مع مرور تسعة أشهر على سقوط النظام السوري المجرم السابق، لا تزال المفارقات الدولية مستمرة على الساحة السورية، في ازدواجية معايير تأبى أن تعيق مرحلة عودة الاستقرار وانتهاء المرحلة الانتقالية وصولًا إلى التنمية وإعادة الإعمار وضخ الاستثمارات بقوة.
وما تزال بعض الدول تمارس دورها الاستعلائي في فرض ما يروق لها على السوريين دون مراعاة لحقائق ودقائق الأمور التي تجري، والتي تطرح تساؤلات عن حال سوريا في وقت لم يكن فيه الزخم الدولي المقدم من دول الإقليم وعلى رأسها تركيا والسعودية وقطر، المساهمة بدعم أميركي كبير للمرحلة الجديدة في البلاد، الدور الكافي في دفع هذه الأطراف للالتزام بالمواقف الدولية بدعم تطلعات السوريين.
الحكومة الحالية استمدت شرعية دولية من خلال اللقاءات الجارية على الساحة العالمية، والزيارات الدبلوماسية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني إلى عدد من دول العالم المحورية، فيما تتوجه الأنظار الشهر المقبل إلى نيويورك حيث اجتماعات الأمم المتحدة، والكلمة التي يلقيها الرئيس الشرع فيها، مما ينهي حالة عدم الشرعية التي كانت في سوريا خلال السنوات السابقة. ورغم كل هذه التطورات، لا تزال توجد مساعٍ للتشويش على الأوضاع السورية واستقرارها عبر التدخلات، وأهمها محاولات الولوج عبر الأقليات، ومساعي تجزئة البلاد، واستغلال قوى الأمر الواقع في تنفيذ أجندات معينة.
المفارقات الغربية هذه تدفع عموم السوريين للتساؤل عن سبب ذلك، خاصة أن الفرحة السورية بإسقاط النظام مستمرة، وتتجدد مع كل عودة لاجئ إلى أهله وذويه وبيته الذي حُرم منه.
ففي مسألة الشرعية التي تتبجح بها الدول الغربية، فقد اكتسبت الحكومة الجديدة شرعيتها من الشعب بدايةً، ومن الفرحة الكبيرة للسوريين بإسقاط النظام وعودة السوريين إلى بلادهم، ومن ثم اعتراف الدول الإقليمية والقوى الكبرى بالحكومة، والزيارات التي جرت إلى دمشق، فضلًا عن زيارات المسؤولين، كلها تصب في عدم وجود أزمة في مسألة الشرعية. لكن الغريب في الأمر هو التشكيك بشكل متواتر بين فترة وأخرى بشرعية الحكومة عقب أي حدث أمني في البلاد. بمعنى أن تسعة أشهر من سقوط النظام، وأربعة عشر عامًا من الثورة لا تشفع لأي حكومة بأن ترتب البيت الداخلي السوري وتقوده إلى بر الأمان. وتلحق بهذه الدول جوقة من الأطراف المحلية الناشزة التي ترى في تلك القوى مخلّصة لها، ولكنها لا تدرك أنها مجرد أداة لتحقيق أطماع تلك الدول.
مسألة المحاسبة والتجاوزات التي تجري على الساحة السورية تشهد أكبر حالة ازدواجية معايير ومفارقات دولية غريبة، حيث لا يمكن منح الوقت الكافي للحكومة للمحاسبة في مسألة التجاوزات التي حصلت وتحصل، ويتم التضييق عليها فورًا والضرب بها والتهديد بإسقاطها، متناسين أربعة عشر عامًا من جرائم النظام وتباطؤ المحاسبة الدولية رغم جرائم الحرب والتطهير والإبادة والقصف بالأسلحة الكيماوية والتهجير والسجن والإخفاء القسري والتعذيب، وإنكار هذه الجرائم أو التعامل معها بكل بطء وتشكيل لجان تحقيق. ورغم كل ذلك، بقي النظام ممثلًا في الأمم المتحدة، وزادت حركة التطبيع معه ومحاولة تعويمه، ليقول الشعب السوري كلمته وينهي حكمًا أفسد بالشعب والبلاد.
ما سبق يطرح التساؤل عن سبب منح النظام أربعة عشر عامًا لتطهير جرائمه ومحاولة تعويمه وتناسي آلام أكثر من نصف الشعب السوري، في حين لا يمنح للسلطة الحالية سوى أشهر للتحقيق بشكل مستقل بما حصل من تجاوزات في مشاكل كانت فيها الأطراف الأخرى هي المبادرة بالهجوم على قوى الأمن، كما حصل من قبل فلول النظام في الساحل السوري، وما حصل في السويداء. حيث لا يجب إنكار أي نوع من الجرائم والتجاوزات التي تحصل من أي طرف، وتجب محاسبة كل الأطراف مهما كانت حكومية أو غيرها. ولكن التضييق وعدم منح الوقت يوحيان وكأن الترصد موجود، مع تناسٍ لما حصل سابقًا. وهذا لا يعني بالضرورة منح السلطة الحالية أربعة عشر عامًا للتحقيق والتبرير على مبدأ المعاملة بالمثل، بل على العكس، في حال لم تلتزم بتعهداتها، فإن من حق السوريين المطالبة بحقوقهم كما كان سابقًا، فلا تنازل من السوريين عن حقوقهم المشروعة التي خرجوا مطالبين بها ضد النظام.
المفارقات الغريبة هذه تدفع عموم السوريين للتساؤل عن سبب ذلك، خاصة أن الفرحة السورية بإسقاط النظام مستمرة، وتتجدد مع كل عودة لاجئ إلى أهله وذويه وبيته الذي حُرم منه. كما أن المراحل الانتقالية دائمًا ما تحتاج إلى أشهر من الوقت لترسيخ المرحلة الجديدة، والتشويش على هذه المرحلة يعيق التعافي المبكر، ويؤخر الانتقال السياسي، ويمنع تسارع وتيرة إعادة بناء البنية التحتية، ويشل مرحلة إعادة الإعمار. وبالتالي، هنا يتساءل السوريون: من مصلحة من إعاقة كل هذه المصالح؟ ولطالما كانت الدول الغربية مستعدة لإعادة الإعمار في ظل حكم جديد يمنع استمرار تدفق اللاجئين، فلماذا هذا الحكم المسبق؟
ومن المؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي هو أكبر طامع يظهر على الساحة، من خلال سعيه إلى تقسيم سوريا وإبقائها ممزقة ضعيفة لتنفيذ أطماع مستقبلية يجري الحديث بها عبر اليمين الإسرائيلي والحكومة المتطرفة. وهو ربما ما يبرر مواقف بعض الدول، ويفسر سبب الصمت الإسرائيلي على النظام الذي كان يحمي حدود الكيان، والتضخيم الإعلامي المستمر ضد الحكومة من التجاوزات والمجازر وخاصة في السويداء، ما هو إلا عمل مدفوع من قبل الاحتلال لتبرير التدخلات والتشويش على تعافي سوريا لتحقيق المطامع المزعومة.
العقوبات التي كانت مفروضة على النظام لم تكن بهدف إسقاطه أو تغييره، بل محاولة إجباره على التفاوض مع المعارضة ليكون طرفًا في الحكم الجديد.
وكذلك الأمر من قبل الدول التي كانت تحقق أطماعها عبر النظام، مثل إيران، التي توجه أدواتها الإعلامية للنيل من الحكومة ومحاولة التهويل من الأحداث والاصطياد الدائم في كل الوقائع. وكذلك دول أوروبية سارعت لفرض عقوبات على شخصيات باتت تتولى مناصب في الجيش الجديد بعد أن كانت تقود فصائل مسلحة ضد النظام، وهو ما يبدو أكبر نفاق وازدواجية معايير؛ فرموز النظام السابق كان من الصعب رفع دعاوى بحقهم أو ملاحقتهم، والعقوبات التي كانت مفروضة على النظام لم تكن بهدف إسقاطه أو تغييره، بل محاولة إجباره على التفاوض مع المعارضة ليكون طرفًا في الحكم الجديد. بل وكانت تلك الدول تحاول إقناع المعارضة بالدخول في المفاوضات والتنازل عن كثير من مطالبها وحقوقها، والقبول بالأمر الواقع.
المواقف الأوروبية هذه، النابعة من ادعاء الدفاع عن حقوق الإنسان، لم تكن حاضرة بالقوة الكافية أمام ما جرى في سوريا بالسنوات السابقة. فهل المواقف التي تجري حاليًا نابعة من ضغوط إسرائيلية، أم برغبة حقيقية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أم أنها كانت مستفيدة من حالة الصراع في المنطقة؟ كلها تساؤلات مشروعة إزاء هذه المواقف. وكأن التطورات الأمنية الحاصلة في سوريا هي بمثابة ثغرات للتدخلات الغربية في سوريا الجديدة، والتلويح الدائم بعصا العقوبات يشوش على حالة الاستقرار السورية. كما أن الحكومة والسلطة الجديدة وكثيرًا من المكونات تجاوزوا مسائل الخلافات السابقة بانتظار انتهاء المرحلة الانتقالية وترسيخ الدستور والانتخابات المقبلة لتكون الحكم، ويتم تمثيل السوريين بشكل ديمقراطي. وبالتالي، هذه دعوة لكافة الدول بأن تكون على مسافة واحدة من جميع السوريين، وتمنح الوقت المناسب لبناء الدولة الجديدة وترسيخ القانون وآليات المحاسبة، التي هي أساسًا مطالب السوريين ولن يستغنوا عنها أبدًا في محاسبة أي متجاوز مهما كان نوعه أو انتماؤه، من السلطة القديمة أو الحالية أو مستقبلًا. فلا تراجع ولا تسامح في حقوق وأمن كل مواطن سوري مهما كان انتماؤه أو معتقده أو جنسه أو لونه أو دينه.
بذكرى التحرير.. كيف قلبت تركيا الطاولة على روسيا وإيران؟
مفارقات دولية مستمرة على الساحة السورية
عندما تكون المكونات رافعة البلاد