معاداة النساء.. اغتيال الثورة

تاريخ النشر: 11.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 03:06 دمشق

في الثامن من آذار عام 2013، بمناسبة "يوم المرأة العالمي"، نالت الناشطة السورية المختطفة رزان زيتونة "جائزة المرأة الشجاعة"، التي تمنحها وزارة الخارجية الأميركية لنساء من حول العالم، اللواتي يُظهرن فضائل الشجاعة والقيادة والاستعداد للتضحية من أجل الآخرين.

كانت رزان زيتونة، أحد أبرز أيقونات الثورة، وهي تحولت مع رفاقها المختطفين: سميرة خليل، ناظم حمادي ووائل حمادة، إلى رمز مأساوي لمآلات هذه الثورة وضخامة المظالم التي يواجهها عموم السوريين.

تقديراً لشجاعتها حازت زيتونة على جائزة "آنا بوليتكوفسكايا" عام 2011، كما على جائزة "ساخاروف" الممنوحة من الاتحاد الأوروبي في السنة نفسها. وفي العام 2012، منحتها "مؤسسة ابن رشد للفكر الحر" في برلين جائزتها، التي خصصتها حينها لرموز "الربيع العربي" من الشبان والشابات الذين أبهروا العالم. نالت أيضاً جائزة منظمة "أصوات حيوية" الدولية عام 2014.

حتى ذاك العام، كنا نستطيع تخيل تلك التوءمة بين انتصار الثورة والسطوع الباهر للمرأة السورية، بل كان الانتصار نفسه مشروطاً في تلك التوءمة بين مطلب الحرية وتحررهن. لقد أظهرن جرأة ووفاء وقوة وصبراً في مثالات وصور لا تُنتسى.

ربما من أجل ذلك، الجائزة التي قدمتها حينها السيدة الأميركية الأولى ميشيل أوباما، عادت وقدمتها عام 2015 إلى الناشطة السورية مجد الشربجي، المعتقلة السابقة في سجون النظام، حيث قضى زوجها عبد الرحمن كمون تحت التعذيب. هي ابنة مدينة داريا، وواحدة من الذين أسسوا "عنب بلدي"، أجمل التجارب الصحافية في زمن الثورة، والتي أبدت تفانياً استثنائياً في نشاطها المدني وفي دعم النساء السوريات، اللاجئات منهن خصوصاً.

في السنة الفائتة، مرة أخرى تنال امرأة سورية الجائزة نفسها، الراهبة كارولين طحان، التي تدير مؤسسة للعناية بالأطفال الذين عانوا من صدمات الحرب، وبالنساء اللواتي تعوزهن الحماية والدعم.

لا ننسى أن الناشطة والصحافية في "عنب بلدي" خلود وليد، نالت أيضاً جائزة "آنا بوليتكوفسكايا" عام 2015. هي أيضاً ابنة داريا، المدينة التي كانت مصدر إلهام للعمل الثوري المدني وللمبادرات الخلاقة.

سهير الأتاسي وعلا رمضان، الناشطتان سياسياً وحقوقياً، ستكرمهما المنظمة الدولية "لا سلام من دون عدالة" بجائزتها لعام 2014. الأتاسي هي من أركان الهيئة العامة للثورة السورية ثم داخل الائتلاف، وتُعتبر من أشهر الوجوه النسائية في قيادة الثورة. وعلا رمضان لا تزال من أبرز العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

لا عدّ للنساء السوريات اللواتي منحن الثورة أفدح التضحيات وأغلاها. منذ لحظة الصبية طلّ الملوحي، قبل الثورة، إلى لحظة آخر امرأة سورية اليوم تقاوم براميل الأسد وصواريخ بوتين في الغوطة الشرقية.

من يطالع مثلاً كتاب "إلى أن قامت الحرب، نساء في الثورة السورية"، ويقرأ تلك الشهادات المؤثرة لتجارب السوريات، في السجون والمعتقلات كما في عملهن الميداني وحياتهن الخاصة، يدرك أن الثورة السورية نفسها، كانت في داخلها تحمل تثويراً لحال المرأة، التي أتاحت لها ديناميكية الانتفاضة العارمة للشعب السوري اختبار التحولات، والاستجابة للحظة الخروج ضد الاستبداد، مع ما يرافق ذلك من تغير في الممارسة والسلوك والأدوار،

ارتكز القمع الدموي على جسد النساء، اغتصاباً وانتهاكاً وتعذيباً وقتلاً، بهدف تدمير مجتمع الثورة وتحطيمه

والفرص التي سنحت للنساء كي يسهمن داخل بيئتهن في اجتراح نماذج جديدة في العمل وفي العلاقات وفي التعبير والحضور، والأهم في نظرتهن لأنفسهن ومكانتهن.

إن أشد مظاهر وحشية النظام تتبدى في سلاح الاغتصاب الذي مارسه منهجيا، وعلى نطاق واسع، في المعتقلات وعند حواجزه العسكرية وأثناء المداهمات. ارتكز القمع الدموي على جسد النساء، اغتصاباً وانتهاكاً وتعذيباً وقتلاً، بهدف تدمير مجتمع الثورة وتحطيمه.

والمروع في حال المرأة السورية، أنها واجهت أيضاً عنفاً جنسياً حولها إلى غنيمة حرب على يد جحافل "داعش"، بينما كان خروجها في بيئات الثورة سبباً لرد فعل ذكوري عنيف في معظم الأحيان، فمجتمع الثورة بدوره ما زال متخماً بقيم قمعية واستبدادية تفاقمت أكثر في ظروف الحرب ومناخاتها.

في سهل البقاع اللبناني، حيث تتركز النسبة الكبرى من اللاجئين السوريين في لبنان، تم عزل عدد من الأرامل والوحيدات ووضعهن في مخيم خاص بهن، بذريعة درء المفاسد والحفاظ على التماسك الأسري. تعاملوا مع الأرامل والنساء اللواتي فقدن عائلاتهن كما لو أنهن مصابات بالطاعون أو البرص. وهذا نموذج على الخوف الدفين من النساء. خوف يقارب الكراهية ويحفز دوماً على ممارسة العنف والاعتداء. لا ننسى هنا ما واجه المرأة السورية في لبنان والدول المجاورة من تمييز عنصري وإذلال شبه يومي، عدا الاستغلال الجنسي المريع في عوالم الدعارة الإجبارية، كما استغلالهن في سوق العمل على نحو شائن.

تشير تقارير صحافية في أوروبا إلى أرقام قياسية في حالات الطلاق التي تحدث بين الأزواج السوريين في دول اللجوء الأوروبية. هذه الظاهرة المتفاقمة ارتبطت بالوعي المتزايد عند السوريات لحقوقهن الإنسانية وبنزوع الأزواج الرجال في المقابل إلى مزيد من تقييد زوجاتهم وفرض السيطرة والسلطة عليهن. لقد كانت الجريمة التي نفذها "أبو مروان" بحق طليقته، على مرأى من ابنه وأعلنها مصورة على الفايسبوك، وحرض فيها على قتل السوريات في كل أوروبا، ذروة التعبير عن التأزم العميق للذكورية ورهابها من المرأة.

هذا النوع من الجرائم ليس جديداً. كانت سوريا قبل العام 2011 تحتل المرتبة الثالثة في معدل "جرائم الشرف". لكن ما أسميه "خروج سوريا إلى العلنية"، انكشافها واكتشافها بعد الثورة، وانكسار جدران كل أنواع الخوف، واستفاقة السوريين إلى وجودهم كأفراد وجماعات، كنساء ورجال،

باتت معاداة النساء تعادل اغتيال روح الثورة وقلبها. ذبح السوريات هو القربان الشيطاني لديمومة الاستبداد والجريمة والقهر.

هو ما "فضح" كل ما كان مسكوتاً عنه، وهو ما دفع ذاك الرجل ليقول عبارته الشهيرة "أنا إنسان مو حيوان". على هذا المنوال، كانت أيضاً صرخات النساء، رغبتهن الجامحة ليكتسبن حقوقهن، سمتهن الإنسانية، حريتهن عقلاً وروحاً وجسداً ولغة.

العنف المتعدد الذي يحاصر المرأة السورية، الذي انفجر في زمن الحرب، داخل سوريا وخارجها، هو تماماً صنو العنف الوحشي الذي واجه الثورة. عنف يهدف إلى رفض الحرية للمجتمع وللإنسان. عنف خطف رزان زيتونة وسميرة خليل، وقتل "أم مروان"، وعزل الأرامل والوحيدات، واغتصابهن في أقبية مخابرات الأسد. باتت معاداة النساء تعادل اغتيال روح الثورة وقلبها. ذبح السوريات هو القربان الشيطاني لديمومة الاستبداد والجريمة والقهر.

كل حلم بسوريا مستقبلية حرة وديموقراطية، سيكون كابوساً وموتاً إضافياً، من دون حرية المرأة وكرامتها.