عادت روسيا لتعزيز نفوذها في سوريا ولكن بهدوء شديد، فقد خلق سقوط نظام بشار الأسد الذي كانت روسيا تدعمه قبل عام تقريباً فرصة لا يمكن أن تتكرر لأجيال وذلك لإعادة تشكيل حالة توازن القوى في الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة، ولعل هذه النافذة باتت في طور الإغلاق الآن، لأن عدم مجابهة روسيا في سوريا ستكلف الغرب كثيراً على مستوى العالم كله.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بسوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المعهد ومصادره، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
"إعادة تعريف" العلاقات مع روسيا
خلال هذا الشهر، استقبل فلاديمير بوتين الرئيس السوري أحمد الشرع للمرة الأولى منذ سقوط الأسد، فقد حرص الشرع على "إعادة وضع تعريف" للعلاقات مع موسكو، أما بالنسبة لروسيا، فإن سوريا تتمتع بأهمية كبيرة كونها تمثل موقعاً استراتيجياً يطل على شرقي البحر المتوسط، وهذا الموقع يسمح لها باستعراض قوتها في الشرق الأوسط وإفريقيا والخاصرة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، وكذلك في مختلف أرجاء جنوبي أوروبا. ومع احتدام الحرب الروسية في أوكرانيا، أصبح الوصول إلى شرقي المتوسط طريقاً مهماً أمام الأمور اللوجستية الروسية.
انحسر الضوء المسلط على روسيا في سوريا بشكل كبير، غير أن الوجود الروسي بات يتعزز مرة أخرى ولكن ببطء، فقد احتفظت موسكو بقاعدتيها العسكريتين في سوريا وذلك في كل من طرطوس وحميميم، حيث يمكنها إعادة تخطيط الهدف منهما وذلك لتأدية مهام إضافية، كأن تتحولا إلى مركزين لإرسال المساعدات الإنسانية إلى إفريقيا. وقد أكد الشرع في لقائه مع بوتين بأنه يحترم الاتفاقيات السابقة التي عقدت مع روسيا، وهذا ما يؤكد سلامة القاعدتين الروسيتين وبقاءهما على حالهما.
ماتزال روسيا المورد الأساسي للنفط إلى سوريا، كما أنها ستطبع العملة السورية الجديدة، فضلاً عن السفارة الروسية ظلت مفتوحة في سوريا، ومع تراجع القيود على الصفقات الاقتصادية التي تبرم مع سوريا، أصبحت روسيا في موضع يؤهلها بشكل كبير لتعزيز علاقاتها مع هذا البلد عبر الاستعانة بوسطاء سريين في مجال المشاريع التجارية.
في مطلع أيلول من هذا العام، ترأس نائب رئيس الوزراء الروسي ألكساندر نوفاك وفداً طار إلى سوريا ليقدم المساعدات ويعرض التعاون في مجال الطاقة، وقبل ذلك، دعت الحكومة السورية شركة تاتنيف وهي خامس أكبر شركة طاقة بروسيا، إلى جانب غيرها من الشركات الروسية، لمواصلة عملياتها في سوريا، ولم يعد هنالك أي حظر على روسيا في مجال تزويد سوريا بالنفط، وفي الوقت الذي تركزت المصلحة الأميركية في الحفاظ على استقرار سوريا، فإن ذلك لا يجوز أن يأتي على حساب أولويات أخرى في مجال السياسة الخارجية.
وقبل زيارة الشرع لموسكو في هذا الشهر، أكد غير مرة على ضرورة وجود علاقات مع روسيا، فمن منظور براغماتي صرف، ماتزال سوريا تعتمد على روسيا في مجال العتاد العسكري والدعم الدبلوماسي والاقتصادي، على الرغم من إبداء سوريا لتوجهات والت الغرب بنسبة أكبر.
والحق يقال إن سقوط الأسد بحد ذاته لم يكن نقطة التحول بالنسبة للنفوذ الروسي كما اعتقدت جهات كثيرة في الغرب. إذ في مقابلة أجريت منذ فترة قريبة مع الشرع، تبين لنا بأن سقوط الأسد لم يكن ضربة استراتيجية قاتلة لروسيا، فقد كشف الشرع بأن قواته عندما ترأست الهجوم العسكري الذي أطاح بالأسد، دخلت في مفاوضات سرية مع الروس بغية التوصل إلى تفاهم، وهكذا وصلت قوات الشرع إلى مدينة حمص، فنأت روسيا بنفسها عن المعركة حسب قوله، كما تجنبت قوات الشرع الهجوم على قاعدة حميميم الجوية التابعة لروسيا، أي أن روسيا اختارت التخلي عن الأسد مع الاحتفاظ بوجودها ونفوذها المهم في سوريا، من خلال العلاقات التي أقامتها مع القيادة السورية الجديدة.
هدف بوتين الأهم
بيد أن عدم مجابهة الولايات المتحدة لروسيا واستمرارها في علاقاتها مع سوريا يمكن أن يودي بمصداقيتها مع حلفائها وشركائها في أوروبا والشرق الأوسط، كما أن عدم التدخل في سوريا قد يمنح روسيا موارد إضافية تساعدها على مواصلة حربها على أوكرانيا، حيث يمكن لذلك أن يرفد الجهود التي تبذلها في شتى أصقاع العالم للحد من النفوذ الأميركي بغية تشكيل عالم متعدد الأقطاب، إذ لطالما ركزت سياسة موسكو في سوريا على تحقيق هذا الهدف الأكبر الذي يضمره فلاديمير بوتين، أي أن هدفها لم يكن دعم الأسد أو حتى سوريا نفسها، لذا، فإن عدم إبعاد روسيا عن سوريا اليوم يمكن أن يقوض الأهداف الأميركية المتعلقة بأوروبا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، وتنافس القوى العظمى على قيادة العالم.
منذ أمد بعيد، أعلن السياسيون الأميركيون بأنه لا يجوز لروسيا أن تستفيد من جرائم الحرب التي ارتكبها الأسد، غير أن روسيا استفادت قبل كل ذلك من توسيع علاقاتها الاقتصادية وغير الاقتصادية مع سوريا بعد سقوط الأسد. كما لم يحاسب الأسد أو فلاديمير بوتين على جرائم الحرب التي ارتكباها في سوريا، والتي شملت الاستعانة بالتعذيب والقصف العشوائي الذي استهدف المدنيين، ناهيك عن استغلال روسيا لسوريا كساحة لتجريب عتادها وتكتيكاتها العسكرية والتي استخدمها الكرملين في أوكرانيا بعد ذلك.
مع تراجع نفوذ موسكو في سوريا إلى حد كبير الآن مقارنة بما كان عليه أيام وجود الأسد في السلطة، أضحت تلك لعبة طويلة الأمد بالنسبة للكرملين، وذلك لأن موسكو تبنت نهجاً أشد حذراً وأخذت تبني علاقات على عدة جبهات ولكن بصورة بطيئة، مع تقديمها لنفسها كقوة مضادة لغيرها من العناصر الفاعلة الخارجية في سوريا، غير أن الشرع نفسه وغيره من العناصر الفاعلة الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل، لا يستعجلون أمر حرمان روسيا من هذا الدور الذي تلعبه.
النفوذ الروسي وزعزعة الاستقرار في سوريا
بيد أن موسكو أضحت في موضع يخولها العودة من جديد إلى سوريا، في حال عدم وقوف الغرب في وجه مطامحها. إذ بخلاف بقية العناصر الفاعلة في سوريا التي تلعب اليوم دوراً أوضح وأهم في سوريا، مثل تركيا، حافظت موسكو على ميزة إبقائها على علاقات مع جميع الأطراف، ولهذا فإن بوسعها أن تعتمد على دعمهم جميعاً، وعلى رأس تلك الأطراف تأتي قوات سوريا الديمقراطية، والعلويون، وكذلك الدروز، إذ يرى بعض الناس بأنه بوسع موسكو استغلال هذه العلاقات لإشعال مزيد من التوتر العرقي وغير العرقي بما يسهم في إبقاء سوريا ضعيفة ومقسمة، ويجعل البلد عرضة لمد نفوذ قوى أخرى فيه وتلاعبها به.
لذا، يتعين على الغرب أن يتصرف الآن قبل أن تغلق النافذة التي تمثل فرصة لمجابهة روسيا، كما على الغرب أن يدعم بدائل أفضل في سوريا بالنسبة لروسيا مع الضغط على الشرع لكبح جماح موسكو، وبوسع الغرب استغلال نفوذه الاقتصادي لتحقيق هذا الغرض، فسوريا بحاجة لاقتصاد فاعل نشط، وروسيا لا يمكنها رفد سوريا باقتصاد كهذا، ولدى دمشق رغبة بالتعامل مع الغرب.
وفي حال ظهور فرص يمكن للروس استغلالها ليتدخلوا في سوريا في ظل غياب الغرب، فإنهم لابد أن يذكروا الحكومة السورية بأن الدعم الروسي سيصل بسرعة ومن دون أي شروط، مقارنة بما تفعله الدول الديمقراطية التي تؤخر إرسال المساعدات لتطالب بتحسين حقوق الإنسان. وفي حال عودة تنظيم الدولة، فإن روسيا لن تقف في وجهه بثبات ورسوخ، بل إن النفوذ الروسي هو ما يضمن زعزعة أكبر للاستقرار في سوريا، وفي الشرق الأوسط عموماً، كما بوسع موسكو مضاعفة التوتر الإقليمي القائم حالياً بهدف تشتيت الغرب، وإرغامه على إنفاق موارده على صراعات ستحدث مستقبلاً، مع صرف اهتمامه عن أوكرانيا. ما يعني بأن الشرق الأوسط مايزال مسرحاً مهماً لمواجهة أكبر بين موسكو والغرب، لذا فإن عدم كبح جماح بوتين لابد أن يتسبب بعودة روسيا إلى المنطقة من جديد.
المصدر: The Washington Institute