تعيش أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حالة من القلق المتصاعد، بعدما تحولت المقاهي و"الكافيتريات" المنتشرة بكثافة إلى بيئة جاذبة للمراهقين وصغار السن، وواجهة لأنماط سلوكية دخيلة على المجتمع المحلي، أماكن يفترض أن تكون مخصصة للترفيه وتجمع الأصدقاء باتت، وفق روايات الأهالي، منصات لترويج المواد المخدرة والمشروبات الروحية، وممارسة القمار، وتجمعات صاخبة تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
هذه المنشآت الترفيهية لا تثير مخاوف الأهالي من ناحية الانحراف فقط، بل تشكل أيضاً مصدر إزعاج وفوضى للسكان القاطنين قربها، مع كثرة الأصوات المرتفعة والشتائم التي يطلقها مرتادوها.
ويحمل الأهالي مسؤولين في "قسد" جزءاً كبيراً من المسؤولية، على اعتبار أن معظم هذه المقاهي تعمل تحت حماية أمنية مباشرة أو يشارك فيها مسؤولون أمنيون ضمن صفقات غير واضحة بالنسبة للسكان.
ترويج المواد المخدرة والمشروبات الروحية
يقول رشيد أبو خليل، وهو من أهالي حي الشيخ مقصود، لموقع "تلفزيون سوريا": "شباب بعمر 14 و15 سنة، وأكبرهم ربما 20 أو 21 عاماً، أصبحوا مدمنين على الحبوب المخدرة والمشروبات الروحية، وحتى القمار، الوضع خطير، والقوات الأمنية التابعة لقسد تتحمل مسؤولية الفلتان الذي نعيشه"
ويضيف: "قسد تزعم أنها تمنع دخول الممنوعات إلى الشيخ مقصود، لكن هذا الكلام غير صحيح، أصحاب المقاهي والكافيتريات يعملون بالشراكة معهم وتحت أعينهم، ويحصلون على تلك المواد بدعم مباشر من بعض المسؤولين"
مصادر محلية في الشيخ مقصود والأشرفية أكدت لموقع تلفزيون سوريا أن عدد المقاهي يتزايد بشكل لافت، مشيرة إلى أسماء مثل مقهى المحبة في الأشرفية ومقهى جنديرس، إضافة إلى صالات البلياردو وألعاب الورق والتسلية بأسماء مختلفة تنتشر في الحيين، وتوضح المصادر أن هذه الأماكن تحولت خلال الأشهر الماضية إلى الأكثر انتشاراً وربحية، لأنها تستهدف فئة المراهقين والشباب، وتحقق مكاسب مالية سريعة عبر بيع المشروبات الروحية، والمخدرات الخفيفة، وتسهيل أنشطة القمار.
وتقول إحدى السيدات من سكان الحي، فضلت عدم ذكر اسمها: "هذه المقاهي تغير شكل الأحياء وتدمر مستقبل أولادنا، لا أحد يراقب ماذا يجري داخلها، وكل ما يهم أصحابها هو الربح، حتى لو كان الثمن ضياع أطفالنا"
مخاوف الأهالي: بيئة خصبة للتجنيد والانحراف
لا تتوقف مخاوف الأهالي عند خطر المخدرات والكحول والسلوكيات المنحرفة، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر، وهو استغلال هذه التجمعات من قبل تنظيم الشبيبة الثورية، المعروف بقربه من حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، في عمليات تجنيد القاصرين لصالح "قسد".
يقول أبو وليد، وهو أب لثلاثة شبان يافعين: "هذه المقاهي ليست مجرد أماكن للترفيه، بل أصبحت ساحات لتجمع الشبيبة الثورية، يقتربون من الشباب الصغار، يتحدثون معهم عن الرواتب وعن "النضال" و"المقاومة"، ويعرضون عليهم الانضمام لقسد، كثيرون من المراهقين يدخلون تلك الأماكن بدافع الفضول وينتهون في طريق لا رجعة فيه"
ويضيف: "ابني عمره 16 سنة، حاولوا أكثر من مرة إقناعه بالانضمام، كلما يدخل مقهى معين يعود بكلام تأثر به من أشخاص لا نعرفهم، لذلك منعته نهائياً من ارتيادها، الحفاظ على الأبناء في هذه المرحلة العمرية في الشيخ مقصود مهمة صعبة جداً بالنسبة للآباء والأمهات"
وبحسب الأهالي، فإن دخول الكثير من المراهقين في دوامة الانحراف، سواء عبر المخدرات أو القمار أو السلوكيات العنيفة، يجعلهم أكثر عرضة للقبول بالتجنيد لتأمين مصاريفهم، أو حتى بدافع الانتماء بعد حضور جلسات تروّج لفكر حزب العمال الكردستاني والزعيم عبد الله أوجلان، إضافة إلى خطاب تعبوي يشجع على الالتحاق بصفوف "قسد".
بين الترفيه والتجنيد، تقف أحياء الشيخ مقصود والأشرفية أمام مشهد معقد يتجاوز مجرد وجود مقاهٍ عشوائية أو سهرات صاخبة، فالتحول السريع لهذه الأماكن إلى بؤر للمخدرات وسلوكيات الانحراف، وبيئة خصبة للتجنيد، يعكس فراغاً أمنياً واجتماعياً في الحيين، وبينما يواصل الأهالي دق ناقوس الخطر خوفاً على مستقبل أبنائهم، يبقى السؤال مفتوحاً، هل تتحرك "قسد" لوقف هذا التدهور وضبط الفلتان، أم تستمر هذه الظاهرة في اجتياح الحي، لتعيد تشكيل حياة جيل كامل يسير نحو المجهول.