معيلات لأسرهن.. على ضفاف الحاجة والجوع في ريف حلب الشرقي |صور

تاريخ النشر: 06.12.2021 | 05:14 دمشق

ريف حلب - حسين الخطيب

تحولت المئات من النساء إلى معيلات لأسرهن في شمالي شرقي حلب، بعد فقدانهن أزواجهن خلال الحرب التي عصفت بالثورة السورية، ليجدوا أنفسهن مسؤولات عن أسرة كاملة لا معيل لها تكابد هذه المرأة مشقةً يومية في سبيل الحصول على لقمة طعام بات الحصول عليها صعباً في ظل الظروف الحالية التي تعيشها مختلف مناطق سيطرة الفصائل العسكرية شمال غربي سوريا.

في بلدة ترحين في ريف حلب الشمالي الشرقي، تعيش العشرات من العائلات السورية التي فقدت معيلها خلال السنوات الماضية من مناطق سورية متفرقة، حيث تختلف بيئة المقيمات في المكان مع اختلاف المحافظات التي هجروا منها بحثاً عن الأمن والإقامة مع باقي أفراد الأسرة المتبقية، في حين لا تختلف قسوة الظروف بينهم.

مشقة تأمين طعام أطفالهن

تكابدُ سعاد الموسى، مشقةً يومية في سبيل تأمين وجبة طعام لأطفالها الذين ينتظروها في داخل الغرفة التي انتقلوا إليها مؤخراً بعدما كانوا يعيشون في مخيم عشوائي بمحيط بلدة ترحين بريف حلب الشمالي، حيث تعمل السيدة في المياومة بأعمال زراعية كجني ثمار الزيتون والبطاطا وغيرها من المحاصيل الزراعية التي تكثر زراعتها في منطقة ريف حلب الشرقي.

تقول السيدة خلال حديثها لموقع "تلفزيون سوريا": "فجأةً وجدت نفسي مسؤولةً عن أربعة أطفال بعد وفاة زوجي من جراء قصف منزلنا في بلدة خناصر بريف حلب الجنوبي، عقب سقوط قذيفة مدفعية في الغرفة التي يجلس بها قبل عدة سنوات، ومن هنا بدأت رحلة المشقة التي أكابدها بشكل دائم حتى يومنا هذا".

وتضيف الموسى: "كنتُ أقيم في مخيم عشوائي بالقرب من القرية التي انتقلت إليها مؤخراً في ظل وضع معيشي مُزر لأن أطفالي صغار ولا يستطيعون العمل لتأمين قوت يومنا، لذلك أضطر للعمل في جني المحاصيل الزراعية والعديد من المهن الصعبة في سبيل تأمين قوت طعام الأطفال".

 

 

تعمل معها العديد من السيدات في هذه المهنة بمبلغ لا يتجاوز الليرتين عن كل ساعة عمل، ويمتد العمل إلى عشر ساعات وبناءً على ذلك تحصل على 20 ليرة تركية، وهذا المبلغ لا يتجاوز الدولار والنصف فقط، تأخذها دفعةً واحدة عن خمسة أيام من العمل، مثلها مثل العديد من السيدات اللواتي يعملن في هذه الأعمال.

تخرجُ السيدةُ من مسكنها مشياً على الأقدام تسير مع مجموعة من السيدات إلى أحد الحقول الزراعية مع ساعات الصباح الأولى، تحاول أن تزيد عدد الساعات من العمل لتحسين مردودها المالي الساعي الذي تحصل عليه إلا أنها لا تستطيع أن تزيد على 10 ساعات عمل لأن نهار الشتاء قصير وبارد كما أشارت خلال حديثها لموقع "تلفزيون سوريا".

وتشكل نسبة النساء العاملات في القرية التي يبلغ عدد العائلات المقيمة 50 عائلة نحو 70 % منهن يعملن في مهنة جني المحاصيل الزراعية ورعايتها خلال عملية إنباتها إلا أنهن فعلياً غير قادرات على توفير أدنى المقومات المعيشية لأسرهن لا سيما في ظل انخفاض الأجور وتردي قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأميركي وارتباط أسعار السلع بالدولار.

واقع معيشي متردّ

في الجهة المقابلة من منزل سعاد تقيم سيدة أخرى تدعى أم سامر 35 عاماً، لديها طفلان يبلغ الكبير منهما 10 سنوات، هي من سكان أحياء حلب الشرقية هجرت مع أسرتها عقب سيطرة نظام الأسد وميليشياته الموالية له على المدينة في الربع الأخير من العام 2016.

تواجه السيدة أم سامر تحديات معيشية صعبة للغاية لا تمكنها من توفير أدنى الاحتياجات لأطفالها، الذين باتوا في وسط منطقةٍ خاليةٍ من السكان وبعيدة عن التجمعات السكنية، الذي ساهم في غياب المنظمات الإنسانية عن وضعهم.

قالت السيدة خلال حديثها لموقع "تلفزيون سوريا": "الحياة المعيشية صعبة جداً لا نستطيع أن نوفر احتياجات أطفالنا من الطعام فنحن نقيم في مخيم بمحيط بلدة ترحين منذ سنوات وليس لدينا بديل آخر انتقلنا مؤخراً إلى قرية مخصصة للأرامل ويطلق عليها اسم "الراحمون"، إلا أنها فعلياً لا ترقى لتكون مسكناً آمناً للأرامل لا معيل لهن".

أضافت: "نطهي الطعام على النار مستخدمين (الجلّة) المصنوعة من روث الحيوانات بسبب عدم قدرتنا على توفير الغاز لطهي الطعام، ونحتاج لعمل أكثر من عشرة أيام على التوالي لتوفير ثمن أسطوانة غاز واحدة، بينما لا يتجاوز دخلنا اليومي 20 ليرة تركية".

ومما ساهم في تردي الأوضاع المعيشية لدى الأسر صاحبة الدخل المحدود انهيار الليرة التركية وفقدانها نصف قيمتها الفعلية التي كانت قبل أسابيع قليلة في حين بقيت الأجور التي يحصل عليها العاملون مقيدة بالليرة التركي أما السلع الأساسية التي تحتاج إليها الأسرة فشهدت ارتفاعاً ضخماً.

 

 

وتابعت السيدة: "ينام أطفالنا في بعض الأيام من دون طعام وقد تكون وجبتنا الرئيسية هي الخبز فقط الذي بات الحصول عليه مسألة صعبة جداً في ظل الظروف الحالية التي نعيشها". مؤكدةً: أن واقعهم المعيشي يزداد سواءً مما سيشكل لديهم خطراً على أطفالهم الصغار الذين باتوا يتعرضون للأمراض، مع انخفاض درجات الحرارة شتاءً".

ويبدو أن الظروف المعيشية باتت تحكم كل التغيرات التي تطرأ على العاملات اللواتي يتقاضين أجوراً زهيدة أمام احتياجاتهن الباهظة مما يضطرهن لمزاولة العديد من المهن بينما تضطر أخريات للبحث عن بدائل أخرى قد تضعهن ضمن ضغوط سيئة للغاية.

غياب مقومات الحياة

تغيب مقومات الحياة عن مختلف المخيمات والمراكز السكانية التي نشأت خلال العقد الماضي بعد اندلاع الثورة السورية، وحرب نظام الأسد ضد شعبه، ونادراً ما تحصل المخيمات العشوائية التي نشأت في ريف حلب الشرقي على شكل تجمعات سكانية لعائلات بينها ترابط اجتماعي على خدمات صحية وطبية وتعليمية.

صفية الحمد، مهجرة من دير الزور وتقيم في قرية الراحمون تحاول السيدة التأقلم مع الحياة المعيشية إلا أن انعدام مقومات الحياة عن المخيم الذي تقيم فيه يدفعها إلى مزاولة أي فرصة عمل تتاح لها للحصول على احتياجات أطفالها الصغار.

تقول السيدة خلال حديثها لموقع "تلفزيون سوريا": "أقبل الشتاء والبرد ينهش أجسادنا وعملي في المياومة لا يستطيع أن يوفر خبز أبنائي كيف لي أن أشتري مواد للتدفئة، لذلك لم أستطع وضع مدفأة في الغرفة التي أقيم بها مع أطفالي ولا سبيل لدي سوى هذه الأغطية والفراش التي يمكنها أن توفر لنا قليلاً من الدفء".

وأكدت أن مقومات الحياة في القرية منعدمة مع غياب المؤسسات الخدمية التي يمكنها تقديم المساعدة من أجل تحسين الواقع الخدمي الذي بات يرهقنا". 

 وأضافت: "لا يتوفر فيها الاحتياجات الأساسية كالمياه والخبز والخدمات الصحية والكهرباء والطرقات المعبدة مع غياب تام للمؤسسات التعليمية حيث تبعد المدرسة والنقطة الطبية 3 كم، وفي حال اضطررنا لزيارة الطبيب بشكل عاجل لا يمكن نقل المريض إلى النقطة الطبية لعلاجه".

ومع انعدام المقومات المعيشية وانعدام الأمن أيضاً يزيد من التحديات التي تفرضها قسوة الظروف أمام النساء اللواتي سيكُنَّ عُرضةً للاستغلال والابتزاز من قبل أصحاب المشاريع الزراعية والأشخاص الذين يعملْنَ لديهم.

 

 

يأتي ذلك مع غياب المنظمات الإنسانية واقتصار دعمها على توفير مواد غذائية إغاثية دورية من دون إيجاد حلول لهؤلاء النساء المعيلات لأسرهن من خلال توفير المسكن الآمن لهن ولأطفالهن، وتحسين الواقع الخدمي للمكان الذي يعيشن فيه، وتنفيذ مشاريع تنموية تضمن لهنّ الحصول على فرصة عمل تمكنهنّ من تأمين مصروف أبنائهن في ظل الظروف القاهرة التي باتت تتحكم في مختلف مفاصل حياتهن وتحركاتهن.