عمل النظام المخلوع خلال السنوات الأخيرة من حكمه على التلاعب بالقيود الشخصية من خلال إضافة أو حذف بعضها أو إجراء تعديلات بما يتناسب مع مخططاته في سلب السوريين هوياتهم وحرمانهم من حقوقهم، ما دفع بعض المواطنين إلى اللجوء إلى طرق "من تحت الطاولة" لاستخراج أوراق ثبوتية عبر وكالات مزورة أو بدفع رشاوى بمبالغ كبيرة.
وفي الوقت نفسه، كانت منظومة الفساد داخل مراكز الأحوال المدنية تزداد تعقيداً واتساعاً، ما جعلها وسيلة لتعويض النقص في مرتبات الموظفين وتمويل جيوب الضباط والمتنفذين.
وافتتح وزير الداخلية أنس خطاب صباح اليوم مركزاً جديداً للأحوال المدنية في مجمع يلبغا بشارع الثورة وسط دمشق، مطلقاً الوعود بإنهاء حالات الفساد وإصلاح قواعد البيانات والتحول الرقمي. ويأتي ذلك ضمن جهود وزارة الداخلية لتسيير معاملات المواطنين وتسهيل حصولهم على الأوراق الشخصية كحق من حقوقهم.
تجهيزات حديثة وعمل منظم
يضم المركز عشرات المكاتب المخصصة لاستقبال طلبات المواطنين وإنجازها. وفي حديث لموقع تلفزيون سوريا، أوضح مدير الأحوال المدنية عبد الله عبد الله أن افتتاح هذا المركز الجديد جاء بديلاً عن المركز القديم المتهالك في شارع الثورة، حيث كان العمل فيه يسبب ازدحاماً ويزيد من أعباء المواطنين.
وقال عبد الله: "لم يكن المركز القديم مؤهلاً، فقررنا نقل العمل منه كخطوة لتطوير العمل الإداري وتسهيل خدمة المواطنين". وجهّز المركز الجديد بصالة انتظار وشاشة عرض لتنظيم الدور من خلال عرض أرقام معاملات المراجعين.
تخلصنا من سماسرة البدلات العسكرية
يُخدّم المركز المواطنين في استخراج أوراق ثبوتية مدنية مثل القيد الفردي والبيان العائلي وتسجيل واقعات الزواج والطلاق والولادة. ولا تستغرق عملية استخراج هذه الأوراق سوى دقائق معدودة بحسب الازدحام.
وأكد أحد المراجعين لموقع تلفزيون سوريا أن عملية استخراج القيد الفردي لم تستغرق أكثر من دقيقة ونصف، من دون الحاجة إلى سماسرة أو دفع رشاوى. وقال عبد الله خلف أحمد: "تخلصنا من الاستغلال وإجبارنا على التذلل ودفع المال للموظفين وعناصر الحراسة والمختار مقابل استخراج ورقة هي من أدنى حقوقنا".
وبحسب شهادات الأهالي في دمشق، كان المواطنون في السابق يضطرون إلى دفع المال لمرتدي البدلات العسكرية، ولا سيما من "كتائب البعث"، الذين تسلموا في السنوات الأخيرة مهام الموظفين ومنظمي الدور وعناصر الحراسة، ما أتاح لهم فرض مبالغ مالية مقابل الحصول على ورقة شخصية أو تسجيل واقعة أو حتى إدخال المواطن إلى مراكز الشؤون المدنية وفروع "النافذة الواحدة".
وأضاف عبد الله: "مرت علينا سنوات كنا ندفع فيها المال لثلاثة أو أربعة أشخاص قبل تحصيل ورقة واحدة".
وفي تحقيق سابق لموقع تلفزيون سوريا، كُشف عن شبكات من السماسرة عملوا في الظل لاستخراج وكالات مزورة بصلة قرابة مزعومة، بتسهيل من موظفين وضباط في وزارة الداخلية، ما أتاح لاحقاً تمرير معاملات مثل استخراج البيان العائلي أو جواز السفر أو تثبيت الولادات.
برنامج جديد آمن وسهل الاستخدام
أوضح يوسف غانم، رئيس السجل المدني في دمشق، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أنهم بدأوا العمل في دوائر الأحوال المدنية ببرنامج حديث يسمى "الشؤون المدنية الجديد"، وهو برنامج جرى تطويره سابقاً في إدلب وسيتم تعميم تجربته على بقية المحافظات السورية.
وقال: "البرنامج القديم كان مخترقاً ويحتاج إلى تحديثات، أما البرنامج الحالي فسيسهل عملية إدخال البيانات واستخراج الأوراق وطباعتها، مما يوفر الوقت والجهد".
وأكد الموظف صفوان حمود أن البرنامج الجديد سهّل عملية البحث عن بيانات المواطنين والوصول إليها مع تقليل الوقت المستغرق لإنجاز المعاملات. وأضاف أن العمل جارٍ حالياً على توحيد قاعدة بيانات مشتركة للسوريين في مختلف المحافظات.
وقال صفوان لموقع تلفزيون سوريا: "كانت لدينا مشكلات في تنفيذ العمليات وفي إعادة تحميل البيانات كل مرة وعدم القدرة على تحديث البيانات بسهولة، أما الآن فنحتاج دقائق معدودة لتخديم المواطنين".
هوية بصرية موحدة و"تنقية السجلات المدنية"
وفي تصريحات صحفية نقلها موقع تلفزيون سوريا، أشار الوزير أنس خطاب إلى أن العمل مستمر على توحيد الهوية البصرية للشؤون المدنية، ولا سيما مع وجود أربع هويات موزعة في شمال شرقي سوريا، وشمالي حلب، وإدلب، وفي مناطق سيطرة النظام سابقاً.
ومن المقرر الانتهاء من العمل على هذه الهوية في نيسان 2026.
أما عن الفساد الذي كان سائداً في مناطق سيطرة النظام المخلوع، فقد فنّد الوزير أسبابه بضعف مرتبات الموظفين والاعتماد على المعاملات الورقية، مؤكداً أن الحل يكمن في الانتقال إلى "التحول الرقمي".
وأشار المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن العمل لا يزال مستمراً على تحديث قواعد البيانات مع تنفيذ عملية وصفها بـ"تنقية السجلات المدنية" من البيانات الوهمية والكاذبة التي كان النظام يضيفها للتلاعب بالسجلات والنفوس.
وقال البابا: "نسعى جاهدين إلى تحول رقمي كامل لتوديع السجلات الورقية مع الحفاظ على بيانات حقيقية وموثوقة، ما سيسهل علينا خدمة المواطنين".
كما أوضح الوزير أن العمل جارٍ على افتتاح مراكز جديدة للأحوال المدنية في بقية المحافظات، مشيراً إلى أن الشكل الحالي لهذه المراكز هو مرحلة انتقالية سيتم تطويرها لاحقاً.

