معركة الجنوب السوري.. تحرّك العشائر ردع الفوضى وعرقلة المشروع الإسرائيلي

2025.07.25 | 03:34 دمشق

آخر تحديث: 25.07.2025 | 03:34 دمشق

65764674
+A
حجم الخط
-A

في لحظة فارقة أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، ومع انتقال السلطة إلى الرئيس أحمد الشرع، دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها، قوامها بناء دولة حديثة ترتكز على السلام والتنمية والعدالة الانتقالية، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى توحيد المجتمع السوري بكل مكوّناته ومناطقه.

غير أنّ هذا التحول سرعان ما واجه تحديات جسيمة، تمثلت في تحركات منظمة لبقايا النظام السابق في الساحل، بالتزامن مع تدخل إسرائيلي مباشر اتخذ أشكالًا متعددة، من غارات جوية متكررة، إلى توغلات برّية أسقطت عمليًا اتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974. وقد تزامن ذلك مع دعم غير معلن لميليشيات محلية مسلّحة خارجة عن القانون، استهدفت المدنيين في محافظة السويداء، وفرضت واقعًا أمنيًا منفلتًا بالسلاح والإرهاب.

وقد شكّلت الانتهاكات الوحشية التي طالت المدنيين من العشائر السُّنية في السويداء، من قتل وخطف وتهجير وتطهير طائفي، دافعًا لتحرك عشائري واسع. ولا يمكن توصيف هذه الهبّة العشائرية باعتبارها صدامًا طائفيًا بين مكوّنين، سني ودرزي، إذ برزت مواقف مشرفة لكثير من أبناء الطائفة الدرزية الذين وقفوا مع الحراك السلمي للثورة السورية، وفتحوا بيوتهم لاستقبال المهجّرين من حوران. ومن هذا المنطلق، جاءت الهبّة لتجسّد بُعدًا وطنيًا شاملًا، في مواجهة مشروع انفصالي خطير عُرف أمنيًا باسم "معبر داود"، يسعى لخلق فراغ سيادي في الجنوب السوري، ووصله جغرافيًا بمناطق سيطرة "قسد" في الشرق، خارج مظلة الدولة المركزية، وتهديد وحدة سوريا وسلامة أراضيها.

لا يمكن اختزال التحركات العشائرية في إطار مواجهة بين مكوّنين اجتماعيين، بل يجب فهمها كتحرك موجه ضد تشكيلات مسلّحة خارجة عن القانون، اعتدت على المدنيين البدو والدروز على حدّ سواء.

السياق الاستراتيجي للحراك العسكري العشائري: مواجهة وطنية لمشروع التفكيك

برزت الحركة العسكرية العشائرية في الجنوب السوري كردّ فعل شعبي مباشر على محاولات فرض معادلات جديدة في المنطقة، في ظل حالة انفلات أمني متصاعد، وهجمات منظمة استهدفت أبناء البدو السنّة على يد ميليشيات تنفذ أجندات خارجية، يتصدرها المشروع الإسرائيلي. وقد سبق التدخل الإسرائيلي دراسات علمية إسرائيلية من خبراء ومستشارين أمنيين وعسكريين، أشارت للرؤية الإسرائيلية في سوريا، حيث تشير ورقة بحثية قديمة قدّمها الباحث الإسرائيلي يعقوب شمشوني في ندوة لمركز موشيه ديان عام 1994 إلى أن الصراعات الطائفية في سوريا ظلت "مجمدة" بفعل القبضة الأمنية للنظام، لكنها ستتفجر حتمًا عند انهياره. وهذا ما تفعله إسرائيل اليوم، عمليًا، من خلال دعم ميليشيات محلية من الطائفة الدرزية في السويداء، لتحويلها إلى أدوات لعرقلة تمدد الدولة الجديدة على كامل الجغرافيا السورية.

التحركات العشائرية: فعل وطني لا طائفي

في ضوء القراءة التحليلية الدقيقة، لا يمكن اختزال التحركات العشائرية في إطار مواجهة بين مكوّنين اجتماعيين، بل يجب فهمها كتحرك موجه ضد تشكيلات مسلّحة خارجة عن القانون، اعتدت على المدنيين البدو والدروز على حدّ سواء، وشكّلت ذراعًا لتنفيذ مشروع خارجي يستهدف تقويض سلطة الدولة المركزية. وتؤكد تقارير ميدانية واستخبارية وجود تنسيق مباشر بين قادة هذه الجماعات بتوجيهات من الشيخ حكمت الهجري (أحد شيوخ العقل الدروز في السويداء)، وشيخه موفق طريف والمخابرات الإسرائيلية، هدفها تفجير الجنوب

السوري من الداخل. ورغم وقوع أخطاء ميدانية من استباحة بعض البيوت أو حرقها من عناصر شاركت في العمليات، أظهرت العشائر انضباطًا ملحوظًا، وحاولت الابتعاد عن أي نزعة انتقامية أو طائفية. وبرزت مواقف مشرّفة من داخل السويداء نفسها في إنقاذ مدنيين من نساء وأطفال وكبار بالسن من الدروز.

الغارات الإسرائيلية على السويداء: تنفيذ عملي لمشروع الفوضى الموجّهة

شكلت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على دمشق والسويداء ودرعا امتدادًا واضحًا لمشروع اختراق أمني وسياسي يستهدف تقويض مسار بناء الدولة السورية الجديدة، لا سيما بعد تعثر المفاوضات التي جرت بين الجانبين السوري والإسرائيلي في العاصمة الأذربيجانية باكو قبل الأحداث بيومين. ومع فشل المساعي التفاهمية، حرّكت إسرائيل أذرعها في السويداء. وقد تزامن هذا التصعيد مع تطويق الأمن والجيش السوري الجديد لفض الاشتباك في محافظة السويداء، وتعرض قوات الأمن الداخلي السوري والجيش لاستهداف نتيجة غدر الجماعات التابعة لإسرائيل في السويداء. وقد كشفت طبيعة هذه الغارات، التي طالت مواقع حساسة مثل محيط وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، عن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى ضرب مراكز الثقل السيادي للدولة الجديدة، وإفشال مشروعها المؤسسي قبل أن يكتمل. فجنوب سوريا، في الرؤية الإسرائيلية، منطقة رخوة قابلة للاختراق والتفجير المتكرر، ما لم تلبِّ السلطة الجديدة شروط "الاستقرار الآمن" وفق المعايير الإسرائيلية. وتعتمد إسرائيل في إدارتها لهذا المشهد على سياسة تُعرف في الأدبيات الأمنية بـ"ضبط الفوضى" (controlled chaos)، وهي تقوم على ثلاث آليات مترابطة: أولها، دعم عصابات محلية تعمل كأذرع وظيفية.

وثانيها، تأجيج النزاعات الأهلية عبر روايات إعلامية طائفية مفبركة، وتديرها مئات آلاف الحسابات. وثالثها، تحويل الجنوب إلى منطقة منزوعة السيادة والسلاح من خلال قصف مراكز القرار العسكري والأمني.

شكّلت الحركة العشائرية مفصلًا استراتيجيًا مهمًا؛ فهي أول حركة مقاومة محلية ضد مشروع "المنطقة العازلة" الذي تحاول إسرائيل إعادة إنتاجه في الجنوب السوري، مستعيدة بذلك النموذج الذي فرضته خلال احتلال جنوبي لبنان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. حينذاك، دعمت تل أبيب ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة أنطوان لحد، لتكون ذراعًا محلية لإدارة الاحتلال بتمويل وتسليح وتدريب مباشر، وذلك بعد اجتياحها لجنوبي لبنان عام 1982م، في محاولة لخلق منطقة أمنية تفصلها عن المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتغرق الداخل اللبناني بصراعات طائفية تخدم أمنها الإقليمي. ولكن ذلك النموذج انهار بالكامل عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000، مؤكدًا مجددًا أن مشاريع الاحتلال القائمة على وكلاء محليين فاقدين للشرعية المجتمعية، تبقى هشة وقصيرة المدى. واليوم، تحاول إسرائيل إعادة تدوير النموذج ذاته في الجنوب السوري.

تعمل الدولة وفق رؤية إستراتيجية تؤسس لمقاربة أمنية وسياسية مع الكيان المحتل، والتنسيق مع تركيا لإنهاء سيطرة قسد على الجزيرة السورية.

الاستحقاق الوطني أمام حكومة أحمد الشرع: بين إدارة الأزمة وتثبيت الهيبة

في ضوء التطورات المتسارعة في الجنوب السوري، يجد الرئيس أحمد الشرع نفسه أمام استحقاق وطني بالغ الحساسية، يتجاوز حدود إدارة أزمة محلية إلى مرحلة تقرير مصير لبنية الدولة السورية الناشئة. فالمشهد في السويداء يعكس صراعًا أعمق بين مشروعين متناقضين؛ مشروع وطني يسعى لبناء دولة وطنية جامعة، ومشروع فوضوي تُديره قوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، باستخدام أدوات محلية فقدت علاقتها بجذورها الوطنية. فأزمة السويداء لم تكشف فقط الأطراف التي تجر سوريا إلى حرب أهلية دموية، وإنما أظهرت أهمية الاستثمار في المكون الوطني بالسويداء وحوران ومنطقة اللجاة من طرف، وأهمية استثمار الحراك العشائري، وعدم اختزاله في منطق

الضبط الأمني المؤقت، فهذه الحرب التي يجب على الدولة إطفاء نارها، شكلت لحظة وعي وطني حقيقي عبّر فيها السوريون عن رفضهم لعزل السويداء عن الوطن الأم، وحكم السلاح والتأجيج الطائفي، وسياسة تلغيم النسيج الاجتماعي الذي عملت عليها إسرائيل في السويداء.

وبعد مسألة السويداء، تبرز فرصة تاريخية أمام حكومة الشرع لاحتضان الزخم الشعبي العشائري وتحويله إلى أساس لوحدة وطنية جديدة، من خلال فتح قنوات تواصل مع الفاعلين في السويداء وصحنايا وجرمانا وجبل السماق، وتثبيت خطاب جامع يُدمج فيه العرب والكرد، السنة والعلويين، الدروز والإسماعيليين، والمسيحيين، في عقد وطني جديد يقوم على الشراكة لا المحاصصة الطائفية أو المناطقية. وفي مقابل ذلك، فإن الاستجابة المطلوبة من الدولة يجب أن تكون شاملة ومركّبة، تبدأ أولًا بترسيخ مبدأ السيادة غير القابلة للتجزئة، ورفض أي سلطة موازية أو واقع انفصالي جنوبي البلاد. ومن ثم في السعي نحو دمج المجتمعات العشائرية وجميع المكونات الوطنية في مؤسسات الدولة من خلال آليات الحوكمة المحلية، والمجالس الإقليمية المنتخبة، بما يضمن الشراكة والتمثيل العادل. وفي التحرك السياسي لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية على الأرض السورية، وتقديمها في المحافل الإقليمية والدولية. وتعمل الدولة وفق رؤية إستراتيجية تؤسس لمقاربة أمنية وسياسية مع الكيان المحتل، والتنسيق مع تركيا لإنهاء سيطرة قسد على الجزيرة السورية، واعتماد خطة عمل مجتمعية وخدمية وفكرية وقانونية في جميع المحافظات والمناطق السورية.