لم تكن الغربة بالنسبة إلى مئات آلاف السوريين في مصر تعني الابتعاد عن الوطن فحسب، بل حملت معها خوفاً آخر ظل يرافقهم لسنوات: ماذا لو جاء الموت بعيداً عن سوريا؟ وأين سيكون الدفن؟ وهل سيتمكن الأحباء من زيارة قبور مَن دُفنوا في الغربة مرة أخرى؟
ومع التغيرات التي شهدها الملف السوري بعد سقوط النظام المخلوع، عادت أعداد كبيرة من السوريين إلى بلادهم، بينما بقيت قبور أحبائهم في مصر، لتتحول زيارتها إلى حلم مؤجل، بعدما أصبحت العودة إلى مصر بالنسبة إلى كثيرين أمراً معقداً بسبب متطلبات التأشيرة والإقامة.
بالنسبة إلى كثير من العائلات، لم يكن الوداع الأخير خلال مراسم الدفن، بل عند مغادرة مصر نفسها، إذ غادر أفرادها وهم يدركون أن تلك الزيارة قد تكون الأخيرة إلى قبر أم أو أب أو أخ، وأن المسافة بين البلدين أصبحت أكبر من مجرد رحلة سفر.
"كل موقف سيذكّرني بأن أمي هناك"
منذ أكثر من عام، فقدت نسرين والدتها بعد صراع مع المرض. ودُفنت الأم في مصر، حيث كانت العائلة تقيم في مدينة العبور قرب القاهرة، بينما تنحدر الأسرة من ريف دمشق.
واليوم، تستعد نسرين للعودة إلى سوريا، لكنها تعلم أن العودة تعني أيضاً ترك قبر والدتها خلفها، وربما لسنوات طويلة.
وقالت نسرين لموقع تلفزيون سوريا إن أكثر ما يؤلمها ليس الرحيل عن مصر بحد ذاته، وإنما شعورها بأنها ستترك والدتها وحيدة في أرض الغربة.
وأضافت: "هذا أكثر شيء يوجعنا (..) إخوتي الشباب يصرون على ترتيب أوضاع إقاماتهم ليبقوا قادرين على العودة بين حين وآخر وزيارة قبر أمي (..) نتمنى لو كان قبرها في سوريا، فهذه غصة كبيرة لا تفارق قلوبنا".
وتابعت بصوت تختلط فيه الحسرة بالحنين: "لا أتخيل أن يأتي العيد ولا أذهب إلى قبر أمي. كنت أحدثها عن كل ما أمرّ به، وعن وجعي واشتياقي إليها. أشعر أن الميت يسمعنا، وأن زيارة قبره ليست مجرد عادة، بل لقاء يخفف شيئاً من ألم الفقد".
وأوضحت أنها ستعود إلى سوريا، ولن تتمكن من الاحتفاظ بإقامتها في مصر، ما يجعل العودة لزيارة قبر والدتها أمراً بالغ الصعوبة، مضيفة: "نتمنى أن تتحسن الظروف مع مرور الوقت، وأن يتمكن السوري من دخول مصر من دون تأشيرة، ولو فقط لزيارة قبور أحبائه".
"لو كان قبره قريباً لكنا احتملنا"
أما عبير حبيب، فتحمل قصة أخرى مع الغربة والموت؛ فبعد سقوط النظام المخلوع، عادت مع والدتها ووالدها إلى سوريا، على أمل بدء حياة جديدة. أمّن الأب أوضاع العائلة داخل البلاد، ثم عاد إلى مصر لفترة قصيرة بهدف بيع أدوات المنزل وأثاثه والعودة نهائياً، لكن الأمور لم تسر كما خُطط لها.
وقالت عبير إن موجة عودة السوريين دفعة واحدة أثرت في أسعار المعدات والمعامل، فأصبحت تُباع بأثمان زهيدة، ما تسبب في ضغوط نفسية كبيرة على والدها.
وتروي: "قال لنا إنه سيبيع المكنات وينهي كل شيء ويعود، لكن الأسعار انهارت، وبات يشعر بأنه عالق؛ لا يستطيع ترك كل شيء، ولا يريد البقاء بعيداً عن عائلته. كان كل ما يتمناه أن يعود إلى سوريا".
وبعد نحو أربعة أشهر من عودته إلى مصر، توفي بعيداً عن أسرته، ولم تتمكن زوجته أو ابنته من السفر لتوديعه أو حضور جنازته.
وقالت عبير: "في الأيام الأولى، كان الجميع يحاول مواساتنا، لكن كل ما كنت أفكر فيه هو: لو كان قبره هنا. الناس لا تشعر بما يعنيه أن يضيق بك العالم، ولا تستطيع حتى الذهاب إلى قبر والدك لتقرأ له الفاتحة أو تشكو له همومك".
وأضافت أن قرب المسافة كان سيخفف شيئاً من الوجع: "لو كان مدفوناً في لبنان أو الأردن لكان الأمر أسهل، أما مصر فتحتاج إلى تأشيرة (..) تنتهي عدة والدتي، وفي اليوم نفسه تنتهي إقامتها أيضاً (..) وكل ما تتمناه هو أن تتمكن من زيارة قبره من دون هذه التعقيدات".
وختمت بحسرة: "كنا نتمنى أن يُدفن والدي بجانب رفاقه وفي مقبرة العائلة، لكن ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه".
خوف من الموت بعيداً عن الوطن
لم يكن هذا الشعور مقتصراً على من فقدوا أحباءهم، بل امتد إلى كثير من كبار السن الذين عاشوا سنوات اللجوء وهم يخشون أن تكون نهاية رحلتهم في الغربة.
أم علي، وهي سورية في منتصف الثمانينيات من عمرها، أقامت سنوات طويلة في مدينة دمياط المصرية مع أبنائها، الذين استقروا هناك وأسّسوا أعمالهم وحصلوا على إقامات سارية.
وقبل سقوط النظام المخلوع، كانت العائلة ترى أن مستقبلها أصبح في مصر، لكن أم علي كانت تحمل هاجساً واحداً لم يفارقها: ألا تموت بعيداً عن سوريا.
ومع تغير الظروف، أصرت على العودة إلى وطنها رغم تقدمها في السن، إذ قالت إن أكثر ما كان يخيفها هو أن يُدفن جسدها في أرض بعيدة، بينما يعيش أبناؤها في مكان آخر، مؤكدة أنها كانت تريد أن تقضي ما تبقى من عمرها في سوريا، وأن تُدفن في مقابر العائلة، حيث يشعر الإنسان، حتى بعد رحيله، بأنه ما يزال قريباً ممن أحب.
وترى أن وجود قبرها بين أهلها يمنحها راحة وطمأنينة لا يمكن أن تجدها في أي مكان آخر، مضيفة أن فكرة زيارة أبنائها لقبرها مستقبلاً كانت بالنسبة إليها سبباً كافياً لاتخاذ قرار العودة.
حين يصبح القبر آخر ما تبقى
خلال سنوات اللجوء، واجه السوريون في مصر تحديات كبيرة في دفن موتاهم، إذ لا تملك معظم العائلات مدافن خاصة، بينما تصل أسعار المقابر العائلية إلى مئات الآلاف من الجنيهات المصرية.
وللتغلب على هذه المشكلة، اعتمد كثيرون على "مقابر الصدقات" التي أنشأها متبرعون، أو على مدافن وفرتها جمعيات خيرية، في حين بادر رجال أعمال سوريون إلى شراء أراضٍ وتحويلها إلى مدافن مجانية للسوريين، كان أشهرها "مدافن بلاد الشام" في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، التي تضم اليوم مئات القبور للسوريين.
كما فتحت عائلات مصرية مدافنها الخاصة لاستقبال متوفين سوريين، في مشهد يعكس تضامناً إنسانياً واسعاً خفف شيئاً من قسوة الغربة، حتى وإن لم يخفف من مرارة الفقد.
وفي المقابل، ظل نقل الجثامين إلى سوريا خياراً بالغ التعقيد، بسبب الإجراءات القانونية وكلفته المالية المرتفعة، إضافة إلى الظروف الأمنية التي كانت تمنع كثيراً من السوريين من مرافقة جثامين ذويهم إلى بلادهم.
وداع بلا وعد باللقاء
اليوم، وبعد عودة آلاف السوريين إلى بلادهم بسبب التضييق الحاصل على الوجود الأجنبي في مصر، بقيت عشرات، وربما مئات، القبور شاهدة على سنوات اللجوء في مصر.
قبور يزورها ذوو أصحابها للمرة الأخيرة قبل العودة إلى سوريا، وهم يدركون أن الطريق إليها قد يطول، وأن قراءة الفاتحة عند شاهد قبر أم أو أب قد تتحول إلى أمنية مؤجلة؛ فالوجع بالنسبة إلى هؤلاء لا يقتصر على فقدان الأحبة، بل يمتد إلى فقدان القدرة على زيارتهم أيضاً.
إنها حكاية غربة لا تنتهي عند الموت، بل تبدأ منه أحياناً؛ حين يبقى جزء من العائلة في وطن عاد إليه الأحياء، بينما يبقى الراحلون في أرض احتضنتهم، من دون موعد معلوم للقاء جديد.
