icon
التغطية الحية

معهد إسرائيلي: سوريا ما بعد الأسد بين إعادة تشكيل السلطة وصراع النفوذ الإقليمي

2025.05.12 | 11:09 دمشق

543
سوريا ما بعد الأسد.. صراع نفوذ إقليمي محتدم
The Institute for National Security Studies- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت سوريا تحولاً كبيراً بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة، مما أثار مخاوف بسبب خلفيته الجهادية، وأدى إلى اضطرابات داخلية أثرت على شرعية الحكومة الجديدة.
- إسرائيل ترى في الوضع السوري فرصة لإعادة صياغة علاقتها مع دمشق، مع استمرار الغارات ودعم الأقليات، بينما يقترح معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تفاهمات تدريجية تشمل ترتيبات أمنية وتعاوناً اقتصادياً.
- التوترات بين إسرائيل وتركيا تتصاعد بسبب الوجود العسكري التركي في سوريا، لكن التعاون في إعادة الإعمار قد يمثل فرصة للتعاون بين البلدين، مع دعم مشاريع البنية التحتية من قبل دول الخليج.

في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة تتسم بإعادة تشكيل السلطة داخلياً وتنافس إقليمي حادّ على النفوذ.

تتناول دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) تطورات الوضع السوري من منظور إسرائيلي، مع تحليل تعقيدات العلاقة مع الحكومة الجديدة، وانعكاسات التدخلات الإقليمية المتداخلة لكل من إيران وتركيا على مستقبل الاستقرار في سوريا والمنطقة.

يورد موقع تلفزيون سوريا هذه الدراسة من باب تسليط الضوء على الكيفية التي تنظر بها المؤسسات البحثية الإسرائيلية إلى الشأن السوري، دون أن يعني ذلك تبنّيا لما يرد فيها من طروحات أو تحليلات بالضرورة.

 

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا للدراسة:

 

في الثامن من كانون الأول لعام 2024، شهدت سوريا منعطفاً تاريخياً مع سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو، ولقد غيرت التحولات الدراماتيكية الأخيرة ميزان القوى الذي رسم مصير البلد خلال العقد الماضي، وماتزال تلك التغيرات جارية. إذ ضمن الطيف الذي يتراوح ما بين التوسط والاعتدال والحكومة الجامعة من جهة، وحالة عدم الاستقرار الذي ظهرت بسبب التطرف من جهة أخرى، لم يتضح حتى الآن الوجهة التي سيسير عليها النظام الجديد، وعلى الرغم من اتخاذ هذا النظام بعض الخطوات الإيجابية، مايزال الشك قائماً بالنسبة للنوايا الحقيقية التي يضمرها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، وذلك بالنظر إلى خلفيته الجهادية.

ومع ذلك، من الصعب تجاهل السرعة التي تأسست من خلالها الحكومة الجديدة وقدمت نفسها على أنها سلطة شرعية تتخذ خطوات نحو نشر الاستقرار في البلد. إذ خلال أربعة أشهر، شكلت حكومة انتقالية وتعمل الآن على إعادة العلاقات السورية مع الخارج، كما بدأت الإدارة الجديدة بتوجيه رسائل طمأنة للعالم ولدول الجوار، وعلى رأسها إسرائيل، أكدت من خلالها أنها لا تعتزم الدخول في أي نزاع عسكري. ثم طرحت جدول أعمالها، وأكدت على أهدافها البراغماتية التي تقوم على مشاركة السلطة، وحقوق الأقليات، وتطوير الاقتصاد بما أن كل تلك الأمور مهمة وحساسة بالنسبة لبلد عانى من ويلات الحرب.

وعلى الرغم من تلك الخطوات الإيجابية، يتعرض هذا النظام لتحديات كبيرة، وخاصة فيما يتصل بإحكام سيطرته على جميع القوى المسلحة التي تعمل باسمه، فقد اتضح ذلك خلال الاشتباكات الدموية بين الطائفة العلوية وقوات النظام الجديد في اللاذقية، في أواخر شهر آذار عام 2025، وعلى الرغم من أن تلك الأحداث لطخت صورة النظام الجديد، حرص الشرع على تخفيف الضرر وذلك عبر إدانة العنف وتأسيس لجنة تحقيق محلية وذلك لفتح تحقيق في الأحداث ولملاحقة المسؤولين عنها بشكل قانوني.

وبالعموم، يبدو بأن السياسة التي اتبعها الشرع قد خلقت فرصة لإعادة رسم شكل العلاقات الإقليمية، ولكن النهج الإسرائيلي تجاه سوريا منذ سقوط الأسد رسمته المخاوف الأمنية التي تأثرت بصدمة السابع من تشرين الأول، إذ ردت إسرائيل على ذلك باحتلال المنطقة العازلة منزوعة السلاح التي أقيمت بموجب اتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة في عام 1974، وقد شملت الأراضي التي احتلتها إسرائيل مؤخراً الجانب الذي تسيطر عليه سوريا من جبل الشيخ، فضلاً عن شنها لسلسلة غارات جوية مكثفة على مواقع عسكرية سورية، ثم الغارات التي استهدفت دمشق، وكل ذلك خلق توجهاً قائماً على المواجهة، ناهيك عن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين أعلنوا بأن الحكومة الجديدة يترأسها: "إرهابي جهادي من مدرسة تنظيم القاعدة"، وقد وجهت إيران رسالة مماثلة لتلك الحكومة، وهذا ما أثار الشكوك حول استعداد إسرائيل للتفكير بإحداث تغيير هائل في علاقاتها مع سوريا.

وبالتوازي مع العمليات العسكرية، أعلنت إسرائيل عن سياسة "التعامل مع الأقليات" والتي خصت الكرد والدروز بها، بما أنهم يشاطرونها المخاوف نفسها بشأن صعود قوى إسلاموية في المنطقة، إلى جانب الخوف على أمنهم. ولذلك تعهدت إسرائيل بدعم الكرد، وبحماية الدروز بوسائل عسكرية إن لزم الأمر، وهذا ما جعل إسرائيل في موقف الممثل عن تلك الأطراف في خضم النزاعات الداخلية بسوريا، كما جعلها معادية للحكومة ذات الأغلبية السنية، وكان السبب الذي دفع إسرائيل لتبني هذه السياسة هو رغبتها بمنع حصول فراغ أمني آخر مع الاحتفاظ بحرية التصرف في تحييد أي تهديدات قد تظهر على حدودها.

بيد أن حكام دمشق الجدد ليسوا حماس، ولا يتبنون سياستها، فلقد أحجمت الحكومة السورية الجديدة عن التعامل مع قادة حماس، بل وطردت بعض الفصائل الفلسطينية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحماس، وذلك عندما طلبت منها نقل عملياتها إلى خارج سوريا، كما اتخذت هذه الحكومة خطوة قلما تحدث في سوريا وذلك عندما ألقت القبض على مسؤولين رفيعين لدى حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية. وإضافة لكل ذلك، بذلت الحكومة السورية الجديدة جهوداً حثيثة للتصدي لمحاولات حزب الله في تهريب السلاح، إذ إنها قصفت قوات حزب الله على الحدود بين لبنان وسوريا.

هل ستظهر التهديدات نفسها؟

  على الرغم من أن الحكومة السورية الجديدة ركزت وبشكل أساسي على التحديات الداخلية واحتفظت بنهج حذر ومتحفظ تجاه إسرائيل، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة والدموية في بعض الأحيان التي استهدفت الداخل السوري قد حولت وبشكل كبير اهتمام الشارع والإعلام بإسرائيل، وقد حدث هذا التحول على الرغم من تأكيد الشرع نفسه وعلى الملأ لالتزامه بالتمسك باتفاقية فض الاشتباك مع اجتناب أي نزاع مع إسرائيل.

فالغارة الإسرائيلية الدموية التي استهدفت الجنوب السوري في الثالث من نيسان الماضي، والتي أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص، أثارت غضباً عارماً بين شرائح الشارع السوري كلها، ولهذا خرجت بعد هذا الهجوم مظاهرات كبيرة إلى جانب مطالبة المجتمعات المحلية في البلد بتسليح نفسها حتى تقاوم الوجود الإسرائيلي في سوريا. أي بمعنى أصح، في الوقت الذي كان هدف إسرائيل من خلال عملياتها العسكرية يتمثل بالقضاء على أي تهديد محتمل، أتى أثرها معاكساً لهدفها، إذ تسببت تلك العمليات بزيادة المقاومة وارتفاع احتمالية حدوث اشتباكات مستقبلاً، أي أنها تسببت بوقوع السيناريو الذي كان هدفها الأول يتلخص بمنع وقوعه من خلال التدخل.

والأنكى من ذلك أن العمليات الإسرائيلية بدأت بتقويض شرعية الحكومة السورية الجديدة بعد أن بدت عاجزة عن تأكيد سيطرتها أو ممارسة سيادتها في وجه العمليات الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تبد كبير ثقة  تجاه الحكومة السورية، فإن مفهوم الضعف يمكن أن يكون له مفعول عكسي وذلك عبر تقوية العناصر المتطرفة التي تحرص إسرائيل على احتوائها. وفي تلك الأثناء، زادت الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، واتهمت إسرائيل بانتهاك السيادة السورية من دون وجود أي مبرر واضح.

في الوقت الذي تبدو سياسة إسرائيل تجاه الأقليات -والتي تقوم على دعم الكرد والدروز- استراتيجية حكيمة على المدى القصير، فإن نتائجها قد تأتي عكسية على المدى البعيد في حال تم التعامل معها كعمل إطاري أساسي للتعاطي مع سوريا. إذ عبر تشجيع حالة تشظي سوريا الحاصلة بحكم الأمر الواقع وتقسيمها إلى جيوب عرقية وطائفية، تخاطر إسرائيل بتقويض الجهود الساعية لنشر الاستقرار في المنطقة، وهذه السياسة على الرغم من أنها تبدو منحازة للمصالح الأمنية الإسرائيلية، يمكن أن تتسبب بما هو مخالف لذلك، أي بتعزيز حلقة الطائفية التي يمكن لمنافسي إسرائيل، وعلى رأسهم إيران، الاستفادة منها في نهاية المطاف.

التوسع الإيراني في سوريا

منذ سقوط الأسد وخروج القوات الإيرانية من البلد، التزمت إيران بطريقتين جديدتين لتحافظ على نفوذها في سوريا وتوسعها، إذ حتى بعد أن أجبرت على الخروج من مناطق معينة، واصلت إيران دعم قواتها الوكيلة، وعلى رأسها الموالون من الشيعة والعلويين، وحزب الله، والميليشيات الشيعية العراقية، وأمراء الحرب في سوريا، بل حتى بعض الكرد من حزب العمال الكردستاني، بما أن هذه الفئات تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الإيرانية التي تقوم على ممارسة النفوذ الإقليمي في سوريا وفي المنطقة ككل بواسطة الخبثاء من وكلائها. وفي الوقت الذي تستخدم إيران في معظم الأحيان التلاعب والبروباغندا إلى جانب تعزيز حالة انعدام الاستقرار وذلك عبر المجموعات السورية المحلية، يبقى هدفها الأكبر هو ترسيخ قواعد نفوذها في سوريا. والمثير للسخرية هنا هو أن الممارسات السياسية الإسرائيلية قد تؤيد تلك السردية بشكل غير مقصود، لأن إسرائيل سارعت لإنحاء اللائمة على الإسلاميين التابعين لهيئة تحرير الشام بالنسبة للمجزرة التي ارتكبت بحق "العلويين والمسيحيين" في آذار 2025. ولكن الواقع على الأرض يظهر اختلافات وتعقيدات أكبر، كما ينطوي على"أرواح بريئة" أيضاً. لذا بات من الواضح بأن القوات التابعة لإيران تورطت في التحريض على العنف، ومحاولة توسيع النفوذ الإيراني في سوريا حتى بين حلفاء إسرائيل الموجودين فيها، والمقصود بذلك الكرد والقرى الواقعة في الجنوب السوري.

وإضافة لذلك، فإن استمرار نشاط الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري قدم لإيران ذريعة مناسبة للمطالبة بإحياء محور "المقاومة" ضد إسرائيل من الأراضي السورية. إذ بنهاية شهر كانون الأول من عام 2024، أعلن المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، بأنه لا يشك بأن "الشباب السوري الجسور" سيطرد "الصهاينة" من سوريا، في حين صرح قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، بأن الوضع الذي يمكن "الصهاينة" من رؤية المنازل في دمشق بالعين المجردة، وضع لا يحتمل، وحذر إسرائيل من أنها ستدفع ثمناً باهظاً وستدفن في التراب السوري. أما علي أكبر أحمديان، وهو الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فقد قال في اجتماع مع وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، بأنه بوجود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، ولدت "مقاومة" جديدة، وهذه المقاومة لابد لها أن تكشف عن نفسها خلال السنوات القادمة.

التصعيد المحتمل بين إسرائيل وتركيا

لعل أهم عامل من العوامل وأشدها إلحاحاً في تلك المعادلة هي تركيا، بما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي، وعلاقتها بإسرائيل معقدة، فقد اشتد التوتر بين تركيا وإسرائيل منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في عام 2023، فأنهى الفترة القصيرة من المصالحة التي قامت بين الدولتين.

مكن انهيار نظام الأسد أنقرة من توسيع نفوذها في سوريا وذلك عبر الاستعانة بإمكاناتها العسكرية لملء الفراغ الحاصل بعد انسحاب القوات الروسية والإيرانية. ومنذ شهر كانون الأول من عام 2024، دخلت كل من دمشق وأنقرة في مفاوضات على توقيع معاهدة دفاعية يتعين على تركيا من خلالها تأمين غطاء جوي وحماية عسكرية للحكومة السورية الجديدة. ومن خلال تلك المساعي، سعت أنقرة للسيطرة على قاعدة التياس الجوية في سوريا (المعروفة بـ ت4) وأخذت تستعد لنشر نظم دفاع جوي هناك.

أما إسرائيل فتنظر إلى تنامي الوجود العسكري التركي كتهديد محتمل لحريتها في شن عملياتها بسوريا، فمنذ كانون الأول، كثف الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية على البنية التحتية العسكرية السورية، وركز منذ فترة قريبة على قاعدة ت4 وعلى القواعد الجوية بتدمر، حيث استهدف مدرجات المطارات والعتاد الاستراتيجي. والقصد من هذه الغارات هو توجيه رسالة بأن إسرائيل لن تقبل بأي إجراء تركي قد يقوض حريتها في شن عملياتها الجوية. ولكن لم يتضح بعد إن كانت تلك الغارات ستردع تركيا أم لا، لأنها على أبعد تقدير، قد تؤجل الأمور بطريقة تكتيكية.

هذا ويزيد المسار الحالي من خطر وقوع تدهور أكبر في العلاقات التركية-الإسرائيلية، لكنه جلب كلتا الدولتين لطاولة المفاوضات في أذربيجان، وذلك لمناقشة آلية لخفض النزاع بينهما. وعلى الرغم من تردد الشرع في الاصطفاف بشكل كامل مع تركيا وذلك ليمنع تحويل سوريا إلى أحد أذرعها، نجده قد حافظ على تواصل مع العناصر الفاعلة المتناحرة مثل السعودية والإمارات. غير أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة قد تدفعه للتقارب أكثر مع أردوغان.

وفي حين أن السياسة التركية تتسم بعداء تاريخي لإسرائيل، فإن هذه الدولة تلعب دوراً استراتيجياً يختلف تماماً عن دور إيران، إذ على الرغم من معارضتها للسياسات الإسرائيلية في بعض المناحي، من غير المرجح لتركيا أن تصبح عدواً لدوداً لإسرائيل وذلك بفضل نهجها القائم على انتهاز الفرص، وبفضل عضويتها في حلف شمال الأطلسي والعلاقة التي تربطها بالولايات المتحدة وبسبب مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

من التقسيم إلى التعامل والتعاون مع دمشق

إن تشديد إسرائيل المتواصل على وجودها العسكري وعلى غاراتها الجوية وعلى حماية الأقليات في سوريا قد يسهم في تشظي البلد بصورة أكبر إلى جانب إضعاف حكومته المركزية بدمشق. غير أن المضحك هنا هو أن هذا التوجه ممكن أن ينحاز للمصالح الإيرانية، بما أن إيران لابد أن تستفيد من عدم وجود سلطة مركزية في سوريا، فبما أنها خسرت معظم نفوذها في هذا البلد، لذا صارت تسعى للاحتفاظ بقنوات جديدة للنفوذ في سوريا، وذلك بالاعتماد على الموالين السابقين وكذلك فلول الشبكات الوكيلة لها، إلى جانب مزاحمة إسرائيل على النفوذ والتأثير بالأقليات نفسها. وإلى جانب النشاط الخبيث الذي تمارسه إيران، فإن سوريا المقسمة قد توفر أرضاً خصبة لازدهار عناصر أخرى متطرفة، مثل تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة، أو حماس، غير أن النظام السوري الجديد يعمل حالياً على قمع كل تلك الأطراف.

قد يقول قائل إن السياسة الإسرائيلية الحالية تتناقض مع المبدأ الجوهري الذي تشترك به إسرائيل مع الولايات المتحدة، وهو الحاجة لتعزيز الحكومات المركزية في الدول العربية الهشة وذلك حتى تحسن من أدائها في مواجهة العناصر الفاعلة التي لا تمثل دولاً، والتي قد تستغلها إيران لتوسيع نفوذها، وخاصة في لبنان (من خلال حزب الله)، والعراق (عبر الميليشيات الشيعية الموالية لإيران)، وبالنتيجة، تظهر أمامنا هذه المفارقة: إذ في حين تدافع إسرائيل عن مبدأ تعزيز الحكومة المركزية في لبنان لإضعاف حزب الله، وبينما تعمل الولايات المتحدة على إدماج الميليشيات الشيعية ضمن قوات الأمن الرسمية في العراق وذلك للحد من استقلاليتها ولكبح جماح النفوذ الإيراني، نكتشف بأن إسرائيل نفسها تعمل وبشكل فاعل على تقويض السلطة المركزية في سوريا، إذ في الوقت الذي يمكن لإسرائيل أن تتمتع بحرية أكبر في التصرف داخل دولة مقسمة تفتقر إلى حكومة قوية، قد تتعرض لتهديدات جمة هناك، وهذا يحتاج لاستثمار أكبر في الموارد كما يتطلب اهتماماً أشد، مع احتمال توريط إسرائيل لنفسها في ساحة أخرى أيضاً.

ولكن ثمة مسار بديل بوسعه أن يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل أفضل على المدى البعيد، إذ بدلاً من التركيز على فكرة التقسيم، يمكن لإسرائيل أن تستثمر نجاحها العسكري الآن ضد إيران وحزب الله وحماس مع سعيها لتنفيذ استراتيجية بناءة بصورة أكبر. إذ بعد أن كشفت مدى قوتها العسكرية حالياً، أصبحت أمامها فرصة لتغيير نهجها، والدخول في حوار مختلف مع الحكومة السورية الجديدة.

وعلى الرغم من أن مستقبل سوريا مايزال غير مضمون، يتوجب على إسرائيل أن تتخذ خطوات استباقية للحد من خطر التصعيد وذلك عبر السعي لإقامة سلسلة من التفاهمات والاتفاقيات مع الإدارة السورية، ابتداء من الترتيبات التي تعنى بأمن الحدود، مع احتمال توسيع الأمور لتصل إلى مجالات تعاون أكبر. أما بالنسبة لتركيا، فالعجيب بالأمر هو أن دمشق التي بقيت بنظر الجميع محوراً رئيسياً للنزاع مع إسرائيل طوال فترة طويلة، يمكن أن تصبح مجالاً للتعاون بين تركيا وإسرائيل، إذ بما أن كلا البلدين يشتركان بمخاوف أمنية تتصل بالنفوذ الإيراني، لذا في حال تمكنا من التغلب على خلافهما الحالي وإقامة عمل إطاري موحد للتفاهم، فإن الأمور يمكن أن تتطور لتتجاوز آلية خفض النزاع البسيطة، فمثلاً، قد يشمل ذلك وضع قيود على نشر نظم الدفاع الجوي التركية في سوريا، والتي يمكن أن تمثل تهديداً لإسرائيل، كما يمكن لذلك أن يفتح الباب أمام الحوار وأمام المساعي المشتركة التي تهدف لإرساء الاستقرار في سوريا ومحاربة العناصر المتطرفة فيها، وفي ذلك مصلحة لكل من سوريا وإسرائيل.

إن وجود عمل إطاري راسخ من أجل التفاهم تدعمه الولايات المتحدة ويجري التنسيق من أجله مع تركيا، يمكن أن يعتمد على الردع العسكري مع الإجراءات الدبلوماسية والإنسانية، وبوسع هذه المقاربة أن تسمح بحدوث انسحاب إسرائيلي من سوريا بشكل حذر وآمن، إلا أن ذلك يتوقف على ظهور قوة مسؤولة وقادرة من الجانب السوري، بحيث يمكن لتلك القوة أن تزيد من انحيازها لإسرائيل. وبالمقابل يمكن للخطوات الإيجابية التي يتخذها النظام الجديد أن تحظى باعتراف ولفتات متبادلة ومدروسة من الجانب الإسرائيلي.

وعليه فإن قدرة إسرائيل على إدارة هذا التوازن الدقيق إلى جانب الدعم الذي تقدمه العناصر الفاعلة الإقليمية، قد يكون لها دور مهم في رسم مستقبل سوريا بطريقة مفيدة للشرق الأوسط كله. وذلك لأن إسرائيل تتقاسم مع الأردن ومصر والإمارات والسعودية مصالح مشتركة في نشر الاستقرار بسوريا، والحد من خطر التطرف الإسلامي، ومجابهة التغلغل الإيراني، وإضعاف النفوذ التركي.

ويتمثل المجال الواعد للتعاون في إعادة إعمار سوريا، إذ يمكن لإسرائيل بالتنسيق مع دول الخليج أن تدعم مشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل مشاريع المياه والزراعة، سواء من خلال تمويل المساعدات أو عبر الاستعانة بالتقانة والخبرات الإسرائيلية. وهذا التعاون لن يدعم تعافي سوريا فحسب بل لابد أن يعزز أيضاً دور إسرائيل بوصفها عنصراً فاعلاً بناءاً على المستوى الإقليمي.

وعلى المدى البعيد، قد تتحقق المصالح الأمنية الإسرائيلية بأفضل شكل وذلك عبر إقامة عمليات اعتماد متبادلة وبناءة، تقوم على خلق حالة توازن ما بين السياسات الأمنية والفرص الاقتصادية إلى جانب مشاركة الشركاء الإقليميين في إرساء الاستقرار بسوريا. لأن إقامة دولة سورية متماسكة، تعتمد نموذج تقاسم السلطة بشكل عملي، مع الحد من الاعتماد على إيران، وتحالفها مع الدول العربية المعتدلة من شأنه أن يعزز الاستقرار الإقليمي وأن يحد من الخطر الذي يهدد الحدود الشمالية لإسرائيل. والجدير بالذكر أن الرئيس أحمد الشرع خلال أول زيارة لنواب أميركيين لسوريا بعد سقوط الأسد، ذكر لعضو الكونغرس كوري ميلز بأن سوريا على استعداد للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهمية "عندما تصبح الظروف مناسبة".

ينبغي على إسرائيل والمجتمع الدولي أن يواصلا تعاملهما مع النظام السوري ولكن بحذر، مع ضمان تقديم أي اعتراف أو مساعدات بصورة تدريجية وأن يكون ذلك مشروطاً بالتزامات واضحة. إذ بعيداً عن معالجة المشكلات الأمنية على الحدود، يجب أن يكون هدف هذا النهج قطع الطريق على تجدد تغلغل إيران وحزب الله في سوريا، وإخراج المقاتلين الأجانب منها، وتفكيك الأسلحة الكيماوية فيها، والتشجيع على قيام إصلاحات سياسية حقيقية لتشمل تمثيلاً سياسياً أوسع واحتراماً لحقوق الأقليات.

وبمجرد خلق ما يكفي من الثقة، يجب على إسرائيل انتهاز الفرصة للمضي قدماً في عملية التطبيع مع سوريا، وذلك عبر البدء بالاتفاقيات المعنية بالأمن والتعاون بين البلدين، لأن التطبيع قد يسهم في الحد من خطر عودة التطرف الإسلامي، كما أنه يضعف نفوذ إيران في المنطقة، ويعزز الاستقرار في المنطقة كلها.

 

المصدر: The Institute for National Security Studies