معايدة!

معايدة!

الصورة
04 حزيران 2019

إيمان محمد

كاتبة وروائية وناشطة سورية

عندما بدأت معالم العيد تلوح في مدينة الباب التي أقطن فيها، وينتشر الباعة على أطراف الطرقات الرئيسية، فارضين ازدحاماً ولوناً خاصاً لا يمكن لعابر سبيل مثلي أن يتجاهله، كانت تنتابني مشاعر مختلطة، ما بين ارتياح وقلق، حزن وشفقة، تفاؤل وألم،  فالبضاعة التي تحمل هوية وتقاليد وعادات كل منطقة من سوريّا، تخبر قصصاً للتهجير، وكل قصة تحمل تفاصيل مؤلمة، وكل وجود اليوم يحمل معنى للحياة والعمل، هو وجود استمرارية وأمل، استمرارية لكل الشرائح والمستويات من الشعب، وانصهار في حالة عامة، يمكن أن تحمل عنواناً ما، رغبة بالحياة، رغبة بالفرح، ومواساة تأتي على عفويتها لمن تنظر إلى وجوههم فتظنهم ما عرفوا الفرح يوماً، غير أن مشهد العيد يرغم المجتمع أن يخلع زيّ الحداد ويرتدي بعض الألوان المشرقة، وهناك ما يمكن للفقير أن يشتريه بثمنٍ بخس، ليقدِّم حفنةً من الفرح إلى أطفالٍ ربما لن يعرفوا يوماً للفرح، وهناك ما يدعو الإنسان ليتراحم مع أخيه الإنسان، لا شيء يحفّزه ليتحرك أكثر من قدوم يوم العيد.

غير أن ارتياح المشهد العام دائماً تشوبه شائبة، ونحن الذين اعتدنا أن نتعثّر بالمفخخات أينما اتجهنا، فكلّ يوم هناك خبر جديد عن انفجار ما في الشمال السوري، انفجار في حاوية، تفكيك لغم، تفجير دراجة نارية في شارع رئيسي، تفجير سيارة مفخخة في أجساد البشر، هناك دائماً توجّس من غدرٍ محتمل، يرافقه ارتياح آخر أن ربما يكون الرحيل عن هذا العالم المشبع بالقهر أفضل

من كان يتوقع عيداً سعيداً لشعبٍ قاسى من إجرام الرّوس وطائراته التي انهالت قصفاً وتدميراً وقتلاً وإرهاباً طوال شهر رمضان

من معاركته كل يوم وكل ليلة وكل ساعة، ولم يكن التوجس بعيداً عن الواقع فقد توالت التفجيرات حتى كان آخرها وأكثرها وجعاً للقلب تفجير اعزاز الذي غادرنا فيه أربعة عشر شهيداً بينهم نساء وأطفال كل ذنبهم أنهم خرجوا ليفتشوا عن فرحٍ ما في العيد، كأيّ مخلوق على هذا الكوكب يمكن أن يفرح بالعيد.

ومن كان يتوقع عيداً سعيداً لشعبٍ قاسى من إجرام الرّوس وطائراته التي انهالت قصفاً وتدميراً وقتلاً وإرهاباً طوال شهر رمضان، شعب تابع الناس صيامه تحت الأشجار في حرّ الصيف ولم يغادرهم الصبر.

يأتي العيد وعندنا لوعة، لا مشاهد جميلة نرفقها في بطاقات المعايدة إلا صور الثبات والإرادة التي لا يمكن للقطةٍ ما أن تعبّر عنها مهما كان المصوّر محترفاً، ولا زهور نقدّمها إلا وجوه أطفالنا الشهداء الذين ودّعناهم إلى الجنّة كسرب الحمام، ولا حلوى يمكن أن تنسينا مرارة ما ذقناه إلا صبر الأمهات المؤمنات اللواتي مازلن يقدمن القهوة المرّة مع كثير من الهيل إكراماً

سيأتي العيد ليخبرنا أن علينا أن نفرح، فالفرح مقاومة للحزن والقُبح والشّر، وابتساماتنا في وجوه الآخرين تحدّ لمن يريدون أن ننزوي وننتحب

لمن أتى يقدّم لهن واجب التهنئة أو العزاء، لا هدايا يمكن أن نغلّفها بورقٍ فاخرٍ لمّاع إلا إصرارنا على المتابعة وعدم الاستسلام، وأقصى ما بوسعنا أن نزيّن به شوارعنا وساحاتنا وحاراتنا تكبيرات كتلك التي خرجنا بها من المساجد يوم وُلدت الحرّيّة على هذه الأرض الطيبة، تكبيرات التحدّي والإرادة، تكبيرات الحياة في مواجهة حملات الإبادة والإفناء.

سيأتي العيد ليخبرنا أن علينا أن نفرح، فالفرح مقاومة للحزن والقُبح والشّر، وابتساماتنا في وجوه الآخرين تحدّ لمن يريدون أن ننزوي وننتحب، سنقول لكلّ من نصادفه أمامنا كلّ عامٍ وأنت بخير، للشيخ الذي قَبَّل جدار بيته قبل أن يرحل قسراً عنه، للسيدة التي تركت ورق العنب قبل أن تطهوه بسبب القصف، للجدّ الذي عانق جسد حفيده الشهيد في اعزاز، بينما الروح باتت في الجنة، لأم المقاتل الذي تلقّت العزاء فيه بصبرٍ بعد أن أخبروها أنه استشهد، ولمّا عاد ناجياً زحفاً إلى المحرّر قالت إنه سيعود ليقاتل بعد التعافي، لأمهات المعتقلين والمفقودين الصابرات، للأيتام ومن يرعاهم، للضعفاء ومن يتفقّد أحوالهم، لفرق الدفاع المدني الأبطال، للأطباء والمسعفين أصحاب الأيدي المباركة التي تمسح الجراح، لفرق الإغاثة، للشيوخ والعجائز الذين يخزنون تراكمات من التاريخ السوريّ في ذاكرتهم، لكلّ من فقدوا أولادهم، ومن فقدهم أولادهم، وللوحيدين الذين باتوا بلا سند، للمهجّرين الأحرار، والمغتربين الأحرار، لأطفال الثورة السورية المباركة الذين يكبرون في أهوالها وتعقيداتها، ويصمدون رغم مشقّة الأيام في المحرّر، وللأطفال الذين يكبرون في ظل الصمت والخوف في سوريّة المحتلّة وفي قلوبهم ثورات، لكل حرّ في كل شبر في هذه الأرض، كل عام وأنت بخير، أنت بخيرٍ ما دمت حرّاً.

شارك برأيك