icon
التغطية الحية

مصادرة عقارات المنشقين.. قوانين النظام المخلوع أداة للانتقام المقنّع

2026.01.08 | 05:42 دمشق

وزارة العدل بدمشق - تلفزيون سوريا.
وزارة العدل بدمشق - تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا - وفاء عبيدو
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- فقدان الملكية للمنشقين: تعرض ضباط الجيش المنشقون لفقدان ممتلكاتهم بطرق مثل الحرق والاستملاك القسري، حيث استُخدمت القوانين بشكل ظاهري لإضفاء شرعية على هذه الإجراءات، مما أثار تساؤلات حول مشروعية هذه التصرفات.

- شهادات ومعاناة الضباط: يروي ضباط مثل عدنان صطيف وعمار الواوي تجاربهم في فقدان ممتلكاتهم بعد انشقاقهم، حيث تم بيع عقاراتهم في مزادات علنية دون علمهم، مما دفعهم للمطالبة باستعادة حقوقهم.

- التحليل القانوني: أوضحت المحامية وحيدة عبد الرحمن أن بيع العقارات بالمزاد العلني بأسعار بخسة غالبًا ما تم بتواطؤ، مشيرة إلى أن القرارات الصادرة عن محاكم الإرهاب أصبحت ملغاة بعد التحرير.

مع انشقاق عدد من ضباط الجيش عن النظام المخلوع، لم تتوقف تبعات القرار عند حدود الملاحقة الأمنية أو فقدان الوظيفة والدخل، بل امتدت لتطول جوهر الحقوق المدنية وفي مقدمتها حق الملكية.

ففي السنوات الماضية تنوعت أشكال فقدان المنازل العائدة للمنشقين، بين الحرق والاستملاك القسري، أو نقل الملكية إلى أطراف أخرى عبر "الاغتصاب العقاري" أو الاحتيال والتزوير، ضمن سياق اتسم بغياب أي ضمانات حقيقية للحماية القانونية.

إلى جانب هذه الصور تبرز اليوم حالة أكثر تعقيدًا وأشد التباسًا تتخذ مظهرًا قانونيًا ظاهريًا، لكن في مضمونها ليست كما تبدو إذ إن عددًا من الضباط كانوا قد اشتروا منازل وعقارات قبل الانشقاق بموجب عقود نظامية وبتمويل مصرفي، والتزموا بسداد الأقساط إلى أن أدى انقطاع الرواتب بعد الانشقاق إلى تعثّر جزئي في السداد.

هذا التعثر لم يعالج كمسألة مصرفية قابلة للتسوية، إنما تحول إلى مدخل لإجراءات مصادرة وبيع بالمزاد العلني، أُنجزت في بيئة مختلة استخدمت فيها أدوات القانون خارج غاياتها الأصلية، هذه الوقائع تسلط الضوء على نمط جديد من نزع الملكية، لا يقوم على العنف المباشر، بل على توظيف القواعد القانونية نفسها لإضفاء شرعية شكلية على نتائج تحمل في جوهرها طابعًا عقابيًا وتمييزيًا.

ما يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية واضحة حول مسؤولية الأطراف المستفيدة، وحول مدى مشروعية هذه التصرفات، في ظل علم أطراف الشراء بظروف فقدان الملكية، وما إذا كان ما جرى يندرج ضمن سوء النية والكسب غير المشروع، في سياق يشهد اختلالًا في ميزان العدالة.

المنشقون في مواجهة إرث عقابي

في شهادة تكشف آليات الاستحواذ على أملاك المنشقين تحت غطاء قانوني، يروي أحد الضباط تفاصيل فقدان منزله بعد سنوات من الانشقاق والملاحقة. ويوضح عدنان صطيف عميد منشق عن النظام المخلوع، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أنه في عام 2005 اشترى شقة سكنية في مدينة حرستا بقيمة تقارب 950 ألف ليرة سورية، ودفع مبلغ 600 ألف ليرة نقدًا من مدخراته الخاصة، في حين مول باقي الثمن عبر قرض من المصرف العقاري بقيمة 350 ألف ليرة سورية، جرى على إثره نقل ملكية العقار إلى اسمه أصولًا بعد تسديد كامل الثمن للبائع.

وأشار صطيف إلى أن المصرف العقاري كان يقتطع القسط الشهري بشكل منتظم ومباشر من راتبه، وفق الاتفاق المبرم بين الطرفين، من دون الحاجة لأي مراجعة منه، إلا أن هذا الانتظام توقف مع انطلاق الثورة السورية، إذ أعلن انشقاقه والتحق بثوار القصير، ما أدى في نهاية عام 2012 إلى قطع راتبه من قبل النظام المخلوع، وبالتالي تعذر استمرار اقتطاع الأقساط من قبل المصرف.

لافتًا إلى أن ظروف الملاحقة الأمنية التي طالته وعائلته، حالت دون تمكنه من تسديد الأقساط المتبقية أو توكيل محامٍ أو إرسال من ينوب عنه، رغم أن المبلغ المتبقي كان بسيطًا نسبيًا.

"ما تعذّر في عهد النظام البائد اكتمل بعد التحرير"

وفي عام 2022، فوجئ ببيع منزله فيما سُمّي "مزادًا علنيًا"، لم يُبنَ على القيمة الحقيقية للعقار، بل اقتصر على المبلغ المتبقي بذمته للمصرف، والمقدّر بنحو 200 ألف ليرة سورية فقط.

وبحسب صطيف جرى شراء الشقة في هذا المزاد من قبل محامٍ يُدعى "ث. ة"، وبالتواطؤ مع محامي المصرف العقاري "م . ب"، حيث دفع المشتري مبلغًا قدره 12 مليون ليرة سورية فقط، أي ما يعادل نحو 1200 دولار، مقابل الاستحواذ على شقة كاملة.
وأضاف أنه بعد التحرير علم بأن المشتري كان قد استكمل تسديد المبلغ المتبقي للمصرف، لكنه لم يتمكن من نقل الملكية إلى اسمه لسنوات، وبقي العقار مسجّلًا باسمه، وهو ما تأكد منه عبر قيد عقاري استخرجه في نهاية الشهر السابع، أظهر أن الملكية ما تزال تعود له.

لكنه فوجئ قبل نحو شهرين فقط، بنقل ملكية الشقة الشخص لنفسه في خطوة اعتبرها "مثيرة للريبة"، ولا سيما أنه عجز عن القيام بذلك طوال ثلاث سنوات قبل التحرير، وختم بالقول " أطالب باستعادة حقي وتحقيق العدالة"، موضحًا أن الشخص ذاته استحوذ على عدد من عقارات المنشقين بالطريقة نفسها، وبالتواطؤ مع أحد موظفي المصرف العقاري في دمشق.

في هذا السياق أعدت مجموعة من منظمات حقوقية سورية ودولية تقريرا حول استخدام التشريعات والإجراءات القانونية، خلال سنوات الحرب للانتقاص من حقوق السكن والأرض والملكية لا كأداة لحماية المواطنين، بل كآلية لتجريد مجموعات ينظر إليها كتهديد للسلطة من ممتلكاتهم.

كما يشير إلى أن النظام المخلوع منذ 2011 وضع إطارًا قانونيًا واسعًا يسمح بمصادرة ممتلكات معارضين سياسيين أو متهمين بـ“الإرهاب” أو نزع ملكية اللاجئين والنازحين بشكل يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية في المجتمعات ويفتح الباب أمام الاستيلاء على العقارات وإعادة توزيعها لصالح موالين للنظام البائد أو مستفيدين سياسيًا واقتصاديًا.

مستند منزل

المنشقون في مواجهة إرث قانوني عقابي

في شهادات تكشف معاناة ضباط منشقين من فقدان الملكية خلال سنوات الصراع، يروي العميد عمار الواوي تفاصيل مصادرة منزله بعد انشقاقه، موضحًا لموقع تلفزيون سوريا أنه قام بشراء عقار بمساحة 65 مترًا مربعًا عبر المصرف العقاري، حيث وضع وديعة بقيمة نصف ثمن العقار، أي 500 ألف ليرة سورية لمدة ستة أشهر، ثم تسلم ثمن العقار بالكامل وقدره مليون ليرة سورية، وتم توقيعه على أوراق بقيمة مليون ونصف لعدة سنوات.

لاحقًا حصل على الطابو الأخضر وبدأ بدفع الأقساط الشهرية حتى تاريخ انشقاقه، مشيرًا إلى أنه بعد الانشقاق ترك المنزل كما هو، محتفظًا فقط بالطابو الأخضر، بينما تعرض المنزل خلال فترة الانشقاق للنهب من قبل عناصر النظام البائد.

ومع توقف راتبه بعد الانشقاق بدأ المصرف العقاري بسحب الأقساط من كفلاء العقار من زملائه الضباط، إلا أن بعضهم انشق أيضًا، ما زاد من تعقيد الوضع المالي والقانوني، وأضاف أن النظام أصدر عدة أحكام بحقّه، منها حكم بالإعدام وحجز كافة أمواله المنقولة وغير المنقولة، وكان العقار وحده ملكه في البلاد.

وفي عام 2022، تفاجأ الواوي بأن المصرف قام ببيع عقاره عبر مزاد علني شكلي دون علمه أو موافقته، وبعد التحرير توجه للتحقق من العقار فوجد المنزل مغلقًا وبابًا خشبيًا، وتأكد من الجيران أنه قد تم بيعه رسميًا من الدولة، وعند مراجعته للمصرف العقاري، أفاد بأنه تم تنفيذ قرارات النظام السابقة ببيع جميع بيوت “الإرهابيين” في المزادات العلنية.

وأشار الواوي إلى أنه رفع شكوى قانونية للمحكمة ويتابع الجلسات، مؤكدًا أنه لا يملك أي عقار آخر في سوريا، ولا يزال يعاني من الروتين القانوني والإجراءات التي تركها النظام البائد لتمكين السرقات والفساد، وختم بالقول إنه لن يتنازل عن حقه وحق أولاده في المنزل الوحيد الذي يمتلكه في وطنه.

مستند عمار الواوي

قراءة قانونية في مصادرة أملاك المنشقين

في ظل الانتهاكات التي طالت ممتلكات المنشقين، أوضحت المحامية وحيدة عبد الرحمن الفرق بين الإجراءات الشكلية وسوء النية في بيع العقارات، وأكدت أن انقطاع الراتب بسبب الانشقاق يُعد ظرفًا قاهرًا، مشيرة إلى أن المصارف تأخذ هذا في الحسبان عند منح القروض لذلك تطلب وجود كفيل أو راتب ثاني، وأن التخلف عن السداد في عهد النظام البائد كان يُنظر إليه غالبًا كمسألة إجرائية، إلا أن العقوبات غالبًا اتخذت انتقاميًا تجاه المنشقين.
وأشارت إلى أن بيع العقار بالمزاد العلني يتم وفق إجراءات قانونية، ويُعد دين المصرف من الديون الممتازة، مع اعتماد القانون على تسهيلات لتحصيل الديون، إلا أن تركيز المصارف كان على تحصيل الأموال بغض النظر عن الظروف.

كما لفتت إلى أن غياب التبليغ يُعد سببًا للبطلان، لكن المنشقين المصنفين "إرهابيين" لا يمكنهم الحضور أو توكيل محامٍ، إذ يُعد أي تواصل معهم جريمة وفق قانون مكافحة الإرهاب لعام 2012.

وأشارت إلى أن ثبوت التواطؤ بين المشتري والموظفين أو التنفيذ المصرفي يتيح الطعن في الإجراءات، وأن بيع أصول المنشقين بالمزاد بأسعار بخسة غالبًا تم بتواطؤ لتسهيل الاستحواذ، كما أكدت أن القرارات الصادرة عن محاكم الإرهاب والمحاكم الميدانية أصبحت بعد التحرير ملغاة وباطلة، وينبغي تطبيق البطلان بأثر رجعي، وأن بيع العقار بأسعار أقل من قيمته يُعد غبنًا قانونيًا.

وأضافت أن نقل الملكية بعد التحرير إلى طرف ثالث رغم علمه بحقوق أصحاب الملكية الأصليين يُعد سوء نية، حتى وإن كان المشتري يبدو حسن النية، وذلك بهدف تهريب العقار بعيدًا عن أصحاب الحقوق.

وحول المسار القضائي، أوضحت أن الدعوى يمكن أن تكون فسخ التسجيل وإعادة التسجيل، أو إيقاف التنفيذ، أو الطعن بالحكم المصرفي الأصلي، بحسب كل حالة، واختمت حديثها قائلة "إن هذه القضايا يجب أن تُصنّف ضمن انتهاكات الحق في الملكية الخاصة، وأن يتم إدراجها ضمن ملفات العدالة الانتقالية، إذ إن المعالجة القانونية وحدها قد لا تُعيد الحقوق لصاحبها بسبب استغلال الخصوم للثغرات القانونية.

النقض يرد الحقوق لملاك العقارات

في هذا السياق، أصدرت محكمة النقض – الغرفة المدنية الثانية العقارية (أ) بتاريخ 8/4/2025 برئاسة المستشار عمار العاني قرارًا بنقض حكم تثبيت بيع عقار صادر عن محكمة الاستئناف، بعد ثبوت استغلال المدعي للظروف الأمنية للاستيلاء على العقار وتثبيت البيع مستفيدًا من غياب المالك.

وبيّنت المحكمة أن مغادرة بعض السوريين كانت نتيجة لظروف أمنية قاهرة حالت دون عودتهم خوفًا من الاعتقال، مستندة إلى وجود منع تصرف لصالح المخابرات على صحيفة العقار، ما يؤكد أن الغياب كان قسريًا. وأكدت أن التبليغ بالصحف لا يسري على الغائب قسرًا بسبب ظروف أمنية، وأن وجود مانع قاهر يمنع الحضور يجعل الإجراء باطلًا لعدم تحقق غايته القانونية.

وبناءً على ذلك، قُبل الطعن موضوعًا وأُعيد النظر في تثبيت بيع العقار، مع تطبيق نظرية الظروف القاهرة لحماية حقوق المالكين المتغيبين قسرًا.

​​​​محكمة النقض

غياب رد وزارة العدل

في المحصلة، تكشف هذه القضايا أن الفصل فيها لا يتوقف على النصوص وحدها، بل على سلطة القضاء وقدرته على التمييز بين الإجراء الشكلي والغاية التي استُخدم من أجلها، ولا سيما في ظل واقع حوّل فيه النظام السابق القانون نفسه إلى أداة للاستغلال المشروع والانتقام المقنّع.

وفي هذا السياق، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع وزارة العدل للاستفسار عن موقفها من هذه الملفات وآليات التعامل معها، والحصول على توضيحات رسمية، إلا أن الوزارة لم ترد على أسئلتنا حتى لحظة إعداد هذا التقرير.