مفردات المجزرة السورية "كرم الزيتون"

تاريخ النشر: 12.03.2018 | 17:03 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 16:01 دمشق

صباحاً، وفي يوم 12 آذار 2012 دخل إلى مكتبي في العمل ثلاثة رجال. أحدهم كان جاراً للشركة التي أعمل فيها، وهو من استأذن ليستخدم أحد الرجلين الذين كانا برفقته الهاتفَ. على الفور ودون أية كلمات مجاملة، بدأ الأكبر سناً محاولة الاتصال بعدد من الأرقام التي لم يكن أي منها يرد.

قال له الرجل الثالث: "اتصل بفاتن بيجوز تكون بتعرف". استجاب الرجل واتصل وجاءه الرد هذه المرّة. كان يكرر كالمذهول المعلومات (غير المفهومة بالنسبة لي) التي كان يسمعها من محدثته: "بنتي؟ وبنتها؟ وجوزها؟ وحماتها؟ سلافها التلاته؟ وولاد سلفها عماد؟ الست أولاد كلهم؟"

أثناء انشغال الرجل الكهل بالاتصال، همس لي جارنا: من الصباح وهو يتصل بمن يعرف في حي "كرم الزيتون"، ويسمع الخبر ذاته والمعلومات ذاتها، ومع ذلك يعاود الاتصال كل ساعة. لا يريد التصديق أن حفيدته وابنته وعائلة زوجها بالكامل قد ذُبِحوا جميعاً.

أنهى الرجل هاتفه. كان وجهه بلا لون، ولا ملامح، ولا مشاعر مفهومة. التفت إليّ وقال لي بفمٍ مرتجف: "بنت بنتي عمرها سنة وحده. والله ساعة بتزورنا، ما بترضى تقعد غير بحضني، وبس تجوع ما بترضى تاكل غير من إيدي. مشان الله، قلّي، هَيْ شو ذنبها؟".

وددت لو أجيبه بأن ذنبها أنها جاءت إلى الحياة في زمن الأسد، وما كان عليها أن تفعل. لكنه لم ينتظر جوابي، وخرج من الباب دون وداع. كان يتمتم بكلمات لم أسمعها تماماً، لكني فهمت أنه كان ما يشبه الحديث الشخصي مع السماء.

اليوم وقد مضى ست سنوات تماماً على تلك الحادثة. وبعيداً عن التحليل السياسي الذي غالباً سوف يودي إلى مسالك وعرة وغير مفهومة في كثير من الأحيان (أقلّهُ أخلاقياً)، تعود إليّ تلك الذاكرة كلحظة مفصلية في الحدث السوري. فيومها اعتقدتُ أن مذبحة كرم الزيتون كانت أقصى ما يمكن للنظام أن يفعله، لقناعتي التامة بأن عالم القرن الواحد والعشرين لا يمكن أن يحتمل مشاهدة صور قرابة خمسين شخصاً معظمهم نساء وأطفال مذبوحون، ثم يقف دون أن يبدي أية ردّة فعل توقف جريمة مستمرة تطال أناساً مدنيين عُزَّلاً.

"نحن أيضاً لم نصدّق. كيف تجرأ هؤلاء على القيام بفعلتهم تلك؟ ذبح للأطفال بالسكاكين! ألم يخشوا العواقب؟ يا لسذاجتنا."

كانت قوات الجيش السوري (هكذا كنا ما زلنا ندعوه في تلك الفترة) قد أحكمت الحصار على الحي منذ التاسع من الشهر، حيث بدأت على الفور بقصف الحي. القذائف طالت يومها الحيّين المجاورين " حي العدويّة" و "حي الرفاعي" كما علمنا أيضاً. يومها، كانت الأخبار تتنقل بين أحياء مدينة حمص بأسرع من أي وقت سابق في تاريخ المدينة.

كانت المعلومات تتوارد على مدار الساعة أن العديد من الضحايا قضوا خلال تلك الأيام الثلاثة، حيث لم يهدأ القصف. لكن في صباح يوم الأحد 11 آذار توقفت الأصوات. مجموعات من الجيش دخلت الحيّ وأعطت السكان الأمان شريطة أن يلزموا بيوتهم. فأحس المدنيون أن محنتهم قد انتهت.

لم يكن أحدٌ من السكان يعتقد أن طلب الجيش ذاك كان تمهيداً لدخول "الشبّيحة" من الأحياء المجاورة، حيث ستصلنا الصور في اليوم التالي لجثث أطفال ونساء ورجال مذبوحين جنباً إلى جنب. عائلات بكاملها قضت. حتماً كانت من بينهم ابنة ذاك الرجل الذي لم يكن يريد التصديق.

نحن أيضاً لم نصدّق. كيف تجرأ هؤلاء على القيام بفعلتهم تلك؟ ذبح للأطفال بالسكاكين! ألم يخشوا العواقب؟ يا لسذاجتنا. يومها بالتأكيد كانت التطمينات من الفاعلين الكونيين قد بدأت بالوصول للأسد، أنْ بإمكانكَ أن تذهب أبعد لو شئت.

اعتبر السوريون مجزرة كرم الزيتون من أفظع المجازر التي ارتكبها الأسد، لكن فيما يلي من شهور وسنوات سيصبح رقم الخمسين ضحية متواضعاً في السجل الإجرامي لنظام الأسد وميليشياته المحلية والخارجية المُستقدمة برعاية إيرانية. في ذلك اليوم بدأ الهروب الجماعي لسكان الأحياء المجاورة خوفاً من تكرار المجزرة. كان العديد منّا يصرخون: لا تتركوا بيوتكم. نعم كنا نعتقد أن الأسد لن يجرؤ على تكرارها. ثانيةً يا لسذاجتنا.

لم أعرف ما الذي حدث بعد ذلك للكهل الذي كانت حفيدته ترفض الأكل إن لم تجلس في حضنه، لكن أغلب الظن أنه كغيره، اضطر يومها أن يظهر على الشاشة السورية ليعلن أن العصابات الإرهابية هي من قتلت ابنته وحفيدته. فقد كان هذا هو الشرط الذي وضعته قوات الأسد حتى تقبل بتسليم جثث ضحايا المجزرة لذويهم من أجل دفنهم. كيف حمل ذاك الجدُّ جسد حفيدته إلى قبرها الصغير ذاك اليوم؟ أيضاً لا أعرف.