معضلة “تجنب الاشتباك” الأمريكية في سوريا

تاريخ النشر: 13.04.2018 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 15:00 دمشق

أعادت دعوات المسؤولين الأمريكان والروس في الأيام الأخيرة إلى تجنّب خطر التصعيد بين البلدين الحديث عن “تجنب الاشتباك” (Deconfliction) إلى الواجهة، في وقت تبدو فيه القوى العظمى أقرب ما تكون إلى صراع عسكري مباشر. وسلّط الوضع الراهن الضوء مجددًا على حقيقة القدرة الأمريكية والغربية عمومًا على تغيير الخارطة على الأرض في سوريا في ظل بقاء نظام الأسد.

يعبّر مصطلح “تجنب الاشتباك” عن محاولات لتجنب سوء الفهم والاشتباكات المحتملة بين الغرب وروسيا في سوريا، حيث تواصل القوات الروسية منذ سنوات استهداف قوات المعارضة السورية، وتجري طائرات التحالف الغربي طلعاتها الجوية لضرب أهداف تنظيم الدولة “داعش”.

وفي ظهور إعلامي نادر، عبّر الرئيس الأخير للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف عن قلقه واصفًا التصعيد الحالي بأنّه “مبعث قلق هائل”، وقال: “أشعر بخيبة أمل لا تصدّق تجاه تعامل الزعماء الحاليين، يبدو أنهم غير قادرين على الحوار واستخدام الآليات الدبلوماسية. وبدلًا من ذلك تحولت السياسة إلى تبادل الاتهامات والعقوبات والضربات الجوية”.

لا ينبغي أن يمر إجرام نظام الأسد بحق شعبه دون عقاب وأن تتكرر الفظائع التي يواصل ارتكابها بدعم من حلفائه الروس والإيرانيين. ولكن وضع حد لاستمرار المأساة السورية يتطلب من الغرب بقيادة الولايات المتحدة إيقاف الدعم الروسي للنظام السوري، وهنا يظل القيام بذلك دون مواجهة عسكرية مباشرة مع الروس سؤالًا عائمًا.

فتحت القيادة المركزية الأمريكية مع نظرائها الروس خطًا ساخنًا لتجنب الاشتباك في سوريا في عام 2016، لكنّ هذا الخط أغلق في عدة مناسبات بسبب خلافات بين موسكو وواشنطن. وقد أعلن الكرملين أمس الخميس أنّ الخط الساخن أعيد فتحه حاليًا، إلا أن احتمال توجيه ضربة بقيادة أمريكية للنظام السوري ردًا على الهجوم الكيميائي في دوما يفرض ضغطًا كبيرًا على عملية تجنب الاشتباك.

عملت وسائل الإعلام الروسية في الأيام الماضية على تشبيه الوضع القائم بأزمة الصواريخ الكوبية إبان الحرب الباردة. وشكّلت صورة تفيد بأنّ “الولايات المتحدة تحاصر سوريا وتهاجمها بسبب الغيرة وعوامل جيوسياسية”. وعزّز الإعلام الروسي سرديّته بذريعة العقوبات الأمريكية الأخيرة التي أدّت إلى فقدان الروبل الروسي يوم الأربعاء 13 بالمئة من قيمته أمام اليورو.

يعبّر مصطلح “تجنب الاشتباك” عن محاولات لتجنب سوء الفهم والاشتباكات المحتملة بين الغرب وروسيا في سوريا

يشير المحلل الروسي فيودور لوكيانوف المقرب إلى وزارة الخارجية الروسية، إلى أن روسيا من جهتها قد تقبل ضربة جوية محدودة شبيهة بالتي وُجّهت العام الماضي إلى قاعدة الشعيرات، التي اقتصرت على توجيه 59 صاروخ توماهوك إلى القاعدة دون ضرر واضح على القوات الروسية في سوريا، وتلقّت روسيا إخطارًا أمريكيًا قبل الضربة بتسعين دقيقة. ويرى لوكيانوف أنّ الرد الروسي في حال توجيه مثل هذه الضربة لن يزيد عن التصريحات المنددة، ولكن في حال ضرب البنى الروسية في سوريا فإن رد موسكو سيكون محتّمًا.

وفي الحقيقة يظل احتمال الاشتباك رهن الموقف الأمريكي، فمن المرجح أن تُخطِر الولايات المتحدة الروس بنواياها لتمنحها خيار التحلّل من بعض التزاماتها في سوريا. وحتى الآن - عدا تصريح الرئيس الفرنسي وتغريدات ترمب المتناقضة - لم يعلن أي زعيم غربي عن هدف أو نطاق الضربات الأمريكية.

يعدد المحرر الدبلوماسي لصحيفة الغارديان البريطانية ثلاثة احتمالات لشكل الضربة المحتملة. فهي إمّا أن تكون ضربة عقابية شبيهة بضربة قاعدة الشعيرات في نيسان 2017 ردًا على الهجوم بالأسلحة الكيميائية في خان شيخون. وإما أن تكون محاولة لمنع النظام السوري من استخدام الأسلحة الكيميائية من خلال تدمير منشآت تخزين هذه الأسلحة وآليات نقلها، وفرض عقوبات ردعية. أو هي محاولة لإضعاف البنية التحتية لقوات النظام السوري، أو حتى هجوم على القصر الجمهوري وقيادات القطاعات العسكرية.

روسيا قد تقبل ضربة جوية محدودة شبيهة بالتي وُجّهت العام الماضي إلى قاعدة الشعيرات

وحتى الآن لم تفصح الدول الغربية عن رغبةٍ في الإطاحة ببشار الأسد أو في فتح مواجهة عسكرية مع روسيا، تاركةً خيارات محدودة لأهداف الضربة. فالهدف ينبغي أن لا يحتوي قوات روسية، ورغم تركّز هذه القوات في قاعدة حميميم في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية إلا أنّ هناك مرتزقة روس في مواقع أخرى، ولا يمكن الجزم بعدم وجود ضباط روس في مراكز قيادة قوات النظام السوري.

كانت الضربة التي تراجع الرئيس السابق أوباما عن توجيهها في عام 2013 ردًا على مجزرة الغوطة، تهدف إلى ضرب قيادة سلاح طيران النظام السوري، إلا أنّ إمكانية ذلك حسب مقربين من الإدارة كانت معدومة بسبب وجود قوات روسية في حظائر الطائرات. ويشير الزميل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بين باري إلى أنّ أي ضربة جوية تمثل مخاطرة ضرب مستشارين روس قد يتواجدون في مجموعات صغيرة لقوات النظام السوري حتى على مستوى الكتيبة.

سؤال آخر يواجه الولايات المتحدة وحلفاءها هو تحديد أهداف مرتبطة بالأسلحة الكيميائية. فالنظام السوري استخدم غاز الكلور في كثير من المجازر التي ارتكبها بحق المدنيين، وهو غاز يسهل إنتاجه في مختبرات بدائية على عكس السارين. وقد تتضمن هذه الأهداف حسب بين باري مروحيات وقواعد جوية وبعض المختبرات البحثية في دمشق.

وحتى تبيّن ماهية الضربات الجوية وأهدافها، يظل “تجنب الاشتباك” ثابتًا أساسيًا يحكم المعادلة القائمة في سوريا. فحتّى إذا رغبت الولايات المتحدة بتعزيز موقفها وتحقيق هدف “معاقبة النظام السوري”، فإن عليها التوصل إلى اتفاق مع الروس الذين لن يقفوا حائلًا - على الأقل تحت الطاولة - دون تدمير بعض البنى “الهامشية” للنظام السوري. ومع بقاء الإطاحة ببشار الأسد ونظامه خارج الأهداف الغربية، فإنّ تعزيز المواقف وتغيير التموضع في سوريا صار منذ سنوات رهن الاتفاق مع محور روسيا وإيران والنظام السوري.