مصارف النظام توقف الإقراض وتكلفة مؤونة السوريين تقارب المليون

تاريخ النشر: 28.08.2020 | 15:30 دمشق

آخر تحديث: 28.08.2020 | 15:33 دمشق

إسطنبول - فؤاد عزام

يمر شهر آب هذا العام ثقيلا على الأهالي، وقد تجاوزت قسوته جميع ما عانوه قبيل افتتاح المدارس وتأمين مؤونة الشتاء والمحروقات، طيلة السنوات العشر الماضية، وفي ظل أوضاع معيشية تزداد سوءا، باتت الأسرة معها تحتاج إلى حوالي المليون ليرة لتأمين متطلبات هذا الشهر، بحسب تقديرات أكاديميين موالين، في حين يبقى متوسط الراتب الشهري بحدود 50 ألف ليرة، بينما يمنع النظام المصارف من إقراض الأهالي، وهو حل كانوا يلجؤون إليه لسد بعض احتياجاتها .

 

مؤونة السوريين بمليون ليرة

بحسب أهال تحدثوا لتلفزيون سوريا فإن أسعار المستلزمات المدرسية و القرطاسية ارتفعت هذا العام بشكل صادم مع اقتراب افتتاح المدارس ليصل إلى أكثر من الضعف مقارنة بالعام الماضي حيث بلغ سعر الحقيبة المدرسية نحو عشرين ألف ليرة، وسعر المريول المدرسي سبعة آلاف ليرة والبنطال 15 ألف ليرة .

ويقول عدد من الأهالي إن ما يضاعف أزمتهم خلال هذه المدة ارتفاع أسعار الأجبان والألبان والخضار والفواكه ومن بينها الفاصولياء والباميا والباذنجان والملوخية والتفاح وغيرها، وهو مادفع الكثير منهم إلى الاستغناء عنها لعدم قدرتهم على شراءها مع المواد الأخرى اللازمة لصناعة المؤونة كزيت الزيتون والسكر والجوز  وغيره، أو في الحدود القصوى الإكتفاء بنذر يسير منها.

وتعد المؤونة في سوريا أحد أهم أساسيات الحياة لدى الأسرة وهي جزء مهم من تراث الاقتصادي المنزلي وتشكل حالة ترتبط بالعادات وتأتي نفقاتها مضاعفة على السوريين كالمكدوس والباميا والفاصوليا " الميبسة " والكشك ومربى الفواكه بأنواعها بحيث كان يخصص لها حيزا في البيوت القديمة.

ويقدر الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، شفيق عربش بحسب تلفزيون الخبر الموالي نسبة السوريين العاجزين عن تأمين احتياجات شهر آب بأكثر من 90%   ويقول : بحسبة بسيطة فإن الأسرة السورية تحتاج إلى ما يقارب مليون ليرة بالحدود الدنيا لتغطية تكاليف المدارس والمؤونة في هذا الشهر فقط، وذلك بسبب الغلاء المبالغ به في أسعار القرطاسية ومستلزمات المدارس، ناهيك عن أسعار المواد التموينية.

وأضاف أن التكاليف المرتفعة التي يتكبّدها الآباء، تسببت بالكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية ،إذ أجبرت الضائقة المادية التي تعيشها الأسر السورية على سحب بعض أولادها من المدارس. مشيرا إلى أن الأزمات الاقتصادية الخانقة أدت إلى نتائج سلبية على كافة الجوانب المعيشية والصحية والغذائية والدراسية وأن هذا التراجع في كافة الجوانب يشكل خوفاً كبيراً على الأجيال القادمة.

 

هل ستكفي مدخرات السوريين؟

من جانبه حذر المحلل الاقتصادي، عمار يوسف، من أن القادم سيكون أسوأ بالنسبة للأهالي ونقلت صحيفة تشرين المواليه عنه قوله "من لديه مدخرات ستكون قد نفدت، وستأتي علينا مرحلة جوع مخيفة، ولن يهمه إن ارتفعت الأسعار أو انخفضت حينذاك".

ولم يطرأ أي تحسن على رواتب الموظفين التي تعادل 50 ألف ليرة سوريا، في وقت تحدثت تقديرات قريبة من النظام وتقارير صحفية أن تكاليف المعيشة لأسرة المؤلفة من 5 أشخاص في دمشق يصل إلى 430 ألف ليرة سورية شهرياً كما جاء في دراسة لصيحفة قاسيون المحلية.

وتزداد أوضاع الأهالي سوءا بحيث تجاوزت نسبة الفقر نحو 90% من سكان سوريا، أي بأقل من دولارين في اليوم الواحد، وفق ما نقلته وكالة “رويترز” عن ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماجتيموفا، في حزيران الماضي ،في حين  قدرت جيسيكا لوسون من برنامج الأغذية العالمي لوكالة فرانس برس ارتفاع سعر السلة الغذائية التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمية بنسبة 107 في المئة ، بينما قالت إليزابيث بايرز المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي إن عدد من يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع 1.4 مليون في غضون الأشهر الستة المنصرمة.

ولم يستثن الفقر شرائح كانت في وقت سابق محسوبة على ميسوري الحال ومن بينهم الفنانين بحيث ارتفعت أصوات بعضهم مؤخرا تشكو سوء الأوضاع ومن بين هؤلاء هاني شاهين المعروف بنوري في مسلسل (باب الحارة) حيث كتب على صفحته أن راتبه الذي يتقاضاه من نقابة الفنانين ، الذي يقدر ب25 ألف ليرة لايكفيه حتى لشراء كيلو لحمة وذكر الفنان السوري (محمد قنوع) أن الفنان يعيش كغيره من المواطنين ، وأن 70 ٪ من الفنانين يعيشون تحت خط الفقر.

ويعجز النظام عن الانتقال من اقتصاديات الحرب والعنف إلى اقتصاديات منتجة ومن تحويل الموارد من عسكرية إلى إنتاجية، بينما لا تزال عجلة الإنتاج متوقفه يضاف إلى هذه الأزمات عامل الكورونا وتراجع سعر صرف الليرة وخروج ثروات البلاد الرئيسية عن سيطرة النظام في شرق الفرات وشمال سوريا ، وسداد الديون المترتبة عليها لروسيا وايران إضافة الى  العقود التي استحوذوا عليها وازدياد الفساد.

ويرى الصحفي المختص بالشؤون الإقتصادية ثامر قرقوط أن النهج السياسي الذي اتبعه النظام منذ عقود أدى إلى انتشار الفساد والفقر بينما لا يزال هناك تغيبب متعمد  وممنهج لأي نهج اقتصادي وتنموي يتناسب مع احتياجات المجتمع السوري ، وترسيخ ثقافة النهب والسرقة، وقال : لقد حذرنا منذ عقود من مخاطر كبيرة، تتربص بالمجتمع السوري، بسبب تلك الاجراءات القاسية، والنهج القسري المفروض على السوريين، وتركز الثروات بيد القلة، وغياب المشاريع التي تسهم في النهوض الوطني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وكف التدخلات الأمنية بالحياة العامة، والسعي لإطلاق الطاقات الوطنية كافة للاستفادة منها في بناء البلاد على أسس الديمقراطية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وترسيخ مبدأ المواطنة.

وأضاف قرقوط "أن حكومات دمشق المتعاقبة ضربت عرض الحائط بتلك المطالب والمقترحات، وانزلقت بتوجهها الأمني إلى ما لاتحمد عاقبته، واعتمدت الرفض المطلق لأي مبادرة لوقف الانهيار، وضيقت على الناس مقابل تراخيها مع الذين نهبوا خيرات البلاد، وعطلوا الاستثمارات ".  

 

نظام الأسد.. حلول أمنية للاقتصاد

ويستمر النظام بالحلول الأمنية والعسكرية للقضايا الإقتصادية مع بقاء مؤسساته مرتكزة على شبكات المافيا العابرة لقوى وأثرياء الحرب بينما يضغط على الأهالي بأن يتحملوا الواقع المعيشي ويتأقلموا معه في وقت لا يستطيعون فيه تأمين أهم احتياجاتهم الأساسية، ويغلق بوجوههم أبواب المصارف ولا سيما للموظفين والعمال من ذوي الدخل المحدود وهي التي كانت ملاذا يحل بعض مشاكلهم لبعض الوقت ، وأيضا يحثهم على اقامة المشاريع الصغيرة والإتجاه نحو الزراعة ، بحسب  خطاب بشار الاسد الأخير أمام مجلس الشعب .

ويتحدث موالون ومن بينهم نقيب المهن المالية والمحاسبية زهير تيناوي بأن المتضرر الرئيس من وقف القروض هم ذوو الدخل المحدود والمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يفترض أن تكون الحامل الأساس لاقتصاد المرحلة المقبلة، ويقول تيناوي إن لدى المصارف اليوم فائض سيولة من الإيداعات يجب استثماره إما بمشاريع “وهو أمر غير متاح حالياً” أو بقروض.

ويرى سمير طويل الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي  أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وقطاع الزراعة  هو موضوع اشكالي ويحتاج الى حزمة إجراءات يحتاج  الى اجراءات تنعش الاقتصاد  بحاجة  لصناديق دعم وضمانات وتحتاج الى برامج  والاقتصاد السوري غير مهيئ لهذه العملية

واستبعد سمير طويل أن يكون لدى المصارف القدرة على الإقراض بسبب نسبة القروض المتعثرة لديها والتي لا تزال بحكم المجمد  طيلة العشر سنوات الماضية ويقول : إن كتلة القروض المجمدة على سبيل المثال لدى المصرف الزراعي تتجاوز 14 مليار ليرة  ونسبة القروض المتعثرة  للمصرف الصناعي تتجاوز رأس ماله مشيرا إلى أن القروض المتعثرة للمصارف العامة والخاصة قدرت قبل العام 2011  بحوالي 2.5  مليار دولار .

وبرر المصرف العقاري على لسان أحد موظفيه وهو عزيز عمادي قرار وقف القروض بأنه جاء بسبب مخاوف من استمرار عملية تحويل يقوم بها المقترضون بعد حصولهم على القرض، من العملة السورية إلى عملات أجنبية، مايزيد من شراء القطع الأجنبي ويؤثر على كمية الطلب على الدولار الأميركي التي يقوم بها بعض المقترضين". بحسب ما نقله عنه موقع نورث برس الموالي .

فقر يدحرج شرائح اجتماعية إلى ماوراء خطه، ونظام عاجز إلا من البقاء جالسا على كرسي فساد وبحر من دماء السوريين، ولا حل لديه سوى القبضة الأمنية بوجه الملايين ممن أفقرتهم آلته العسكرية والفاسدون الذين ربطهم به مع مايعنيه ذلك من نشر ثقافة الإنحلال القيمي والأخلاقي ليصبح قاعدة، فيما الاستقامة والقيم التي تربى عليها السوريون وعاشوها يعمل على جعلها استثنائية مع استمراره في تفتيت المجتمع وتشظي المكونات والأسر في حقبة يمنع الناس من أبسط مقومات حياتهم مستمرا بكذبه عليهم تارة وملوحا بعصاه تارة أخرى .