تسارعُ الأحداث الذي جرى في الأسبوع الثالث من هذا العام فاجأ السوريين جميعاً على اختلاف مكوّناتهم وأطيافهم. كثيرون منهم، وخاصة الأقليات، كانوا بمعظمهم ينظرون إلى المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على أنها عصيّة على الجيش السوري والقوات الحكومية، بل يذهب البعض للحديث على أنها جنة الديمقراطيات والحريات، وبلغت من التنظيم ما لا يمكن تصوّره، رغم عدم درايتهم بالأوضاع هناك وجهلهم بما يحصل. لكنهم يستقون معلوماتهم من قلةٍ تعتاش على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة وأنها تدغدغ مشاعرهم وتُبقي بعض الأحلام حيّةً في مخيّلاتهم، أحلامٌ من قبيل اللامركزية والفيدرالية وحتى الانفصالية. لكن كل ذلك تلاشى بين ليلةٍ وضحاها، ليصحو الجميع على أخبار مفادها أن الجيش العربي السوري، وخلال ساعات، دفن مصطلح «شرق الفرات وغربه»، وبات يسيطر على جلّ المنطقة بوصفها الشريان الحيوي للمياه ومصادر الطاقة.
تسارعُ الأحداث في عملية تحرير منطقة الجزيرة السورية أعاد إلى الذاكرة عملية ردع العدوان، وأرجع إلى أذهان الجميع حجم القاعدة الشعبية التي تمتلكها حكومة دمشق، والتي أضحت اليوم الحكومة السورية. ووفق ما ذكره تقريرٌ نشر في صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن محللين أمنيين ومسؤولين أميركيين، فإن جزءاً كبيراً من التقدّم السريع لقوات الجيش تمّ بمساعدة قوات العشائر العربية في المنطقة، التي كانت مواليةً لـ«قسد» ثم اختارت الانحياز إلى جانب الحكومة المركزية في دمشق.
لم تعمل «قسد» على بناء هيكليتها، سواء التنظيمية أم الإدارية. كثيرون منّا لم يكونوا يدركون هذا الأمر إلا بعد توقيع اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع والسيد مظلوم عبدي.
الواقفون على الضفة المقابلة للحكومة الحالية كانوا، بشكلٍ أو بآخر، يعوّلون على قوات سوريا الديمقراطية علّها تتمكّن من كسر شوكة الحكومة السورية، وذلك بفرض شكلٍ من أشكال اللامركزية أو الفيدرالية وغيرها، مما يفتح الطريق أمامهم للمطالبة بمفاهيم مشابهة، رغم أنهم يعرفون تمام المعرفة أن هذا غير ممكن، بل يشكّل ضرباً من الجنون كونه سيؤدي إلى تفتيت البلاد وإضاعة ثرواتها، عوضاً عن كونها موحّدة وقادرة على استغلال كافة تلك الثروات بما يسهم في فائدة السوريين بكافة أطيافهم. هؤلاء بات عليهم الآن الصعود في أول قاربٍ للعبور إلى الضفة الثانية، ضفة الدولة السورية، وكفاهم سيراً خلف الأصوات غير الوطنية التي تحاول بثّ النعرات وتجييش المشاعر لجرّهم نحو الهاوية.
مشروع «قسد» بات من الماضي، ويجزم الكثيرون بأنه دُفن إلى غير رجعة. فما الذي تغيّر بين ليلةٍ وضحاها؟ ولماذا تلاشت قوات سوريا الديمقراطية التي كانت تحكم السيطرة على مناطق شرق الفرات قرابة 14 عاماً، بل توسّعت قبل عامٍ لتضمّ الكثير من المناطق غربي النهر إبان عملية ردع العدوان وتسارع الأحداث باتجاه دمشق؟
في المقام الأول، لم تعمل «قسد» على بناء هيكليتها، سواء التنظيمية أم الإدارية. كثيرون منّا لم يكونوا يدركون هذا الأمر إلا بعد توقيع اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع والسيد مظلوم عبدي، الاتفاق الذي بدا ظاهرياً أنه بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ليتكشّف لنا بعدها أن قرار الطرف الثاني ليس بيد صاحب التوقيع، وأن هناك أكثر من معسكرٍ داخل «قسد»، والواضح أن لكلٍّ منهم رؤيته الشخصية وآراءه وتطلعاته الخاصة، الأمر الذي أبقى الاتفاق حبراً على ورق.
الأمر الثاني يتلخّص في عدم نجاح التنظيم في تكوين حاضنة شعبية، فالمنطقة التي كان يبسط سطوته عليها تضمّ تنوّعاً كبيراً من الأعراق والديانات، وعلى الرغم من اتخاذه تسمية قوات سوريا الديمقراطية، إلا أن تلك الحاضنة تركته عند أول استحقاق، بما فيهم الكثيرون من الإخوة الكرد. فودّ الشعوب لا يُشترى بالولاءات، إنما بالأخلاق والمبادئ، والواضح أن التنظيم خسر هذا الرهان.
اليوم نحن أمام واقعٍ جديد، ولا نريد أن نحمّل أياً من المكوّنات الشعبية التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم مسؤولية الخيارات التي اتُّخذت.
الأمر الثالث، والذي ربما يُعدّ الأهم، يكمن في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، والذي نصّ على اعتبار الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، كما تُعدّ هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزّأ من الهوية الوطنية السورية المتعدّدة والموحّدة، وعدّ اللغة الكردية لغةً وطنيةً، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبةً ملحوظة، والأهم أن المرسوم ألغى العمل بالقوانين والتدابير التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وقضى بمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية ويقيمون على الأراضي السورية دون استثناء، وغيرها من المكاسب التي طالما نسج التنظيم صورةً لنفسه على أنها المطالب التي يناضل من أجلها. وتلك كانت ضربة استباقية للحكومة السورية عرّت التنظيم.
الكلّ رحّب باتفاق العاشر من آذار، وكان بإمكان «قسد» أن تنضمّ – ولو بشكلٍ متأخر – إلى مؤتمر انتصار الثورة السورية، الذي عُقد في التاسع والعشرين من شهر كانون الثاني 2025، وقضى بحلّ جميع الفصائل المسلحة والهيئات السياسية والمدنية الثورية ودمجها في مؤسسات الدولة. ولو نسج التنظيم على منوال تلك الفصائل لكان اليوم جزءاً لا يتجزّأ من الحكومة السورية، وحفظ لنفسه ولمنتسبيه وأعضائه كثيراً من المكاسب التي لم تعد موجودةً اليوم. وهذا ما يعيدنا إلى مسألة غياب الهيكلية التنظيمية والإدارية التي تحدّثنا عنها سابقاً.
اليوم نحن أمام واقعٍ جديد، ولا نريد أن نحمّل أياً من المكوّنات الشعبية التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم مسؤولية الخيارات التي اتُّخذت. من أخطأ يجب محاسبته، وأصحاب القرارات التي جرّت البلاد إلى ما وصلنا إليه الآن عليهم أن يواجهوا العدالة، وهذه مهمة القضاء ورجال القانون. علينا طيّ صفحة الماضي والعمل معاً كمكوّن سوري واحد على لملمة جراحنا، والتفرّغ لبناء سوريا التي حلمنا بها على مدار عقودٍ طويلة. الطريق الآن بات أكثر وضوحاً، والقادم أجمل بإذن الله.
مصطلح "شرق الفرات وغربه" بات من الماضي