كثيرة تلك النظريات المطبقة في علوم الاجتماع البشري التي تم اشتقاقها من نظريات علمية محققة بالتجربة ومن ثم العمل على تعزيز معطياتها بالنوع البشري كحالة وكتل عمومية؛ ليبقى الاستثناء للحالات الخاصة لا خيار أمامها إلا الانجراف مع المجموع العام أو الغربة وهذا تكرار تاريخي!
فعلى سبيل المثال، التحليل السياسي وفق سوات (SWOT) واللامركزية الإدارية بنيت بالأساس كنظريات تُطبق في الشركات الاقتصادية وأثبتت نجاحها في النمو والربح وتحولت للتطبيق في السياسة وإدارة شؤون الدول. ومثلها مدارس التعليم التي طبقت نظرية بافلوف في الإشراط والاستجابة، أو الجشتالط وجذرها تحرير الطاقة الداخلية المستسقاة من النسبية، النظرية المذهلة علمياً وطاقياً، وباتت تطبق تعليمياً لتحرير إمكانات الأطفال ومواهبهم الكامنة! وجميعها تتطلب مقاربات معرفية تحتاج لمراكز دراسات ومنصات تعليمية متقدمة، وتتبناها الدول في مسار بناءها ونطورها وهذه مباحث أخرى. وإذ تبدو هذه المقدمة محظ تنظير ما لم يُحدد القصد منها! ففي هذا السياق هل يمكن قراءة المشهد السوري الحالي وفق مقاربة علمية أيضاً؟ ماذا عن الفوضى والاضطراب والممكن مقاربتها بالأنتروبية ومنحى الاستقرار الممكن، وكيف سنستقر بالمآل الأخير؟ وربما هذه الفكرة ليست مبتكرة فقد تم تناولها في السياسات الدولية بعناوين عدة كان أبرزها مفهوم "الفوضى الخلاقة" الذي أطلقته إعلامياً وزيرة خارجية أميركا كوندوليزا رايس عام 2005 للتحكم في الشرق الأوسط جيويسياسياً. ورغم أن المصطلح كان مجرد إعلان سياسي وقلما تجد أبحاث وكتابات أكاديمية توثقه! وليس هذا غرض الكتابة، لكن الشرق الأوسط يعج بالفوضى ولا أحد يستطيع أن يحكم للآن أنها خلاقة وبناءة أم هدامة، لكن يقيناً نستطيع القول إن الشرق الأوسط برمته ليس بخير وتكتنفه شتى أنواع الفوضى السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والعنفية!
كلي أمل أن يستجيب المعنيون في السويداء ووزارة التربية السورية لصوت العقل ولغة الأرقام والمصلحة العامة وحل هذا الإشكال من جذره..
في سوريا، حدث ولا حرج: فواتير كهرباء عالية تفوق مستويات الدخل العام، وفئات تردد: نعمة وفضل فالمهم خلصنا من نظام الإبادة. وفئات أخرى تقول وماذا عن الانتهاكات في العهد الجديد وكهربائه؟ وموسم الحصاد؟ والمزارعون يصرخون عن تسعيرة الحكومة التي لا تكاد تُرجع ما دفعوه، وأهالي الدير يحتجون ويصرخون وآخرون يشتمون... توصيفات واتهامات متبادلة عشائرية ومناطقية ومدنية وطائفية، والكل يقف للكل على الكلمة! ومحاكمات لبعض رموز النظام السابق تثير موجات من الفوضى: فعاطف نجيب وفق ما عُرض يبدو بريئاً مما نُسب إليه بدايات الثورة! ومع أن المحاكمة لم تنتهِ بعد ولم يتم فصلها بالإثبات أو النفي المادي حتى بدأ كثيرون يرددون: هذا ما خلقته الدعوات الكاذبة والمظللة بداية الثورة والتي أسهمت في دمار سوريا، وكأن سوريا لم تدمر فعلياً! فحتى وإن كان نجيب بريئاً مما نُسب له (وهنا لست قاضياً لأحكم، فالشهود وأبناء درعا سيثبتون أو ينفون) لكن ألم نتعرض لممارسات أجهزة القمع الأمنية السورية؟ ألم تُجتاح المدن والبلدات وتُهجر غالبية المدن السورية الثائرة حتى العام 2018؟ ألم تعرض مشاهد وصور "قيصر" ومعتقلات النظام؟ فليس غريباً أن حمّى الإنكار والتكذيب تأخذ مداها لهذه الدرجة. فهذه الفوضى جزء رئيس من المشهد السوري اليوم! فلا تستغرب أن تشاهد لقطات للتعدي على شرطة المرور مثلاً أو على الأملاك العامة! وليس غريباً أن يتعرض طلاب السويداء البالغ عددهم ما يقارب ال 14000 طالب في الشهادتين الإعدادية والثانوية لحمّى الفوضى ذاتها! فتصدر التربية السورية قراراً بنقل امتحاناتهم لدمشق وريفها بدعوى أن السويداء غير آمنة. والسويداء والقائمون على شؤونها مرة يصرحون أنهم بصدد بناء دولة مستقلة! ومرة يطالبون بحقهم بالتعليم وتسيير مؤسسات الدولة داخلها! (ويمكن تحليل كل ظاهرة بذاتها والتي تتطلب مقالات ومقالات ولكنها تتم بشكل يومي وفوضوي أيضاً). فإن كان حق الطالب بالتعليم تكفله جميع الشرائع الدولية وعلى الدولة تسيير وتحقيق هذا الغرض، يصبح موضوع طلاب السويداء دليل فوضى عارمة. فالمشكلة تكمن فيمن سيحمي اللجنة الوزارية داخل السويداء؟ هنا تبدأ الفرضيات غير المنتهية، وتبدأ الاجتهادات معها المتعددة وتظهر العديد من الفيديوهات التي تهدد اللجنة الوزارية ومنع دخولها! لكن ماذا لو تساءلنا: كم عدد الباصات التي ستنقل هؤلاء الطلاب، والوقت الذي سيستغرقونه للوصول إلى دمشق في يوم الامتحان، وكيف سيوزعون على مراكز امتحانية متعددة بعدها؟ وكيف لطفل في الصف التاسع أن يتحرك في دمشق؟ كيف وكيف ولا مجيب سوى الفوضى واحتدام حرارة الوضع الداخلي العام. وهنا أظن وكلي أمل أن يستجيب المعنيون في السويداء ووزارة التربية السورية لصوت العقل ولغة الأرقام والمصلحة العامة وحل هذا الإشكال من جذره، أما الطلاب فلا أعلم ما هي الطريقة التي سيمتحنون بها بظل هذه الحمّى من الاضطرابات النفسية للعام الثاني على التوالي!
شواهد متكررة في كل المجالات الاقتصادية والخدمية والأمنية والقضائية والتعليمية والسياسية لا تشير سوى للفوضى، فهل هي مرحلة طبيعية في كل حياة الشعوب كما عبر عنها "توماس هوبز" قبل قرون؟ فقد حدد معياراً لاستجابة البشر ككتلة عامة للانتظام والقانون أسماه بالفوضى الطبيعية، "حرب الكل ضد الكل"، واضعاً الأساس المعرفي لتجاوزها والوصول لعقد اجتماعي عام حيث يؤثر الوصول له بالوعي المصلحي العام بعد الفوضى الطبيعية الناتجة عن حرب الكل ضد الكل، وعلى حد تعبيره أن ((الناس كلما أدركوا، عن وعي، النتائج السيئة المترتبة على حالة الفوضى والاضطراب، تمسكوا بالقانون، وتمسكوا بالنظام))! لكنها لدينا حرب الاجتهادات المتباينة، التطاحن والتجاذب والتنابذ، ادعاء امتلاك الحقائق الكلية ذات اليمين ويقابلها الآخر ذات اليسار، حرب الكلمات والاتهامات، التعالي والتفاخر والتفاجر، ولا أستثني أحداً! إذ يحرق قلبي وتكويه النيران حال الطلاب، وحال من لا يكفيه راتبه لدفع فاتورة الكهرباء، ومن ذاق ويلات الحرمان والتهجير ولا ينصفه القانون لليوم... أهكذا فعلاً تتم الأشياء يا هوبز؟ وهل تتوقع أن سكان هذه الديار سيتمسكون بالقانون والعودة لجادة الصواب، وبالأصح الاستقرار، بعد هذه الفوضى العارمة؟
تحقيق المصالح الاقتصادية العمومية بوابة واسعة له، إذ إنه سيعمل على تهدئة الأنفس المرهقة وضنك سنوات القحط السابقة، وليس فقط بل إرضاء النفوس المقهورة بالمحاسبة وتحقيق العدالة من دون استثناءات، بوابة مجاورة.
المرحلة السورية اليوم وقد امتلأت بالتحليل غير المنتهي، وكل سوري يجتهد حسب مزاجه، تتجاوز، جماعة وفرادى، كل العلوم والسيكولوجيا ونظرياتها... فنحن جوعى للتعبير والقول وكل يسرج قوله على قدر خيله، لتشتد الفوضى من دون مؤشر واضح لحدود استقرارها. فلو عدنا لنظرية الأنتروبية الفيزيائية حيث أن ازدياد الفوضى العشوائية يؤدي لانخفاض مستوى الطاقة الكلي لتصل المفردات والجسميات للهدوء والاستقرار، فما هو معيار هذا الهدوء والاستقرار؟ وأعتقد أن تحقيق المصالح الاقتصادية العمومية بوابة واسعة له، إذ إنه سيعمل على تهدئة الانفس المرهقة وضنك سنوات القحط السابقة، وليس فقط بل إرضاء النفوس المقهورة بالمحاسبة وتحقيق العدالة من دون استثناءات، بوابة مجاورة. وإلا ومن دون هاذين الحدين: الاقتصاد والعدالة ستبقى الفوضى حاكمة وتتزايد في عشواءها ما لم يرتسم خط استقرارها. وليس فقط، فمن سيبقى في ظلها عليه أن يختار أن يعيش في كنفها ويسهم في إذكائها وهذا ما يجري لليوم، أو أن يختار غربته كما فعل "الدكتور مانيت" في رواية قصة مدينتين، مكتفياً بتكرار مهنة الحذّاء بين الحين والآخر حتى وبعد خروجه من سجن الباستيل، لا حباً بالمهنة، بل لتغطي على أصوات الضوضاء واستعار حمّى الأفعال لا الأقوال ذات الشمال وذات اليمين دون رادع أو فسحة للاستقرار! ولعمري أن القادم قد يكون أشد وطأة ما لم تتضح خطوط العدالة اقتصادياً وقانونياً.
موجات العشوائية الفوضوية والصراع الانتقالية
التوسع الإسرائيلي وتكرار هزيمة العقل العربي
كيف سنفسّر ونعالج جرائم كهذه؟ أسرة رانيا العباسي مثالاً
مشاهدات ونظريات.. حمّى الفوضى السورية
العدالة وهشاشتنا النفسية