مصير الرهائن الأميركيين بسوريا في ظل إدارة بايدن

تاريخ النشر: 28.04.2021 | 19:39 دمشق

نيويورك تايمز- ترجمة: ربى خدام الجامع

خطت إدارة ترامب خطوات مهمة وجدية لتحرير أوستين تايس، ذلك الأميركي الذي اختطف في سوريا منذ عام 2012. حيث شكلت وكالة الاستخبارات المركزية خلية خاصة لجمع المعلومات الاستخبارية حول ذلك الموضوع، كما تمت الاستعانة بدولة خليجية قوية حليفة لأميركا للمساعدة في هذا الملف، إلى جانب المناشدات الشخصية التي أطلقتها شخصيات رفيعة بشكل غير معهود، ناهيك عن كبار المسؤولين الذين سافروا إلى دمشق ليضعوا تلك الحالة بين يدي أهم جاسوس لدى نظام الأسد.

إلا أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح...

وبذلك تحولت عملية اختطاف السيد تايس، ذلك الصحفي الذي كان يغطي الحرب السورية، ثم اختطف في إحدى ضواحي دمشق، ليصبح الأسير الأميركي الأطول غياباً خارج البلاد، إلى حالة إحباط مستمرة بالنسبة للمسؤولين في الحكومة الأميركية.

فقد لاح لهم بصيص أمل مرات عدة خلال تلك السنين، إذ هرب السيد تايس من الأسر بعد فترة قصيرة من اختطافه، إلا أن ذلك لم يستمر لوقت طويل، حيث تم القبض عليه من جديد، وذلك بحسب ما ذكره شخصان اطلعا على تلك الحادثة. وخلال فترة إدارة أوباما، وصلت لوكالة الاستخبارات المركزية معلومة زادت من حيرتها، وكانت عبارة عن وثيقة سورية تشير إلى أن تايس محتجز لدى النظام.

وقد وصف مسؤولون سابقون تلك الوثيقة بأنها تمثل نوعاً من الاستمارات القضائية، ومن المحتمل أن اسم السجين ورقمه قد سجلا فيها. إلا أن الذي لم يتضح حتى الآن هو هل قامت الولايات المتحدة أو أحد وكلائها بمواجهة مسؤولي النظام بهذه الوثيقة؟.

واليوم أصبحت مسألة اختفاء السيد تايس بمثابة اختبار للمسؤولين في إدارة بايدن، الذين قد يتعارض استعدادهم لحل تلك المشكلة مع رفضهم للخوض في نوع من أنواع الدبلوماسية غير التقليدية التي مارسها مسؤولون في الأمن القومي أيام ترامب.

فقد ركز الرئيس السابق دونالد ترامب بشكل كبير على عودة السيد تايس بصورة آمنة، لدرجة بات لدى النظام الأسدي معها حافز كبير لإبرام تلك الصفقة السخية التي تقضي بتحرير تايس قبل أن يغادر ترامب منصبه، ولهذا بدأت الآمال بتحرير السيد تايس تتلاشى بعد مغادرة ترامب لمنصب الرئاسة.

وعن هذا الموضوع يخبرنا آندرو تابلار، الذي شغل منصب مدير الملف السوري ضمن مجلس الأمن القومي، ثم أصبح أحد كبار المستشارين لدى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، فيقول: "لو كان تايس لدى النظام أيام إدارة ترامب، لكان ذلك أنسب وقت للتخلي عنه وللحصول على كثير مقابل ذلك". غير أن السيد تابلار رفض مناقشة تفاصيل قضية السيد تايس.

في حين ذكر مسؤولون في إدارة بايدن أنهم ملتزمون بإيجاد السيد تايس وإنقاذه، ولهذا كشفت وزارة الخارجية الأميركية خلال هذا الشهر  أن وزير الخارجية أنطوني بلينكن سبق  أن تحدث إلى عائلة تايس وأوضح  أن الوزارة ليست لديها أية أولوية فضلى تأتي قبل العمل على تحرير تايس، وذلك بحسب ما أورده أحد المسؤولين في هذه الوزارة.

أما السيد روجر كارستينز، الذي شغل منصب مبعوث وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الأسرى أيام ترامب، فيقول: "أعتقد بأن أوستن حي يرزق، وبأن مهمتنا تتلخص في إعادته إلى وطنه وأسرته".

كما ذكر السيد كارستينز  أن إدارة بايدن قد تحافظ على تركيزها على ملف الأسرى، وذلك حينما قال: "إننا ندين بذلك للأسرى والمعتقلين وكذلك لعائلاتهم، ولهذا سيتحفظون بمركز الصدارة ضمن السياسة الخارجية الأميركية".

الجدير بالذكر أن هذه المقالة تعتمد على مقابلات أجريت مع مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين تحدثوا بشرط  عدم الكشف عن أسمائهم، وذلك لأنهم ناقشوا معلومات حساسة حول قضية تايس. أما عائلة تايس التي نشطت في مجال نشر الوعي بالنسبة لهذه القضية، والتي لفتت انتباه الحكومة الأميركية، فلم ترد على طلبنا عندما دعوناها للتعليق على الموضوع.

فلقد أحرجت مسألة اختطاف تايس المحققين الأميركيين، كما لم يعترف نظام الأسد باحتجازه للسيد تايس الذي رجح مسؤولون سابقون أنه معتقل في سجن عسكري أو تابع للمخابرات مخصص للمعتقلين الذين يتمتعون بقدر كبير من الأهمية وذلك في دمشق أو بالقرب منها.

إذ بعد مرور شهر على اختطاف السيد تايس، ظهر معصوب العينين في مقطع فيديو وهو محاط بخاطفيه المسلحين. وقد علم المحققون بأنه في بداية الأمر نقل إلى سجن في دمشق، حيث شاهده طبيب هناك، بحسب ما ذكره الشخصان اللذين اطلعا على الموضوع. ثم تمكن السيد تايس من الهرب لمدة لم تتجاوز الأسبوع، ثم تم القبض عليه بعد ذلك.

وفي عام 2016، أجرت وكالة الاستخبارات تقييماً حول وضع السيد تايس، خلصت فيه إلى أن هنالك أدلة ظرفية قوية تشير إلى أنه مايزال على قيد الحياة. ولم يعترض على ذلك سوى وكالة استخبارات الدفاع، نظراً لأن احتمال البقاء على قيد الحياة في سجن سوري لمدة قد تطول لسنوات أمر مستبعد. غير أن هذه الوكالة قامت بمراجعة وتنقيح النتيجة التي خلصت إليها بعدما وقف مسؤولون آخرون في الاستخبارات ضد ذلك التحليل وطعنوا به.

السيد تايس في فيديو نشر على يوتيوب بلا تاريخ

وعندما تولى السيد ترامب زمام الأمور في البلاد، كثف من الجهود الساعية للبحث عن السيد تايس وتحريره، حيث جعلت إدارة ترامب من قضية إنقاذ الأسرى أهم أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي، وهكذا نجحت بتحرير أكثر من 50 أميركياً وفقاً لحساباتها.

ثم لاحت فرصة لمحاولة معرفة أي شيء عن السيد تايس في مطلع عام 2017، وذلك عندما سافر مستشار أميركي يعيش في بيروت وتربطه علاقة بالنظام في سوريا إلى دمشق حاملاً معه رسالة من الحكومة الأميركية تطلب فيها من النظام معلومات عن تايس، وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون أميركيون سابقون. وهكذا التقى ذلك المستشار بعلي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي التابع لمخابرات النظام. وهنا ذكر لنا مسؤولون سابقون أنهم تمنوا أن يتمخض هذا الاجتماع عن قيام النظام بتقديم أدلة حول بقاء السيد تايس على قيد الحياة، وأن يثمر أيضاً عن صفقة لتحريره.

إذ بالرغم من أن العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وسوريا قد تم تخفيضها إلى أدنى مستوى منذ إغلاق الولايات المتحدة لسفارتها في دمشق عام 2012، وإصدارها أوامر بإغلاق السفارة السورية في واشنطن في عام 2014، إلا أن إدارة ترامب كانت مستعدة للاستعانة بكبار المسؤولين للعمل بشكل مباشر على قضية تحرير الأسير تايس.

ففي شهر شباط من عام 2017، أجرى مايك بومبيو الذي كان يشغل وقتها منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية اتصالاً هاتفياً بعلي مملوك لمناقشة قضية تايس، فمثلت تلك المكالمة أرفع مستوى من التواصل بين حكومتي البلدين منذ سنوات، إلا أن الجهود التي بذلت لم تتمخض عن شيء يذكر.

وفي شهر آب من عام 2018، سافر مسؤول كبير من وكالة الاستخبارات المركزية إلى دمشق والتقى بعلي مملوك، وهناك أثار موضوع تايس مجدداً.

ويحكي لنا كريستوفر ميلر الذي شغل منصب وزير الدفاع بالوكالة أيام ترامب، بأنه خصص موارد إضافية للبحث عن تايس، رغم أنه لم يسهب في الحديث عن تفاصيل تلك الجهود، لكنه قال: "كنا نعمل بناء على افتراض وهو أنه مايزال حياً يرزق".

عند ذلك بدأ شركاء الولايات المتحدة في المنطقة يلاحظون مدى الاهتمام الأميركي على أرفع المستويات بهذه القضية، ولهذا عرض محمد بن زايد آل نهيان حاكم دولة الإمارات المساعدة، فزرع الأمل في النفوس عندما ذكر أنه يمكن أن يحرز تقدماً مع النظام عقب إعادة افتتاح سفارة دولة الإمارات في دمشق. وهكذا نشر مسؤولون سابقون أخباراً حول اعتزام الإماراتيين بناء مشفى في دمشق، مقابل تسليم النظام للسيد تايس، إلا أن ذلك لم يتحقق لأسباب غير واضحة.

هذا وقد فشل شركاء آخرون لأميركا، مثل الفاتيكان، في إطلاق سراح السيد تايس، ولهذا تحدثت إدارة ترامب لممثل شهير في هوليوود لم يحدد اسمه، وطلبت منه التواصل مع النظام الأسدي. وفي الوقت الذي اعتقد فيه المسؤولون في إدارة ترامب بأن موسكو يمكن أن تتدخل في هذه القضية، لم تبد روسيا أي تعاون على الإطلاق.

ثم أطلق سراح أميركيين آخرين كانا محتجزين لدى النظام، وهما كيفن باتريك ديويز وهو مصور حر أطلق سراحه في عام 2016، بعد قرابة أربعة أعوام أمضاها في الأسر، وسام غودوين الذي تم تحريره في عام 2019 بعدما اعتقل لمدة شهرين. إلا أن هذين الرجلين احتجزا لفترات أقصر بكثير من مدة اعتقال تايس، وقد ذكر الأسير المحرر ديويز بأنه تعرض للضرب المبرح، بينما قال الأسير المحرر غودوين بأنه كان يسمع أصوات غيره وهم يتعرضون للتعذيب كل يوم.

اقرأ أيضاً: رحلة أميركي في سجون النظام من القامشلي إلى عدرا ثم لبنان

غير أن معرفة مصير السيد تايس بقيت أمراً بعيد المنال بالنسبة للمسؤولين في الإدارة الأميركية، ومنهم روبرت أوبريان، المفاوض السابق بشؤون الأسرى، الذي أصبح مستشار الأمن القومي لدى ترامب في خريف عام 2019. وهكذا أخذ السيد أوبريان الذي فقد ابنه في حادث يبذل كل ما بوسعه ليعيد السيد تايس إلى وطنه.

وفي شهر آذار من عام 2020، كتب السيد ترامب رسالة لبشار الأسد طلب منه فيها إطلاق سراح تايس، كما عرض عليه الحوار بشكل مباشر.

ولمتابعة هذا الملف، أرسلت إدارة ترامب في آب من عام 2020 مسؤولين رفيعين إلى سوريا، وهما السيد كارستينز الذي يعتبر قيصر الأسرى، وكاشياب باتيل، الذي شغل مناصب رفيعة في البيت الأبيض والبنتاغون وجهاز الاستخبارات. وإلى جانب تأمين عملية إطلاق سراح تايس، تمنى هذان الأميركيان أن يبرما صفقة لتحرير مجد كم ألماز وهو أميركي من أصول سورية.

اقرأ أيضاً: عائلة أميركي محتجز لدى النظام تعلق آمالها على بايدن

وهكذا توغل العقيد المتقاعد من الجيش الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الخارجية، وهو السيد كارستينز في قضية تايس بشكل أكبر، حيث التقى هو والسيد باتيل بعلي مملوك، فما كان من مملوك إلا أن طالبهما برحيل القوات الأميركية عن سوريا وبتطبيع العلاقات بين البلدين قبل تحقيق أي تقدم في قضية تايس. وبالرغم من كل ذلك، لم يعترف كبير الجواسيس مملوك بأن النظام هو من يحتجز السيد تايس، ليواصل بذلك النهج الذي اتبعه منذ قرابة تسع سنوات.

وعن ذلك يخبرنا السيد تابلار الذي يرى بأن هذا الاجتماع يعتبر الوقت الأمثل بالنسبة للنظام للدخول في مساومة في حال اعترافه باحتجاز السيد تايس، حيث اختتم الحديث بالقول: "لا يمكنك أن تبيع سجادة ليست لديك أو أن تدعي بأنك لا تعرف أين هي".

المصدر: نيويورك تايمز