مؤثر في نهاية الأمر. مما أوقعهم فريسة مزيج من المشاعر السلبية من التوتر والقلق والإحباط والعجز. وهي حالة نموذجية لاشتغال ما يُعرف في علم النفس بآليات الدفاع، وهي حيل لاشعورية تهدف إلى تجنيب الأنا (الشخصية) الألم، وتفسير الأحداث الجارية وإضفاء معقولية ما عليها، وإعادة الانسجام والتوازن وقدر من الأمان إلى عالم المرء.

 

ومن المفيد هنا تأمل ردات الفعل المختلفة الصادرة عن جمهور الثورة تجاه مقتلة الغوطة، وسواها، لمحاولة التمييز بين الأفكار والتحليلات التي تستحق هذا الاسم وتستند إلى قدر كافٍ من الوقائع، وبين تمثلات اللاشعور الدفاعية هذه التي تتكئ على واقعة أو عدد غير كاف من الوقائع وتبني عليها منظوراً ركيكاً أو مضخماً لا يصمد أمام التحليل، ولكنه يقدّم استقراراً مؤقتاً وسيطرة معرفية موهومة على العالم.

 

وربما كانت الآلية الأشيع في هذه الحالات هي تبكيت الأنا أو ما يُعرف بجلد الذات تحت وطأة الشعور بالذنب. والأنا هنا قد تكون فردية حين يلوم الشخص نفسه على تقصيره أو مغادرته البلد، ويقع فريسة الإحساس بالاحتقار الذاتي الذي كثيراً ما يقود إلى إدمان الكحول أو المخدرات. وقد تكون الأنا جماعية فتتجه مطارق اللوم إلى النحن، أي إلى الثوار عموماً. وربما أتاحت ذكرى الثورة هذا العام، حين ترافقت مع العجز، فرصة مناسبة لنوع من السخرية من شعاراتها المتضامنة أو المتفائلة، طالما أن لا شيء منها يحصل في الواقع الآن.

وفي مساحةٍ بين لوم النحن ولوم الآخر يأتي لوم القادة والفصائل والمعارضين من «أصحاب الكروش ورواد الفنادق». وهنا، كما في كل آليات الدفاع اللاشعورية، تكفي حادثة واقعية واحدة أو سيرة متداولة غير مؤكدة أو إشاعة ظاهرة التهافت، للاستناد إليها وبناء سردية شاملة. فالضابط الذي انشق في الغوطة منذ بداية الثورة وعاش سنوات الحصار وقاتلَ النظام، ليس من الغوطة في نهاية الأمر ولا يهمه خرابها، وهذا مبعث موقفه المتشدد، أما إن فاوض فقد «باع» الغوطة للسبب نفسه، فهي ليست أرضه وبلد جدوده! وقل مثل ذلك عن المعارضة وممثلي الفصائل في الخارج، فمن موقعهم هناك يستطيعون أن يطالبوا بالصمود بيسر طالما أنهم آمنون بينما «الناس» يموتون، كما تمكن إدانتهم انطلاقاً من الموقع نفسه لو تساهلوا، فقد تحكّمت فيهم أجندات الدول «اللاعبة» في الملف السوري. أما الفصائلُ فجعبةُ سهامِ لومِها واضحة؛ وهي عدم التوحد والصدامات الدموية البينية والتجاوزات السابقة في حق المدنيين. وإذا كانت هذه الانتقادات سليمة بالفعل فهي تتحول في حالة العجز الراهنة إلى درجات غير مسبوقة من التبرؤ وربما الشماتة بالهزيمة. بل إن كثيراً من مقاتلي الفصائل ومنظّريها أنفسهم رأوا في خروجهم من حلب، أواخر 2016، عقوبة إلهية مستحقة وفق «سنّة الاستبدال». وهو أحد المفاهيم الإسلامية التي انتشرت في الفضاء الثقافي والخطابي للمناطق المحررة في الشمال في السنوات الماضية، استناداً إلى الآية القرآنية {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}، متناسين أن من استبدلوا بهم شبّيحة ومقاتلو تعفيش وميليشيات طائفية، ممن ليسوا أفضل بطبيعة الحال، كما هو مقصودُ الآية.

وبين لوم الذات ولوم الآخر يقع أيضاً لوم المقاتلين في المناطق الأخرى، لأنهم لم «يشعلوا الجبهات». وكأن إمكانية ذلك متاحة دوماً وما يمنعها فقط هو «تخاذل» قادة الجبهة الجنوبية أو «تبعية» قادة الشمال، أو عمالة من شاء المتكلم من هؤلاء أو أولئك أو سواهم..

أما إلقاء اللوم على الخارج فينتشر بشدة في جمهور الثورة، من اليافع الذي كان طفلاً عند قيامها إلى السياسي والكاتب والمحلل المفترَض، مستمَداً من عداء سوري ومشرقي متأصل للغرب وتشكيك عريق في المجتمع الدولي، الذي لم يستطع بالفعل تقديم شيء يذكر لوقف المجزرة السورية. وهكذا تتناثر أوصاف «العهر» لتطولَ الدول الكبرى والإقليمية من «أصدقاء سورية المزعومين» ورؤسائها الذين تتراوح الاتهامات الموجهة إليهم بين الكذب والعنترية والتوريط والتآمر وبيع السوريين، قضيةً بالجملة أو لاجئين بالمفرّق، أو «تقاسم الكعكة» منطقة نفوذٍ مقابل أخرى.

وأخيراً، ما هي حصيلة هذه العدمية المتصاعدة من مقاتل الحيّ إلى ترمب، والمبنية فكرةً فكرةً ووهماً وراء وهم، ماذا بوسع المرء أن يفعل بعد ذلك؟ على الأغلب أنه لن يجد سوى نفض اليد وعدم الاكتراث لما يجري، أو الاكتئاب وممارسة السخرية السوداء على الفيسبوك، أو اللجوء إلى آلية دفاعية أخيرة هي التماهي بالمعتدي. كما فعل بعض سكان المناطق التي وقعت مؤخراً بيد قوات الأسد، حين رفعوا صورته والعلَم الذي كان يقتلهم تحت لوائه، ثأراً من الذات ومن آمالها السابقة بالحرية والكرامة.

كلمات مفتاحية