يثير انتشار الجيش السوري على الحدود السورية اللبنانية، في ظل تصاعد التوتر في المنطقة، تساؤلات حول احتمال تدخل الجيش داخل الأراضي اللبنانية. ويطرح هذا الانتشار فرضيات عدة، من بينها إنشاء حزام أمني يهدف إلى منع تسلل مجموعات معادية إلى الداخل السوري، أو الدفع باتجاه معالجة ملف ترسيم الحدود العالق بين البلدين.
وفي هذا السياق، أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية أن انتشار وحدات الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق يأتي في إطار إجراء وقائي يهدف إلى ضبط الحدود وتنظيم الحركة عبرها، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة.
كما أكدت مصادر عسكرية سورية لوكالة الأنباء الرسمية "سانا" أن "الخطوة دفاعية وسيادية بحتة، وتهدف إلى توطيد الأمن الداخلي وترسيخ الاستقرار على الشريط الحدودي"، مشددة على أن "دمشق لا تخطط لأي عمل عسكري ضد دول الجوار، لكنها مستعدة للتعامل مع أي تهديد أمني يستهدفها".
وبحسب ما نقلته الوكالة، فإن التمركز العسكري الجديد يهدف أيضاً إلى فرض القانون في المناطق التي شهدت نشاطاً لشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وتعزيز الاستقرار في القرى والبلدات الحدودية، بما ينعكس على أمن السكان ويمتد أثره إلى لبنان والعراق.
تحذيرات من تداعيات التصعيد الإقليمي
وبالتوازي مع هذه التطورات، حذر الرئيس السوري أحمد الشرع من أن التصعيد العسكري الجاري في الشرق الأوسط يشكل تهديداً وجودياً للمنطقة بأسرها، مؤكداً في الوقت نفسه دعم دمشق للرئيس اللبناني جوزيف عون في مسألة نزع سلاح حزب الله.
وقال الشرع، خلال مشاركته في اجتماع عبر تقنية الاتصال المرئي مع عدد من قادة دول الشرق الأوسط، بدعوة من رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن "سوريا الواقعة على مفترق جغرافي بين ثلاث جبهات مشتعلة تتعرض لتداعيات مباشرة وخطيرة نتيجة هذه التطورات".
وأشار إلى أن بلاده نسّقت موقفها مع دول المنطقة في ظل التصعيد الجاري، موضحاً: "قمنا بتنسيق موقفنا الموحد مع دول المنطقة، وعززنا قواتنا الدفاعية على الحدود احترازياً لمنع انتقال تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية".
وأضاف أن هذه الإجراءات تهدف أيضاً إلى مكافحة التنظيمات العابرة للحدود ومنعها من استغلال الأراضي السورية في ظل حالة التوتر الإقليمي، مشدداً على دعم دمشق مساعي الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وفي أحدث التطورات الميدانية على الحدود، أعلن الجيش السوري، الثلاثاء، أنه رصد وصول تعزيزات لحزب الله اللبناني إلى الحدود السورية – اللبنانية، مؤكداً أنه يراقب الوضع ويقيّم الموقف بدقة، وفق ما نقلته وكالة "سانا".
كما أفاد بسقوط قذائف مدفعية على الأراضي السورية قرب بلدة سرغايا غربي دمشق، مشيراً إلى أن مصدرها الأراضي اللبنانية، ومتهماً حزب الله بإطلاقها باتجاه نقاط للجيش السوري في المنطقة.
وأكد الجيش السوري أنه يجري اتصالات مع الجيش اللبناني، ويدرس الخيارات المناسبة لاتخاذ ما يلزم، مشدداً على أنه "لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف الأراضي السورية".
حزام أمني محتمل
تعليقاً على هذه التطورات، يربط الباحث في مركز جسور للدراسات، عبد الوهاب العاصي، احتمال حدوث تدخل سوري في لبنان بعاملين حاسمين.
ويرى العاصي، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن أي تدخل محتمل يرتبط أولاً بحجم انهيار الوضع الأمني داخل لبنان، وثانياً بمدى استعداد القوى الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، للتعامل مع وجود دور عسكري سوري محدود على الحدود اللبنانية ضمن ترتيبات الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.
وبناء على هذين العاملين، يرى العاصي أن أي تدخل سوري محتمل لن يكون بدافع سياسي لاستعادة الدور الذي كان قائماً قبل عام 2005، بل بدافع أمني بحت.
ويشير إلى أن هذا الدافع يرتبط بمنع انتقال الفوضى إلى الداخل السوري، خصوصاً إذا أدى التصعيد بين إسرائيل وإيران والميليشيات المرتبطة بها إلى انهيار الوضع الأمني في لبنان أو إضعاف مؤسسات الدولة فيه.
ووفق هذه القراءة، لا يُتوقع أن يكون أي دخول عسكري سوري واسع النطاق، بل قد يقتصر على انتشار محدود على طول الحدود الشرقية للبنان، وربما في بعض مناطق البقاع القريبة من الحدود.
ويهدف هذا الانتشار، بحسب العاصي، إلى إنشاء حزام أمني يمنع تسلل عناصر حزب الله أو استخدام الحدود من قبل فلول النظام السابق وشبكات التهريب، إضافة إلى ضبط الحدود في ظل ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية.
ويضيف أن تدخلاً محدوداً من هذا النوع قد يجعل ملف ترسيم الحدود السورية – اللبنانية، بما في ذلك مزارع شبعا، جزءاً من التسويات التي قد تُطرح لاحقاً بعد انتهاء الحرب الإقليمية وإعادة ترتيب الوضع السياسي في لبنان.
كما يعتقد أن تحول الحرب الإقليمية إلى مواجهة أوسع تستهدف نفوذ إيران وميليشياتها في المنطقة قد يؤدي إلى القضاء على حزب الله أو تقليص دوره في لبنان، ما قد يخلق فراغاً أمنياً في بعض المناطق الحدودية.
وفي هذه الحالة، قد يسعى الجيش السوري إلى ملء هذا الفراغ بشكل محدود، بهدف حماية حدوده ومنع امتداد أي فوضى أمنية محتملة وفقا للعاصي.
تداخل الحدود يعرقل ملف الترسيم
من جانبه، يرى المحلل السياسي درويش خليفة أن ترسيم الحدود السورية – اللبنانية بشكل يسمح بإدارتها وضبطها بشكل مستقل من قبل كل دولة يواجه صعوبات كبيرة.
ويقول خليفة، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن هذه الحدود تشهد اضطرابات أمنية متكررة في كل أزمة، نتيجة للتداخل الجغرافي بينها، إضافة إلى تدخل حزب الله سابقاً في الحرب السورية.
ويضيف أن الحدود تبقى عرضة للتوتر في أي وقت، خصوصاً مع وجود فلول من النظام المخلوع في الأراضي اللبنانية، والذين قد يستغلون أي اضطراب أمني للتسلل إلى الداخل السوري وتنفيذ أعمال تخريبية تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار.
ورغم ذلك، يستبعد خليفة احتمال تدخل الجيش السوري داخل الأراضي اللبنانية، سواء بشكل محدود أو واسع.
ويعزو ذلك إلى أن الوضع الأمني في سوريا لا يزال هشاً ويحتاج إلى انتشار أمني وعسكري واسع داخل البلاد، ما يجعل إرسال قوات إلى لبنان خطوة قد تحمل مخاطر داخلية.
كما يشير إلى احتمال مواجهة أي قوات سورية لمقاومة من القوى المسلحة في لبنان، مثل "حزب الله" أو "حركة أمل"، فضلاً عن أن الجيش اللبناني لن يقبل بانتهاك سيادة أراضيه.
ويلفت خليفة أيضاً إلى أن الذاكرة اللبنانية ما تزال مثقلة بتجربة وجود الجيش السوري في لبنان قبل عام 2005، وهو ما يجعل تكرار هذا السيناريو أمراً صعب القبول لدى كثير من القوى السياسية اللبنانية.
الموافقة الأميركية مستبعدة
ويرى خليفة أن الدور الأساسي المطلوب من الجيش السوري حالياً هو حماية حدوده ومناطقه الحدودية، وليس التدخل لحماية حدود دول أخرى.
ومع ذلك، يشير إلى أن التنسيق الأمني بين سوريا ولبنان يبقى احتمالاً قائماً، من خلال توزيع المهام الأمنية على نقاط جغرافية محددة لضبط محاولات التسلل عبر الحدود في كلا الاتجاهين.
ومن جهة أخرى، لا يرجح خليفة حصول الجيش السوري على ضوء أخضر أميركي لإنشاء حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية.
ويعزو ذلك إلى هشاشة الوضع الأمني في سوريا، إضافة إلى أن الحدود تخضع لمراقبة إسرائيلية، وقد تستهدف تل أبيب أي مجموعات مرتبطة بحزب الله تحاول التسلل عبر الحدود.
ويضيف أن احتمال تدخل "حزب الله" في سوريا في الظروف الحالية يبدو ضعيفاً، في ظل الهجوم الإسرائيلي الواسع على الجنوب اللبناني، والذي أدى إلى تدمير عشرات القرى.
وبحسب خليفة، فإن الأولوية بالنسبة للحزب في هذه المرحلة هي الدفاع عن لبنان بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وليس التوسع في جبهات أخرى.
ويختتم بالقول إن أي محاولة من حزب الله لدخول الأراضي السورية في هذه الظروف قد تكون مكلفة للغاية للحزب.