مصلحة السوريين في الضربة الأمريكية المزعومة

تاريخ النشر: 13.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

التحضيرات لضربة أمريكا

كما هو متوقع استخدم الروس حقَّ النقض الفيتو للقرار الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن حول آليات التحقيق في الضربة الكيميائية التي قام بها النظام السوري في دوما، والتي سقط جراءها العشرات من المدنيين معظمهم من الأطفال. و يبدو أنه أكثر من أي وقت سابق، تجري التحضيرات الأمريكية لوجستياً وعسكرياً وسياسياً وإعلامياً و على أوسع نطاق لشن ضربة أمريكية مرتقبة لسورية، فقد تصاعدت التهديدات الأمريكية على لسان دونالد ترمب بشكل ملفت للنظر خلال هذا الأسبوع، تلك التهديدات التي طالت سورية وروسيا أيضاً. وبدا الأمر كما لو أنه "ماراثون" لتبادل التحديات بين روسيا وأمريكا، على الرغم من أنَّ النبرة الروسية التي مالت لتخفيف التصعيد، مكتفية بالتحذير من عواقب الضربة على ملف مكافحة الإرهاب، وبات خطاب بوتين أيضاً يحمل نبرة غير معهودة من الآمنات بضرورة إحلال السلام في العالم بدلاً من العنف.

الأمر الذي فسره محللون بأنه يندرج تحت إطار تهيئة الرأي العام الأمريكي والغربي للضربة المحتملة.

خطوات التصعيد الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية والمتمثلة بإلغاء جميع الزيارات الخارجية لأصحاب القرار الأمريكي، ثم عقد اجتماعات على مستوى عال، ثم التجهيزات العسكرية المختلقة التي كان أبرزها تحريك المدمرات الأمريكية  باتجاه السواحل السورية، وما رافق ذلك من تغطية إعلامية لحوادث القصف الكيمائي وانشغال الميديا والصحف الأمريكية بصور ضحايا المجزرة الكيميائية التي ارتكبها النظام وحلفاؤه في دوما، الأمر الذي فسره محللون بأنه يندرج تحت إطار تهيئة الرأي العام الأمريكي والغربي للضربة المحتملة. كما يبرز التصعيد الغربي في إطاره العام من خلال تصريحات القادة الأوربيين، فقد أعلنت ألمانيا تأييدها للضربة وتفيد الأنباء بمشاركة فرقاطة ألمانية بالأسطول الأمريكي المتجه نحو سورية، كما   أفادت صحيفة ديلي تليغراف أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمرت غواصات بالتحرك بحيث تكون على مسافة تتيح لها إطلاق صواريخ على سوريا، وفي شأن متصل، أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أنه في حال قررت بلاده شن ضربات عسكرية، فسوف تستهدف "القدرات الكيميائية" للنظام السوري، من غير أن تطال "حليفيه" الروسي والإيراني، مؤكدا "لا نتمنى أي تصعيد في المنطقة". كما أفادت أنباء عن تكثيف طيران الناتو طلعاته قرب الحدود السورية.

بالمقابل قام النظام السوري بإخلاء المطارات والعديد من المواقع العسكرية، وتشير التقارير إلى قيامه بنقل العديد من ذخائره وأسلحته الجوية إلى قواعد روسية. مع استنفار عام في وحداته العسكرية مع ترقب العالم لما تسفر عنه هذه التحضيرات الكبيرة.

هل "استفاق" الضمير الغربي؟

مجرد التفكير بأن هناك "ضميراً غربياً" سيبدو الموضوع ساذجاً وانفصالاً عن الواقع السياسي الذي برهنت عليه السياسة الغربية خلال القرنين الماضيين، ومن المضحك التفكير بأن "الضمير" الغربي قد استفاق بمشاهدته لنتائج الضربة الكيميائية التي نفذها النظام السوري ضدّ أطفال دوما، فاستخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية تكرر لأكثر من 20 مرة ضدّ أبناء الشعب السوري، وكان الصمت هو سيد الموقف لجميع العواصم الغربية، ولم تتجاوز ردود الأفعال أكثر من تنديدات " باهتة" ومشاريع تصطدم بالفيتو الروسي. وربما كان قصف مطار الشعيرات هو الخطوة الوحيدة التي استعرض من خلالها ترامب عضلاته في بداية تسلمه سدة الرئاسة للتأكيد على أن الرئاسة الجديدة تضع كل الأوراق على الطاولة ولا تستبعد أي خيار. الشعب السوري لم ولن يؤمن بأي نوايا حسنة من الدول الغربية عموماً اتجاه مصالح الشعب السوري. فلولا الدعم الغربي للنظام السوري وفرضه حظراً لتعزيز قدرات قوات المعارضة السورية عسكرياً، وأيضاً دعم الموقف السياسي للمعارضة، لما تمكن النظام من الاستمرار بجرائمه كل هذه السنين، فالغرب كان يدعم الأسد للاستمرار بتنفيذ مهمته في تدمير البنية التحتية بشكل كامل لسورية، وقتل السوريين على أساس اثني باستهداف الأغلبية "العربية – السنية"،  وكل ذلك يتوافق مع السياسة الغربية الساعية ربما لخلق وضع ديموغرافي سوري يتناسب مع مشروع شرق أوسطي جديد لإعادة ترتيب المنطقة.

المصلحة السورية؟

سير الأحداث والمعاناة التي لحقت بالشعب السوري ومئات الآلاف من الضحايا الذين سقطوا بنيران الأسد وروسيا وإيران وميليشياتها الطائفية وحتى التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا مع باقي الميليشيات الارتزاقية كحزب العمال الكردستاني، كلها تجعل الشعب السوري يعلق آمالاً على هذه الضربة، ليس بوصف الأمريكان والغرب محررين أو مخلصين أو أنهم سيلعبون دوراً إيجابياً اتجاه الشعب السوري، لكن بوصف هذه الضربة إذا تمت والتي ستستهدف بالدرجة الأولى تقليم أظافر روسيا وإيران في سورية، فستستهم ربما إذا لم يكن بإسقاط النظام عسكرياً، فربما يكون إسقاطه هذه المرة بيد الروس، وربما لن يكون أيضاً بعيداً تصفية رأس النظام من قبل الروس وتعيين بدلاء لإفساح المجال للشروع بعملية سياسية طمعاً بالحفاظ على نفوذ روسي.

كما يمكن أيضاً أن يكون هناك إجراءات أخرى من قبيل مساومات بين الأمريكان والروس والتنازلات التي قد يتم تقديمها لتعليق الضربة

كسوريين أرى، بأننا يجب أن نضع كافة الاحتمالات وأسوأها أمامنا،فمن الصعب التنبؤ بحجم الضربة المتوقعة، كما أنه أيضاً من الصعب في هذه الأجواء تحديد المفاجآت التي قد تحدث، خاصة إذا أخذنا احتمال وجود علاقة بين تصريحات وتهديدات ترامب الأخيرة ضدّ روسيا وبين  وعلاقتها بصراعاته الداخلية ضدّ خصومه السياسيين الذي يتهمون وجود علاقة بين ترامب وروسيا بعد اتهام الأخيرة بالتدخل بنتائج الانتخابات الرئاسية. كما يمكن أيضاً أن يكون هناك إجراءات أخرى من قبيل مساومات بين الأمريكان والروس والتنازلات التي قد يتم تقديمها لتعليق الضربة بملفات عديدة للروس علاقة فيها غير الملف السوري، وبشكل مسألة الاحتلال الروسي لأوكرانيا أو العلاقات مع طهران أو غيرها من المسائل.  فقد أعلن ترامب في تصريحات أخيرة بأن الضربة هي إحدى الخيارات، مما يفتح الباب أمام تكهنات بحدوث تغير ربما بالخطة بالفعل، يؤكد على ذلك التصريح الأخير بأن موعد الضربة قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً أيضاً.

ترامب أشعل وسائل التواصل والإعلام، لكن تبقى الأفعال أبلغ من الأقوال، والأيام القليلة القادمة ستظهر إلى أي حد تخرج تصريحات الرئيس ترامب من دائرة الفقاعة أو الابتزاز الاقتصادي والمساومات التي يبدو أنه بارع في إجرائها.