على طاولة أحد مقاهي ساحة الميسات في دمشق؛ تجلس لين جمران (35 عاماً) برفقة خمس سيدات يتبادلن الآراء والمخططات وأحدث الأبحاث العلمية التي تشرح كيفية التعامل مع الأطفال وجذب انتباههم ومحبتهم. يتبادلن قصصاً طريفة وقعت بينهنّ وبين الأطفال الذين يعملن على رعايتهم والاهتمام بهم ضمن نطاق عملهنّ، كما يعرضن على بعضهن ألعاباً جديدة اشترينها من أجل تسلية الأطفال وقضاء وقت ممتع معهم.
أنشأت جمران وصديقتها لين حمامي مشروع "غارديان أنجل" الذي يقدم خدمات مرافقة الأمهات في مختلف رحلاتهن وأعمالهن لتقديم الرعاية اللازمة لأطفالهن على مقربة من الأم وعلى مرأى منها، ورغم كون جمران خريجة لغة عربية وطالبة في العلوم السياسية، فإن الأمومة جعلتها تلجأ لدراسة الرضاعة الطبيعية والتفكير في خدمة الأمهات وتوفير الوقت الخاص لهنّ من خلال هذا المشروع.
فكرة من رحم المعاناة
تقول جمران لموقع تلفزيون سوريا: "بدأت فكرة المشروع منذ سنة تقريباً انطلاقاً من معاناتنا كأمهات، إذ كنت أجلس برفقة شريكتي لين حمامي في اجتماع يخص عملنا، إلا أن وجود أطفالنا بالقرب منا كان يشوّش أفكارنا ويعرقل عملنا، خطر ببالنا من باب الطرافة أن يكون لدى أطفالنا من يرافقهم أثناء انشغالنا، ومن هنا بدأنا بدراسة إمكانية تطبيق الفكرة وبدأنا حالاً بكتابة الخطة خلال شغب الأطفال ولعبهم حولنا، وفكّرنا في كيفية تقديم الراحة للأمهات من دون أن تضطر الأم لترك طفلها بعيداً عن ناظريها، ووجدنا أن الحل الأنسب هو قيام مرافقة بالاهتمام بشؤون الطفل أمام والدته حتى لا يُعكّر القلق راحتها".
بدأت لين حمامي ـ صيدلانية واختصاصية تغذية طفل ومصممة غرافيك ـ بتنفيذ أولى خطوات المشروع، إذ صممت إعلاناً ينص على طلب سيدات للعمل في مرافقة الأطفال ورعايتهم وفق شروط أهمها المعاملة مع الطفل بلطف وصبر.
تقول لين: "بدايةً واجهنا صعوبة في كسب ثقة السيدات لا سيما أن الفكرة حديثة وليس لدينا ما يمكن تقديمه للسيدات، أجرينا مقابلات المرافقات في مقهى بدمشق بحكم أننا لا نمتلك مكتباً أو مركزاً خاصاً بنا، ولم نختر المرافقات بشكل عشوائي، وإنما حرصنا على اختيار ذوات الخبرة والمهتمات بشأن الطفل".
واختارت الشريكتان لين جمران ولين حمامي مقاييس عالية لاختيار المرافقات، سواء من الناحية الأكاديمية أو ناحية الخبرات العملية، بحسب ما أفادتا لموقع تلفزيون سوريا.
إقبال مفاجئ
وتتابع جمران: "أنشأنا حساب المشروع وبدأنا بشرح أعمالنا وخدماتنا، وفوجئنا بإقبال الأمهات وحاجتهنّ الماسة لقليل من الوقت الخاص ليتمكنَّ من شحن طاقتهنّ والاستمتاع بالاهتمام بأنفسهنّ وبصحتهنّ، استقبلنا طلبات حجوزات للمرافقات من أمهات تريد الحصول على وقتها في الأعراس والحفلات والنوادي الرياضية والمزارع والمسابح والدراسة وحتى مواعيد الأطباء والعناية الصحية، والسبب في ثقة الأهالي بعملنا هو اطمئنان الأم على طفلها بحكم وجوده أمامها، إلى جانب افتقار بعض العائلات إلى دفع تكاليف الرعاية لمربّية دائمة في البيت".
تقدم السيدات خدمة مرافقة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أيضاً، وهي خدمة لم يسبق تطبيقها في سوريا من قبل، بحسب لين جمران.
وانطلاقاً من اهتمامها بعالم الأطفال وحبها اللامحدود لهم؛ تخرج آلاء عيسى (28 عاماً) لمرافقة طفل جديد كل يوم بحماسة وشغف كبيرين لاكتشاف عالم جديد من البراءة على حد وصفها، تقول آلاء: "أحرص دائماً على ترك أثر إيجابي في حياة كل طفل أقابله، إيماناً مني بضرورة توفير بيئة صحية نفسياً وآمنة للطفل، لا سيما أطفالنا الذين عايشوا ظروفاً أمنية واقتصادية صعبة. عملي في مرافقة الأطفال خلق لي مساحة وفرصة للتعبير عن اهتمامي وعواطفي تجاه الأطفال".
وعن أحد المواقف التي تركت أثراً كبيراً في قلب آلاء تقول: "رافقت طفلاً قادماً من ألمانيا وكان نوعاً ما، غير اجتماعي، ولم ينخرط في اللعب معي كباقي الأطفال، إلا أنني في المرة الثانية من مرافقته استطعت كسر حاجز الخوف الذي يحاوطه واستطعت كسب ثقته وحبه".
أما المرافقة سلام العينية (21 عاماً وطالبة رياض أطفال سنة ثالثة) فإنها ترى أن عملها في مرافقة الأطفال يقدم لها الخبرة التي تخدم مجال دراستها إلى جانب حبها للأطفال.
وعن المواقف الطريفة التي تواجهها المرافقات، تقول سلام: "معظم الأطفال الذين نقابلهم يقومون بأفعال وحركات طريفة ومرحة، لا سيما الصغار منهم، أذكر أحد الأطفال كان لا يتجاوز عمره سنتين في أحد المرات التي رافقته فيها توقف لبرهة ثم علا صوته بالغناء (ياا حبيبي حبك…) لم ينتبه لوجودي ربما".
وعن طريقة إيجاد المرافقات وحجز موعد معهنّ تقول لين جمران: "عبر الرقم المنشور على صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي نستقبل طلبات الحجوزات، كما نعرض للأم نبذة عن عمر ومؤهلات كل مرافقة لتتمكن الأم من اختيار المرافقة التي تريد لطفلها، أما الأسعار فتختلف باختلاف الطفل (سليم/ من ذوي احتياجات خاصة)، كما تختلف باختلاف عدد الساعات، فمثلاً أجور مرافقة الطفل السليم لساعة واحدة هي (40 ألف ليرة سورية) أي أقل من أربعة دولارات، بينما مرافقة الطفل المميز (من ذوي الاحتياجات الخاصة) فهي (60 ألف ليرة)، تحصل المُرافقة على تُلُثي المبلغ الذي يدفعه العميل في حين أن الثلث المتبقي يذهب لشركة المشروع.
الذي يميز المشروع كما أشارت، نوران ـ أم الطفل جاد وإحدى المستفيدات من مشروع غارديان أنجل ـ هو التزام المرافقات بتسلية الطفل دون تعريضه للشاشات أو الهواتف المحمولة، وأضافت: "باستطاعتي اليوم أن أحافظ على حياتي الاجتماعية دون قلق وخوف من التقصير مع طفلي".
وأكدت على ذلك وفاء ـ أم الطفل يوسف ـ التي ترى في هذه الخدمة فرصة للأمهات للمشاركة في الأنشطة الاجتماعية وتجنب الانعزال الكلّي عن المجتمع.
المشروع حاجة
وعن الانتقادات التي طالت هذه المشاريع بسبب الفروقات الطبقية التي تجعل امرأة تعمل لراحة امرأة أخرى، تقول آلاء عيسى: "من الطبيعي أن ينشغل أفراد الأسر الثرية وأصحاب البزنس بالعمل والاجتماعات والسفر ربما، ما يجعلهم بحاجة لمثل هذا المشروع لتأمين احتياجات أطفالهم، في حين أنّ أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط غالباً لديهم الوقت والقدرة على الاهتمام بأسرهم وأطفالهم".
تعمل آلاء في صالة ألعاب الأطفال في أحد مولات دمشق إلى جانب عملها في مرافقة الأطفال، لتتمكن من تأمين دخل إضافي بسيط يؤمّن لها الاحتياجات الضرورية والأساسية فقط.
حتى اللحظة فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه السيدات هو صعوبة الحصول على ترخيص للمشروع بسبب عدم توفر القدرة المادية اللازمة لذلك، في ظل سعيهنّ لافتتاح فروع أخرى للمشروع في كل المحافظات السورية، إلا أن العوائق المادية تحول بينهن وبين طموحهن في تطوير المشروع.