معاهدات "السلام" العربية مع إسرائيل.. كيف قلب بن زايد المعادلة؟

تاريخ النشر: 22.08.2020 | 12:49 دمشق

آخر تحديث: 22.08.2020 | 15:37 دمشق

إسطنبول - خالد خليل

فتح تطبيع الإمارات مع إسرائيل "حقبة جديدة لصالح الإسرائيليين"، على الرغم من أنها ليست الأولى، فقد سبقتها مصر والأردن بفتح سفارات في تل أبيب، لكن طبيعة الاتفاق الذي توصل إليه محمد بن زايد ونتنياهو، بوساطة من ترامب، وظروفه وتوقيته، يحمل فروقات جوهرية قلبت المعادلات في علاقات إسرائيل مع محيطها العربي.

استطاعت تل أبيب انتزاع "معاهدتي سلام" من "دول الطوق" العربي، وجاءت معاهدة التطبيع الإماراتي بعد 26 عاماً على آخر "معاهدة سلام" بين دولة عربية وإسرائيل، فقد مر عقدان ونصف من الزمن حدثت فيه انتفاضة ثانية للشعب الفلسطيني وحروب في لبنان وقطاع غزة وحصار مستمر للغزيين، ولم ينسحب الاحتلال إلى حدود 1967 ولم يخلِ مستوطناته، والقدس سلّمها ترامب لنتنياهو، والعودة شطبت من قواميس اللاعبين الجدد.

في 26 آذار/مارس 1979 وقع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن أول معاهدة سلام عربية إسرائيلية، استعادت مصر بموجبها شبه جزيرة سيناء بعد ثلاث حروب خاضها الطرفان.

وفي 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994، وقع الأردن معاهدة مماثلة مع إسرائيل، وهي أشبه باتفاقية لحماية الحدود، سميت بـ"اتفاقية وادي عربة" نسبة إلى مكان توقيعها على الحدود الأردنية الإسرائيلية، وجاءت تتويجاً لاتفاقية أوسلو ومفاوضاتها الطويلة التي جلست فيها منظمة التحرير الفلسطينية مع الإسرائيليين.

في 13 آب/أغسطس 2020، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر تغريدة على حسابه في "تويتر"، التوصل إلى "اتفاق سلام تاريخي" بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. يختلف اختلافاً جوهرياً عن الاتفاق المصري والأردني مع تل أبيب.

فما طبيعة معاهدة التطبيع الإماراتي وحيثياتها، وما الفروق بينها وبين المعاهدتين السابقتين؟

 

الرعاية الأميركية

تشترك معاهدات السلام الثلاث التي وقعتها، مصر والأردن والإمارات، مع إسرائيل بأنها كانت تحت رعاية البيت الأبيض وبإشراف مباشر من الرؤساء الأميركيين. وبما أن قضية السلام في الشرق الأوسط تحتل رأس الأولويات دولياً، ودرجت العادة من حكام البيت الأبيض على بذل جهود لتحقيق اختراق في الصراع العربي الإسرائيلي، وصنع السلام في الشرق الأوسط لتخليد أسمائهم.

وعلى الرغم من أن المعاهدتين المصرية والأردنية، كانتا تفرداً من قبل كل من القاهرة وعمان بعيداً عن الإجماع العربي، ولكنهما لم تخرجا عن منظومة الصراع العربي مع إسرائيل باعتبارها احتلالاً يحتل أراضي عربية، باعتراف قرارات مجلس الأمن.

وتستند المرجعية العربية لإنهاء الاحتلال إلى نتائج اتفاقية أوسلو (1993) في فكرة "حل الدولتين" وإقامة دولة فلسطين، ومن بعدها مبادرة السلام العربية (في قمة بيروت 2002) التي اشترطت فيها الدول العربية الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وإيقاف الاستيطان وحق العودة والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين مقابل التطبيع.

 

إزاحة القضية الفلسطينية

ومع تراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية، ودخول المنطقة العربية في أوحال الصراعات، ظهر في عام 2017 الحديث عن خطة ترامب للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خطة تقفز على كل المرجعيات الدولية السابقة وتكرس الاحتلال مقابل رشى اقتصادية للفلسطينيين ووعود بتحسين مستوى معيشتهم اقتصادياً.

الخطة أعلن عنها ترامب في مطلع العام الجاري بحضور نتنياهو في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض من دون التنسيق مع سلطة رام الله، وتُعرف إعلامياً بـ"صفقة القرن"، هندسها صهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنير، ويطلق عليها البيت الأبيض اسم "الازدهار على طريق السلام"، وتضمن الخطة استمرار سيطرة إسرائيل على معظم الضفة الغربية التي احتلتها عام 1967، وضم الكتل الاستيطانية في الضفة وبقاء مدينة القدس موحدة وتحت السيادة الإسرائيلية.

وأضاف نتنياهو على صفقة القرن خطته بضم ثلث أراضي الضفة الغربية (المستوطنات وغور الأردن)، تعرف باسم خطة الضم أو بـ"تطبيق السيادة"، وافق ترامب على الإضافة التي طلبها صديقه الحميم، وكان من المقرر الإعلان عنها في الأول من تموز الماضي لكنها تعرقلت بسبب خلافات إسرائيلية داخلية ورفض دولي وظروف "كورونا" القاهرة.

وفي هذا السياق تأتي الخطوة الإماراتية تكريسا لصفقة القرن، وعلى الرغم من أنها لم تكن مفاجئة، بالنظر إلى سياسة ولي العهد محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات، الباحث عن دور لأبو ظبي في خريطة الشرق الأوسط، وهي تتويج لسنوات من العلاقات السرية بين البلدين.

إلا أنها، وعلى عكس المعاهدتين السابقتين، أخرجت القضية الفلسطينية من المعادلة بعد التكذيب الإسرائيلي والأميركي لادعاء أبو ظبي بأن تطبيعها جاء لوقف خطة الضم الإسرائيلية لثلث أراضي الضفة الغربية.

ويتفاخر اليوم نتنياهو وتياره اليميني الذي يتزعمه بالقول إن "معادلة الأرض مقابل السلام انتهت"، وإن السلام مع الدول العربية لم يعد رهيناً بالفيتو الفلسطيني.

نتنياهو الذي منحته معاهدة التطبيع الإماراتي أوراق قوة وطوق نجاة من الأزمات التي تقف في مسيرته السياسية، تتمثل بترنح حكومته الائتلافية، والتظاهرات ضده على وقع أزمة كورونا، وتهم الفساد التي تلاحقه.

ترامب كما نتنياهو يتعكز على إنجازه الدبلوماسي في وساطته بين تل أبيب وأبو ظبي، لدخول الانتخابات الأميركية الوشيكة، حاملاً بيده "اتفاقية سلام" من الشرق الأوسط، أُطلق عليها اسم "اتفاقية إبراهام" على عكس رغبة ترامب الذي أراد أن تحمل اسمه.

 

ما بين الهدنة والهدية

الفرق بين "معاهدة كامب ديفيد" و"اتفاقية وادي عربة وبين "اتفاقية إبراهام"، هي أن مصر والأردن تعتبران من دول الطوق وتربطها مع إسرائيل حدود طويلة شهدت حروب، تعطي بصورة ما مبرراً للانخراط بعمليات سلام، وهي أشبه بهدن لتأمين الحدود واستعادة الأراضي المحتلة، فالأردن استعاد أراضيه (الباقورة والغمر) ومن ثم أجرها لإسرائيل، ومصر استعادت شبه جزيرة سيناء التي احتلتها إسرائيل في حرب67.

ولكن هل خاضت الإمارات حرباً مع إسرائيل لتهرع من أقصى المشرق العربي إلى "سلام" معها؟

المعاهدات الثلاث تحمل في بنودها تطبيعاً اقتصادياً، ولكن في الحالتين المصرية والأردنية بقي التبادل التجاري على مستوى الدولة ضمن اتفاقيات اقتصادية رسمية، لم تنخرط فيها الشركات الخاصة ولم تنتعش التجارة البينية.

علاوة على ذلك فتحت اتفاقية "وادي عربة" باب المساعدات الدولية للمملكة الهاشمية، بعد توقف المساعدات الخليجية بسبب وقوف الأردن إلى جانب العراق في حرب الخليج الثانية.

أما مصر فقد كسبت مساعدات عسكرية ومالية من واشنطن، وما تزال مستمرة إلى يومنا هذا، بعد توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، وبحسب تقرير لـ"معهد واشنطن" نشر في عام 2011، تتلقى القاهرة سنوياً مساعدات عسكرية أميركية قدرها 1.3 مليار دولار ومساعدات اقتصادية تبلغ 250 مليون دولار، وبلغ إجمالي ما حصلت عليه مصر 69 مليار دولار من الولايات المتحدة.

كما استفادت مصر والأردن من إقامة "المناطق الصناعية المؤهلة"، التي اعتمدها الكونغرس الأميركي عام 1996، وتوفر إمكانية الوصول التجاري الحر لمنتجات هذه المناطق إلى الأسواق الأميركية من دون جمارك.

في المقابل، لم تحصل الإمارات على مغريات اقتصادية وهي ليست بحاجة إلى مساعدات، في المقابل تتجه أنظار الإسرائيليين إلى الاستثمارات والأموال الإماراتية التي ستتدفق في السياحة وإيجاد علاج لفيروس "كورونا"، وفقاً لتصريحات نتنياهو.

 

قنوات استخبارية ومن دون تمهيد دبلوماسي

في خريف 1978 أمضى الرئيس الأميركي جيمي كارتر 12 يوماً من المفاوضات المكوكية بين الوفدين المصري والإسرائيلي في منتجع كامب ديفيد الرئاسي في ولاية ميريلاند الأميركية، للوصول إلى لحظة المصافحة "التاريخية" بين السادات وبيغن، وبعد ستة أشهر من المفاوضات وقع الطرفان على الديباجة النهائية لـ "معاهدة كامب ديفيد".

السادات وبيغن.jpg

 

أما الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية فترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار مفاوضات أوسلو، وفي صيف عام 1994 دعا الرئيس الأميركي بيل كلينتون، كلاً من العاهل الأردني الملك حسين ورئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين للتوقيع على الإعلان المشترك لوقف الحرب بين الطرفين تمهيداُ للتوقيع على اتفاقية "وادي عربة".

الملك حسين ورابين.jpg

 

أما في الحالة الإماراتية، فتشهد إسرائيل صراعا وخلافات في الكواليس على أحقية التفاوض مع أبو ظبي، بين أجهزة الاستخبارات والخارجية، بحسب يديعوت أحرونوت.

هناك غضب في أوساط الساسة الإسرائيليين لتفرد نتنياهو في إبرام الاتفاق بالاعتماد على صديقه المقرب يوسي كوهين رئيس الموساد، وقفزه فوق الأعراف الدبلوماسية، لدرجة أن شريكه في رئاسة الحكومة بيني غانتس، ووزير خارجيته غابي اشكنازي لم يطلعا على تحديثات الاتفاق إلا بعد الإعلان عنه.

وفي هذا السياق كشفت مجلة فورين بوليسي، أن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، لم يكن وليد اللحظة بل هو ثمرة لعشرين عاماً من العلاقات السرية، بدأت بعد هجمات الـ 11 من سبتمبر وجوهره تعاون استخباري.

 

الردود العربية والمزاج الشعبي

بسبب "كامب ديفيد" علقت عضوية مصر 10 سنوات في الجامعة العربية، كما اعتبرت معاهدة "وادي عربة" إضعافاً لموقف الفلسطينيين، ولا يترك المصريون والأردنيون فرصة إلا يحتجون على "السلام" مع إسرائيل أو تعديل الاتفاقيات.

ولم تخلق المعاهدتان المصرية والأردنية إلا سلاماً بارداً وبرتوكولياً لم يترجم على أرض الواقع، في ظل المزاج الشعبي الرافض للتطبيع مع إسرائيل، على عكس "السلام الحميمي" الذي نشهده اليوم في المعاهدة الإماراتية الإسرائيلية التي تنطلق في أجواء احتفالية بينهما، رحبت به دول عربية عدة وصمتت أخرى.

أما على صعيد المكاسب، السادات حصل على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع بيغن، والأردن حصل على أفضلية الإشراف على المقدسات الدينية الإسلامية في القدس وينظر إليها كمكرمة، أما بن زايد الذي مد يده لنتنياهو وتجاهل عمداً النظر إلى يد مصافحه الأخرى وهي تخنق الفلسطينيين، ربما يبحث عن مكاسب قيادية في المنطقة أو نجومية عالمية بإنتاج لقاح لوباء كورونا وبوابته إسرائيل.

ويبقى السؤال أين ستفتح أبو ظبي سفارتها في إسرائيل، هل في تل أبيب إلى جانب نظيرتيها العربيتين، أم في مدينة القدس؟ بما أن ترامب عراب هذا "السلام"، الذي اعترف رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل وأمر بنقل سفارة بلاده إليها طاوياً عقوداً من السياسة الأميركية التي لم تتجرأ على المساس بمكانة القدس عربياً، فهل يجرأ بن زايد على الخروج عن رؤى ترامب؟