مفاعيل وعقابيل إعادة تدوير منظومة الاستبداد

تاريخ النشر: 26.04.2021 | 08:40 دمشق

استسلم عالمنا المنافق، الذي يحكمه قانون القوة لا قوة القانون، لإعادة تكرير المنظومة الاستبدادية الأسدية؛ ونفّذ "فرض الكفايةبالقول إن "الانتخابات الرئاسية" لا تساعد على إيجاد حل سياسي لإنقاذ سوريا من سنين عجاف. وإن تجرأ البعض أكثر، قاموا بوصف تلك الفعلة باللاشرعية. ولكن السؤال الذي بقي يحوم فوق رؤوس الجميع منخرطين ومراقبين داخلياً وخارجياً: أي مفاعيل وعقابيل ستكون لإعادة تكرير هذه المنظومة الاستبدادية، التي تكشّف إجرامها حتى للحجر؟!

ومع سقوط المنظومة الأخلاقية، ومفاهيم الحق والواجب، وكل المعايير الـوطنية؛ تتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة بامتياز، بوجود هذه المنظومة الاستبدادية

بداية، بات السوريون يعرفون وبعمق- أكانوا معارضين أم موالين- أن الصفح والتسامح ليسا من طبيعة الاستبداد؛ فمن يرى في المجتمع "رعية"، ويصف المواطنين "بالجراثيم"، وتعوّد منهم الخضوع والخنوع والخوف والطاعة المطلقة؛ لا يحتمل أي خروج عليه، ولو بالنيّة. لقد شَهِدَ السوريون عقابيل ذلك بأم أعينهم؛ حيث يتحوّل الموت أحياناً إلى أمنية.

داخلياً، لم ينتظر النظام إعادة تكريره، ليتحوّل إلى ميليشيا انتقام مباشرة أو بالأدوات، وتصبح تصفيات الحساب الخفية علنية؛ فما بالك عندما تتم إعادة التكرير!! فها هو الفساد الإداري والاجتماعي يتحوّل سلفاً إلى نمط حياة؛ وها هي عصابات الخطف والمخدرات والتعفيش والتهجير تعيث فساداً بترتيب علني منه. وفي فترة بسيطة سيكون هناك مليون مفقود- ومن حاضنته ذاتها- وسنرى تغييراً ديموغرافياً علنياً؛ حيث سيحتل بيوت السوريين أفغان وباكستانيون وإيرانيون، ويحملون الهوية السورية. ها هو الفقير يزداد فقراً وذلاً، والعصابات الحاكمة ومن يلوذ بها يزداد غنى وغطرسة وتوحش؛ والدمار الأخلاقي والتهتك الاجتماعي والمعرفي يضرب أطنابه، ويختفي التمييز بين الصح والخطأ؛ ما يولّد جهلاً مديدا. ومع سقوط المنظومة الأخلاقية، ومفاهيم الحق والواجب، وكل المعايير الوطنية؛ تتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة بامتياز، بوجود هذه المنظومة الاستبدادية.

بكل بجاحة يقدّم نظام الاستبداد نفسه كمنتصر، يستحق الاستمرار. أبواقه تتبجّح بأنه انتصر على الإرهاب، وعلى أولئك "الخونة" المنفذين للمؤامرة الخارجية تحت يافطة مطالبهم بالحرية والعدالة والمساواة. ولكن السوريين أنفسهم والعالم يعرفون بأن الأسدية هي المساهمة الأساس في صناعة الإرهاب، الشماعة التي بررت من خلالها ارتكابها أبشع الجرائم؛ وأن المؤامرة هي مَن كانت أداتها. 

تتوهم المنظومة الاستبدادية بأنها انتصرت. وها هو يُجدّد لها، الأمر الذي سيزيد من ثقتها بنفسها وبالمعادلات الإقليمية والدولية التي مكنتها من البقاء، ما يمنحها كرتاً أخضر لتمارس أشد أنواع القمع والدكتاتورية التي عرفتها البشرية؛ وبذا يتحوّل مَن بقي في سوريا إلى قطيع تحكمه الأسدية لقرون.

بإعادة تكرير هذه المنظومة ستكون الشعارات الإنسانية وحقوق الإنسان والعدالة ومحاسبة مجرمي الحرب من قبل العالم الأول مجرد خزعبلات، وخاصة عندما نشهد جهوداً محمومة من قبل البعض للتصالح مع منظومة الاستبداد تحت يافطة مصلحة الشعب السوري.

لحسن طالع سوريا أن منظومة الاستبداد لم تبقَ ويُصار الآن لإعادة تكريرها نتيجة لانتصار عسكري حاسم لها ولمن استدعته لحمايتها من شعبها. سوريا الآن تحت خمس قوى احتلال، وعدد من ميليشيات الأمر الواقع؛ ومنظومة الاستبداد مجرد واحدة منها. 

مع إعادة تكريره أو تدويره، وفي ظل جملة من الاحتلالات؛ سيكون نظام الأسد المشرعن للاحتلال والتقسيم، شاهداً على ضياع سيادة سوريا، مبرراً لاستمرار حالة الدمار والضياع فيها. وجوده سيحول دون عودة ملايين السوريين الذين تبعثروا في أصقاع الأرض؛ لن تتجرأ أو تقدِمُ جهة على إعادة الإعمار، لأن من دمّر أول مرة سيدمّر مرة أخرى. باستمراره ستستمر العقوبات التي يعمل على جعل مَن تبقى حوله ضحية لها، كي يبقوا عبيداً له متمسكين به. بوجوده، سيكون التقسيم أقل المآسي؛ وهو يريده علّه يبقى متسلطاً ولو على شبر واحد ليشبع غريزة حيوانية في التسلّط قلَّ نظيرها. استمراره شرعنة للجريمة حتى دوليا، بحكم غياب العدالة وعدم محاسبة المُدان على الجرائم التي اقترفها بحق شعبه. بوجوده سيضيع مزيد من الأجيال دون علم أو تربية أو أخلاق. 

بهلوانيات روسيا وخاصة على الساحة السورية ليست أقل من صاعق قد يعيد إشعال الصراع الغربي-الشرقي العالمي ثانية

على الصعيد العربي، سيزداد التبعثر والضعف العربي، وتُخلق توترات ومآسٍ جديدة في هذا الذي يسمي نفسه "العالم العربي"، فتتافقم أمراضه ويزداد فقره، وتلعب به وتستبيحه كل يد غريبة. إقليمياً لن يكون الحال أفضل؛ فالتوترات الإقليمية لا تحتاج إلى مزيد من تنابذ وتضارب المصالح اللازمة إلى اشتعال حروب؛ الكل فيها خاسر. وبحكم تحوّل عالمنا إلى ما يشبه القرية، فإنه باستمرار هكذا علّة في جسد هذه القرية، فالسلام العالمي في خطر حقيقي. فلا يغيب عن الأذهان عودة ظلال الحرب الباردة التي لا يمكن عدم اعتبار التنافر الحاصل بين القوى الموجودة على الساحة السورية خارج المسببات أو السياق. مرة أخرى بهلوانيات روسيا وخاصة على الساحة السورية ليست أقل من صاعق قد يعيد إشعال الصراع الغربي-الشرقي العالمي ثانية.

لن يكون بمقدور ما يُسمى "حاضنة النظام" فعل شيء تجاه ما يجري، بسبب انسحاقها الطوعي أو الإجباري، بحيث تُفشل الكارثة القادمة؛ ولا جهات يخدعها حكمها الذاتي يعوُّل عليها للحؤول دون تقسيم البلاد والعباد؛ ولا المعارضات لديها أو سُمِح لها بأن يكون لديها مشروعها الوطني لإنقاذ البلاد من هكذا آفة؛ ولا بعض القيادات العربية مدركة أبعاد استمرار سموم الأسدية في عالمها وبين ظهرانيها؛ وإقليمياً تتطلع بعض القوى إلى الجني المؤقت من استمرار هكذا منظومة تزرع الموت لا الحياة، غير محتسبة أن الموت سيطولها أيضاً؛ أما القوى العالمية، فعليها أن تحسب أن خسارتها القادمة ستكون بحجمها إن لم تسحب هذا الصاعق. جهود الجميع مطلوبة لخلاص الجميع من هذه الآفة؛ والخطوة الأولى تكون بإسقاط عضوية هذه العصابة الإجرامية المارقة من كل محفل دولي.