مغامرات مصطفى التركي: حكاية استشراقية تحذر من خداع "المُحمديين"

تاريخ النشر: 04.02.2021 | 21:25 دمشق

عمّار المأمون

صدر عام 1736 كتيب " رحلة من حلب إلى دمشق: وصف لهاتين العاصمتين، ويضاف له وصف للموارنة الذين يقطنون جبل لبنان، والمغامرات المفاجئة لمصطفى التركي، الذي بعد اعتناقه المسيحيّة لسنوات في إسبانيا وفنلندا عاد إلى سوريا مع زوجته المسيحيّة " 

العنوان الطويل والمثير للاهتمام يليه بقلم الرصاص اسم "جون غرين" المؤلف، الذي يشير في المقدمة أنه أنجز هذا الكتاب تبرعاً، كي يقرأه السفير البريطاني لدى السلطنة العثمانيّة، وذلك من أجل الحفاظ على المصالح التجاريّة البريطانية التي يهددها الروس والألمان، والأهم، أن هناك من "يصوبون بنادقهم" ضد "الهراطقة" -المقصود هنا البريطانيين- المكروهين أكثر من الكفرة. 

يشير غرين أن الرحلة التي يدونها أخبره بها صديق له، وقام هو بتصحيح بعض ما فيها من أخطاء، كأسماء المدن والمناطق المختلفة، وهذا ما نلاحظه في الهوامش، إذ يذكر إما ما كان متداولاً في الثقافة الشعبية مازجاً إياه مع المعاني المعجمية والأساطير ، يكتب مثلاً أن العرب سمو  Aleppo، بحلب، بسبب معنى الكلمة اللغوي، والقادم من حكاية مفادها أن إبراهيم النبي، حين كان يتجه شمالاً من حوران، عطش من كان معه من أصحاب، فـ"حلب" ماشيته و شرب من معه في هذا المكان،  وفي حكاية أخرى قام بتوزيع الحليب على الفقراء في ذاك المكان. 

قام غرين أيضاً بإضافة فصل في وصف المدينتين، كون الرحلة نفسها لا تذكرهما بل تشير فقط للطريق، أما القسم الثاني، الخاص بوصف جبل لبنان، فهو منشور سابقاً في باريس وقام بحذف أجزاء منه وأضافها للكتاب بالشكل الذي يراه مناسبا، ما يجب أن نشير إليه أن جون غرين الذي يبدو اسماً وهمياً هو اسم حقيقي لجغرافي ومسّاح خرائط يحيط به الغموض والإهمال، خصوصاً أنه كان يتوخى الدقة الجغرافية، في حين أن الناس حينها كانوا يبحثون عن حكايات المغامرات والرحلات، لا جداول الأسماء الخاصة بالمدن أو مواقعها على خطوط الطول والعرض. 

ما يهمنا هو القسم الأخير، أو حكاية مصطفى، المأخوذة من حكايات البعثات التبشيريّة المارونيّة، والتي ذكرها سابقاً حسب غرين الرحالة الألمانيّ فان بروين، ما يجعل الكتاب مقسماً بالشكل التالي: رحلة قام بها أحدهم، وصف للمدن الشرقية- العثمانيّة، وصف للفئات الدينية فيها، وحكاية تحذيرية عن التركي المخادع الذي لا يجوز نثق بأمثاله. هذا التركي من "المحمديين"، اللفظ الذي يستخدمه غرين للإشارة إلى المسلمين. 

رحلة مصطفى المستحيلة 

نكتشف بداية أن الحكاية التي يذكرها غرين مذكورة في كتب رحالة آخرين، دون أن يعرفوا اسم "التركي من دمشق"، الذي لا نعلم أيضاً إن كان تركياً أو عربياً، ما يعني أن اسم مصطفى مبتدع لضرورات سرديّة، فالدمشقي ذو الـ13 عشر عاماً، لا نعرف عنه شيئا، سوى أنه مسلم، وتم إعطاؤه قبل فرسان مالطا إلى قائد عسكري إسباني علمه الديانة المسيحية التي اقتنع بها مصطفى. 

لا نعلم كيف وصل مصطفى إلى فرسان مالطا، هل كان مريضاً، أو يتيماً، أو ضائعاً، لكنه ركب البحر مع سيده الجديد، الذي ذهب لاحقاً للخدمة في فنلندا، وهناك  شب مصطفى، وأصبح قائداً عسكرياً بارعاً، ونال لقب فارس حين صار بعمر الخامسة والعشرين، وذاع صيته في بروكسل خصوصاً، إذ كان قائداً لكتيبة مشاة، وهناك تردد على امرأة وابنتها رأوا فيه مثالاً على "الحكمة والحذاقة"، دون أن نعلم أيضاً أنه حافظ على اسمه العربيّ، أو تكنّى بآخر. 

يبدأ غرين هنا بالإشارة إلى هوية مصطفى المختلطة فـ"التركي" لم يعد يميزه أحد، وصدقوا أنه "إسباني"، كما أنه طلب يد ابنة السيدة التي وافقت فوراً، إذ وجدت فيه شخصاً ذو مستقبل مليء بالثروة وصفات ستسعد ابنتها، دون أن نعلم اسم السيدتين، لكن يشير غرين في الحاشية، أن هذه الفتاة، هي ابنة الجنرال المسؤول عن المصطفى. 

كل هذه الأحداث تعمق" تغلغل" مصطفى في الأراضي المسيحيّة، لكن بعد بضعة سنوات أسرَ مصطفى لزوجته أنه يريد زيارة القدس من أجل الحج، لكن السبب الحقيقي حسب غرين هو أن مصطفى إمّا ملّ من حياة الجنديّة، أو يبحث عن نقود، أو هناك خطة خفية لا يعلم بها أحد يريد تنفيذها، ونقرأ بعد ذلك في الحاشية أن مصطفى لم يخبر زوجته حتى بحقيقة أصله، بل تركها تظن بأنه إسباني الأصل، كما وعدها كذباً بأنهم بعد زيارة القدس، سيتجهان سويّة إلى إسبانيا لزيارة أسرته. 

وافقت الزوجة فقط لأنها "تحب" زوجها، وأقسمت أنها لن تقول لأحد حتى لأمها الذين كانا مُتأكدين من أنها لن توافق على الرحلة، فانطلقا على متن سفينة متجهة إلى إيطاليا دون أن يعلم أحد، لاحقاً تدرك الأم أن ابنتها وزوجها اختفيا دون أثر. 

انتهى الأمر بالسفينة على سواحل إيطاليا، وهنا لا يتضح ما حصل، لكن تم إيقاف السفينة من قبل بعض العساكر الجزائريين الذين أرادو نهبها، لكن مصطفى، كونه يتكلم "لغتهم"، تمكن من التواصل مع قائدهم، بعد أن كشف له سراً عن هويته، وأخبره بـ"مغامراته" والأهم، أنه يريد الذهاب إلى تركيا ليمارس دينه بحريّة. 

هذا الإفصاح أمام العربي الآخر، غريب من نوعه، كوننا لا نعلم متى بدأ مصطفى بحياكة حيلته، وما هو هدفه بالأصل، لكنه صرح للقبطان بأنه يريد العودة إلى "تركيا" ليمارس دينه بحريّة، وهذا ما أكده تركي دمشقي آخر كان على السفينة. 

 لا نعلم بالطبع من هذا الراكب السريّ على السفينة، بالطبع هناك خدعة أخرى، فالحاشية، تشير إلى أن مصطفى تحدث العربية مباشرة مع الجزائريين، ما جعل قائد السفينة الإنكليزي سعيداً بثقافة مصطفى الواسعة دون أن يعلم أي شيء عن خطته. 

غير هذا اللقاء الخطة إذ قرر مصطفى الركوب مع الجزائريين أو البربر حسب الوصف الجديد، وأقنع زوجته بذلك، كون سفينتهم أسرع وستوصلهم إلى سواحل (سوريا) بزمن أقل، وهنا يختزل غرين الحكاية والمشاهد العاطفية لخوف الزوجة من خطة مصطفى وكيفية طمأنته لها، لكنه يذكرها في الحواشي، وكأن الحكاية تتحرك على مستويين، جدي وعظي في المتن، وعاطفي سردي في الهامش، لكن النتيجة هي أن "ثقة" الزوجة بزوجها جعلها تقبل الصفقة، وتشير الحاشية أيضاً أنه كاشفها في هذه اللحظة بحقيقته، لكن في المتن ما زالت الزوجة جاهلة بالحقيقة. 

وصلت السفينة إلى الجزائر، ولم تدر الزوجة أين هي، وفوجئت أنها بين "الأتراك" وهنا يتضح أن كلمة تركي تعني أي شخص في ظل السلطة العثمانية أو أي شخص يتحدث العربيّة أو أي "محمّدي"، والمفاجأة الأشد، هي اكتشافها أن زوجها كان يخالط هؤلاء الناس، بل ويصلي في جوامعهم، لكنها لم تخبره بذلك، بل ظنت أنه كاثوليكي مؤمن، ويقوم بذلك خوفاً على حياته وحياتها، فأصرت عليه أن عليهما مغادرة الجزائر، خصوصاً أن الزوجة كانت حبلى ثم ولدت، وهنا وعدها مصطفى بالاتجاه مباشرة إلى القدس وعدم المرور في مصر. 

يبدو أن مصطفى كاذب دوماً، إذ وصلوا إلى الإسكندرية، دون أن تعلم زوجته بحقيقة دينه، والذي اكتشفته هناك بعد أن أصبحت تراقبه، إذ عرفت سرّه، ليقوم هو لاحقاً في أحد الأيام، بالاعتراف بكل شيء، يخبرها بالحقيقة، ولادته وخطته الكاذبة وسبب الرحلة، ووعدها أنها بإمكانها ممارسة دينها بحرية حين يصلوا إلى وجهتهم. 

غرقت الزوجة في الحزن، كونها زوجة تركي وستعيش بعيدة عن وطنها مع شعب أخلاقه وعاداته تختلف كلياً عما تعلمته، فغرقت في الميلانخوليا، وبالرغم من محاولات زوجها التخفيف عنها لكنه فشل. 

المفاجأة أنهم وصلوا إلى حلب حيث كان لمصطفى العديد من المعارف، وهنا تظهر الفضيحة، إذ إن قصتهما التي أصبحت معروفة في القاهرة والإسكندرية وصلت إلى حلب، وما إن اقتربوا من المدينة حتى وجدوا الناس ينتظرون رؤية السيدة الفنلندية التي تزوجت من تركي ظنت أنه ضابط إسباني تمكن من تحصيل ثروة في إسبانيا وعاد بها إلى حلب. على النقيض كل المسيحين أو "الروم" تعاطفوا معها وحاولوا التخفيف عنها. 

الإشاعة بأن الإسباني أحضر معه ثروة، دفعت لصوصاً لقتله، لا نعلم بدقة كيف، لكنه وجد مقتولا في غرفته، وبالرغم من الحزن الذي اعتلى زوجته كان هناك أمل بالخلاص، إذ أتت امرأة مارونيّة من جبل لبنان إلى حلب، ودعت الزوجة للإقامة معها في عينطورة ضمن "بلد مليء بالمسيحيين" حيث يمكنها ممارسة دينها بكل حريّة مع ابنها. 

بعد سنوات من الإقامة في جبل لبنان، تمكنت أمها من معرفة مصيرها، وبمساعدة البعثات التبشيريّة، تمكنت من ركوب سفينة متجهة نحو بلادها حيث ستربي ابنها بسلام وأمان. 

لماذا سُردت حكاية مصطفى ؟ 

الحكاية في النسخة التي يوردها فان بروين الرحالة الألماني أشد تفصيلاً إذ نقرأ أن ابن مصطفى اسمه حامد، وقد خُتن في القاهرة، لكن أمه قامت بتعميده سراً، كما أنهم قبل زيارة حلب ذهبوا إلى القدس حيث عاش مصطفى هناك فترةً، إلى جانب  كثير من التفاصيل العاطفيّة التي أوردها بروين يقتبس منها غرين في الهوامش. 

لكن السؤال هنا، لماذا هذه الحكاية في كتاب رحلات؟ وما الذي يمكن أن يفهمه السفير البريطاني منها في حال قرأها، خصوصاً في ظل غياب أي مرجعية حقيقة عن أسماء الشخصيات أو دقة تحركاتهم بين المدن. 

نطرح هذه الأسئلة بسبب الفجوات في الحكاية التي تحمل رسالة سياسية، وهي يجب الحذر من المحمّديين كون مؤامراتهم قد تمتد لفترة طويلة، وقد تبدأ منذ الصغر حتى لو ظهروا عكس ذلك، و هنا يظهر انتحال الشخصيّة الذي مارسه "مصطفى"  الذي أظهر ديناً وأبطن آخر، وهي الموضوعة المتكررة دوماً في الحكايات من هذا الشكل، وكأن الهوية والدين ينتقلان بالدم، وما يكشف الأثر العنصري والسياسي لهذه الحكاية، والأهم، مقتل مصطفى جاء من أبناء جلدته، أولئك الذين من المفترض أنهم أهله وناسه، وساعدوه طيلة الطريق. 

تحمل الحكاية العديد من العناصر التخيلية والسرديّة، لكنها تعيد وتكرر ذات المشكلة، الهويات الأصليّة لا يمكن الفكاك منها، ناهيك أننا لا نعلم بدقة لماذا بالأصل تم إرسال مصطفى إلى قائد إسباني، وهنا تظهر القيمة الثانية للحكاية المرتبطة ببريطانيا نفسها، كون الحكاية جغرافياً تقسم العالم إلى مساحات يختلف فيها الولاء الديني، وهو أساس سير الرحلة، أي أن مصطفى يتتبع خطة دينيّة سريّة يقوده عبرها أبناء جلدته، ولا يتبع الخرائط الموجودة في الفصول السابقة من الكتاب. 

الملفت في الحكاية هو تعدد ألسنة مصطفى، إذ يبدو أنه يتكلم العربيّة، والإسبانيّة، وربما الفنلندية بسبب زوجته، وربما البربرية، وأيضاً الإنجليزيّة بسبب قبطان السفينة، والتركية كونه تركيّ، كل هذه اللغات تجعل من مصطفى فرداً كوزموبيلتانياً، بل وتهديدياً للهوية الأوروبيّة نفسها كونه تمكن من خداع الجميع، وهنا تكمن إحدى خفايا هذه الحكاية، ألا وهي ضرورة الحذر من الجواسيس، إذ من الممكن أن يكون مصطفى جاسوساً، أرسل منذ الصغر للتغلغل في الجيش الإسبانيّ، وجمع معلومات محددة والعودة بها إلى السلطة العثمانيّة. 

جانب آخر من الحكاية وهو المثير للاهتمام أنه لا عقبات بوجه مصطفى، هو يثير إعجاب الأوروبيين ويصادق الترك والعرب، ولم يفضحه أي شيء أمام زوجته إلا ممارسته لدينه الذي امتنع عنه طيلة فترة حياته في أوروبا، هذه القدرة على التنقل بين الهويات، تعيد إلى الذاكرة حكاية حسن الوزان، وغيرها من القصص لكن الاختلاف أن هذه الحكاية تظهر في كتاب جدّي، يصف جغرافيات البلدان ويرسم خرائطها ويلتقي مع أطباع الناس ودينهم وعاداتهم، أي نحن أمام وثائق تدّعي الجدية في الأقسام الأولى من الكتاب، وفي حكاية مصطفى نحن أمام ما يشبه المتخيل عن شخص "مجهول"، لنرى أنفسنا أمام رحلتين متناقضتين، جدية، اسكشافيّة، ذات دوافع سياسيّة تخدم بريطانيا، وأخرى متخيّلة، مليئة بالتنكر، ذات دوافع شخصيّة قام بها شخص ما لأجل المال والمغامرة. 

يكشف لنا ترتيب الكتاب عن شكلين للمغامرة، الأولى التي تسمى المستكشف أو الرحالة التي يقوم بها المستشرق ويجمع فيها ما هو مفيد واقتصادي ولا تسمّى مغامرة، والآخر شبه المتخيّل الذي يقوم به "الأعداء" المخادعون، الذي لا يدخلون أراضي أوروبا إلى غزاة أو متنكرين، يستغلون ثقة  نسائها ويحصلون الأموال ليعودوا إلى بلادهم، وهذا ما يفسر دماثة مصطفى على طول الحكاية، وكأنها تنكر، أو خدعة يمارسها حتى على نفسه، فاسمه ذاته مجهول، ولا نعلم عنه سوى دينه وخديعته، ونهايته المأساوية على يد أبناء جلدته.