"مسيرات العودة" في غزة.. هل أربكت الاحتلال الإسرائيلي حقا؟

تاريخ النشر: 06.10.2018 | 16:10 دمشق

آخر تحديث: 08.10.2018 | 06:55 دمشق

غزة- بثينة اشتيوي- تلفزيون سوريا

لم تشفع رصاصة القناص الإسرائيلي لعمر الطفل الفلسطيني " ناصر مصبح"، بعد أن أصابته في منتصف رأسه، وقتلت حلمه بأن يصبح طبيبا يداوي الجرحى، فشغفه للطب بدأ يتعاظم حينما مارس دور المساند لشقيقتيه الممرضتين والمسعفتين داخل "خيمات العودة" الخاصة بعمل الإسعافات الأولية للمصابين، والتي بدأت فعالياتها في الثلاثين من آذار الماضي حتى الآن، مطالبة بتنفيذ قرار الأمم المتحدة "194" الخاص بعودة اللاجئين، ورفع الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ 12 عاما.

العشرات من الضحايا، والمئات من الجرحى هم في عمر" ناصر"، يتعمد الجنود الإسرائيليون في قتلهم مباشرة رغم مطالبتهم بأبسط حقوقهم، وسلمية حشدهم الخالية من أي سلاح من شأنه إعطاء الجندي مبررا للقتل المتعمد، ما شكل حالة من الذهول والصدمة داخل الأوساط السياسية الفلسطينية وسكان القطاع، لتسفر الجمعة السابعة والعشرين الماضية، " انتفاضة الأقصى"، مقتل سبعة وإصابة المئات من المتظاهرين، في ظل شح المستلزمات الطبية، ونفاذ كميات الوقود اللازمة لنقل الجرحى بالإسعافات.

 

وارتوت الأرض!

على بعد أمتار قليلة من السياج الحدودي بين قطاع غزة و" إسرائيل" ينصب الفلسطينيون خيمات " العودة"، خيمات أطلقوا عليها اسم البلدات والمناطق التي هجروا منها عام 1948، مثل " يافا، حيفا، المجدل، الرملة"، وغيرها، في محاولة لاسترجاع الماضي المسلوب من أرضهم، حيث تقام العديد من حفلات التراث والأهازيج الفلسطينية داخل الخيم، وتذكير الأجيال الوافدة بأحقية الفلسطيني في أرضه، وعدم التفريط فيها، تزامن هذا الإحياء مع ذكرى يوم الأرض الذي يصادف الثلاثين من آذار/ مارس من كل عام.

يومها زحف عشرات آلاف الفلسطينيين أطفالا ونساء ورجالا من قطاع غزة والضفة والقدس المحتلتين وأراضي الـ48 ومخيمات الشتات واللجوء حاملين لافتات تحمل صور مدن فلسطين التي هجروا منها، وتنديدا بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والمضي قدما في تنفيذ "صفقة القرن"، التي من وجهة نظر الفلسطيني اليوم تعني تصفية القضية الفلسطينية على الطريقة الإسرائيلية، بالتزامن مع انشغال الشارع العربي بهمومه الداخلية.

 

حتى يوم الجمعة الماضية والتي لن تكون الأخيرة في " مسيرات العودة الكبرى"، وفقا لاستمرار حراكها وصل عدد الضحايا منذ بداية المسيرات وفقا لـ وزارة الصحة بغزة، إلى "193" قتيلاً بين مواطن عادي، ومسعف، وصحفي، منهم 34 طفلا و3 سيدات، إلى جانب إصابة 21150 بجراح مختلفة و اختناق بالغازات السامة، ومن بين المصابين 4200 طفل 1950 سيدة ، فيما الإصابات الخطيرة وصلت إلى "464" إصابة.

تأتي المسيرات في ظل عجز فلسطيني داخلي منذ سنوات، لا سيما فشل التوصل إلى اتفاق مصالحة بين "فتح" و"حماس"، كانت من المفترض أن تتم خلال الأشهر الماضية بوساطة مصرية، علها تطوي سنوات عجاف من الانقسام، عانى فيها المواطن مرارة التشتت الداخلي، وضبابية الرؤية لما ستؤول إليه الأوضاع في القطاع، قطاع بات اليوم يعاني العديد من الأزمات الإنسانية والصحية والاقتصادية، وارتفاع في معدلات البطالة، في ظل تحذيرات أممية مستمرة من احتمال انهيار القطاع خلال فترة قريبة.
 

ردود مؤقتة

مع انطلاق قوافل المسيرات بدأت ردود الفعل المحلية والعربية وحتى الدولية تتوالى، منها ما يؤكد حق الفلسطيني في العودة إلى أرضه، وأخرى ترى أنها محاولة لتصدير حركة "حماس" أزمات غزة كونها تديره صوب الحدود مع "إسرائيل"، وهو ما تحاول الصحافة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية في رام الله، إلى جانب الإدارة الأمريكية حتى اللحظة التعاطي مع الرؤية الثانية، وسط تغافل متعمد لوحشية الاحتلال بقتل الأطفال، واستمرار حالة الخناق والتضييق على السكان.

الشاهد في "مسيرات العودة" اليوم هو غياب الضفة الغربية المحتلة عن المشهد تماما، وحصر القطاع بها، حيث أكد النائب في المجلس التشريعي عن "حماس"، " نايف الرجوب" خلال بيان، "أن أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله نفذت جملة من الاعتقالات السياسية في محاولة استباقية منها لمنع انتقال المسيرات إلى الضفة"، وهو ما يعني أنها ستضع السلطة في مأزق جديد مع الاحتلال، فالتنسيق الأمني يعد أسمى مراتب الاتفاق بينهما بعيدا عن أي مظاهرات ضد الاحتلال وسياساته.
 

تغيير البوصلة

ولأن تصريحات أيضا من مستويات متعددة بعضها مرتبط بالسلطة وآخر مرتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية تحمل في مجملها تهديدا ووعيدا لـ"حماس"؛ وتحميلها  فشل إتمام المصالحة، وعدم تسليم غزة بالكامل كما تطالب السلطة منذ عام ويزيد بذلك، حاول "موقع تلفزيون سوريا" قراءة البعد السياسي للمشهد الفلسطيني الحالي عبر الحديث مع الكاتب والمحلل السياسي، " هاني البسوس"، والذي رأى أن المسيرات تسير بشكل تصعيدي، ولم تتوقف كما توقعت قوات الاحتلال، حيث أربكتها على المستويين العربي والدولي، وقد تحمل في المرحلة المقبلة تصعيدا متزايدا عما نراه اليوم.

ولفت " البسوس" في حواره إلى تخوفات إسرائيلية من وصول الزحف الفلسطيني إلى حد الاشتباك والالتحام مع حرس الحدود الإسرائيلي، وهو ما يعني زيادة الضغط الشعبي بعد استعمال الاحتلال القوة المفرطة لتفريق المتظاهرين.

 

وسائل بدائية

التخوفات الإسرائيلية جاءت بعد محاولة الشباب الفلسطيني الثائر على الحدود استخدام أدوات بدائية في مواجهة الجنود المتمركزين على الحد الفاصل، والمتمثلة في " البالونات الحارقة"، و" الطائرات الورقية"، ووحدة" الإرباك الليلي"، التي من أبرز مهامها إحداث الضجيج عبر مكبرات الصوت ليلا للجنود وإلقاء الحجارة أيضا، إزعاج عبر عنه الكاتب الإسرائيلي " عاموس هرئيل"، قائلا:" يبدو أن الغزيين عثروا على نقطة ضعف لدى الجيش الإسرائيلي الذي تزداد لديه الصعوبة في مواجهة المظاهرات الجماهيرية في الليل، استخدام وسائل تفريق المظاهرات تكون أقل نجاعة، ظروف الرؤية تكون أقل جودة واحتمال إصابة الشخص غير الصحيح بواسطة نار القناصة يكون أكبر".

ونوه الكاتب" هرئيل" في مقال له بعنوان :" نقطة ضعف على حدود غزة"، إلى أن الحرائق التي حدثت في المستوطنات الإسرائيلية نتيجة البالونات الحارقة التي يطلقها الشباب من شأنها أن تجدد الضغط السياسي على نتنياهو كي يشدد خطواته ضد "حماس" أكثر، ويقود إلى جولة تبادل نيران أخرى"، وهو ما جرى بالفعل قبل شهر ونصف من الآن وانتهت بتدخل مصري تجنبا لنشوب حرب، ومحاولة الضغط على "حماس" وقف المسيرات، لكن الأخيرة ترفض ما لم توجد ضمانات أبرزها رفع الحصار عن القطاع.

بعد أيام قليلة من "مسيرات العودة"، هدد وزير الاحتلال الإسرائيلي" أفيغدور ليبرمان"، الفلسطينيين المتظاهرين، قائلا:" كل من يقترب من السياج يعرض حياته للخطر"، مضيفا:" أقترح على سكان غزة ألا يستثمروا جهدهم في التظاهر ضد إسرائيل، بل باستبدال القيادة داخل القطاع؛ نفس القيادة التي تستثمر 260 مليون دولار في بنى الإرهاب، الأنفاق وإنتاج الصواريخ بدلًا من التركيز على تطوير البنى التحتية للكهرباء والمياه والتعليم".
 

مكابرة إسرائيلية

وتعليقاً على التعاطي الإسرائيلي مع مسيرات العودة، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية من غزة، صالح النعامي لموقع تلفزيون سوريا"، " إن مسيرة العودة شكلت قلقا حقيقيا لسكان غلاف غزة بالدرجة التي من الممكن أن يكونوا في خطر في حال تم اقتحام الحدود من قبل المتظاهرين الفلسطينيين ولكن ما هو معلوم داخل إسرائيل أن ازدياد الحشد واستمرار المسيرات ما هو إلا نتيجة للوضع الاقتصادي السيء الذي تعيشه غزة".

من وجهة نظر الخبير في الشأن الإسرائيلي، فإن" إسرائيل" تسعى لإيقاف المسيرات وإن لم يتم الإعلان بشكل واضح، دون الدخول في مواجهة عسكرية كبرى قد تجلب ضرر إضعاف ما تجلبه المسيرات،  فهي تراهن على وساطة مصرية في تخفيف حدتها دون الحاجة لمزيد من الإجراءات الأمنية، لا سيما بعدما شكلت البالونات الحارقة هاجسا كبيرا جدا للأوساط السياسية والأمنية، بعد وصول تأثيرها لما يزيد عن 40 كيلو داخل الأراضي المحتلة واعتبرتها  اعتداء عسكريا وشرعت باستخدام القوة العسكرية ضد التجمعات.

 

إصرار وتحد

الهاجس الأمني الذي سببه الشباب المتظاهر مع الحدود مع "إسرائيل" كما وصفه " النعامي"، تعايش معه الصحفي العشريني" أنس الشريف"، خلال تغطيته المستمرة للمسيرات منذ انطلاق شرارتها قبل ستة أشهر، عبر نشر الاحتلال يوميا المزيد من الجنود مدججين بالسلاح على طول السياج الحدودي، وهو ما شكل الحماسة في صفوف الشباب والأطفال من الاقتراب أكثر صوب الأراضي المحتلة، وإطلاق الحجارة وبعض الأدوات البدائية، إلا أن آلة الحرب الإسرائيلية قابلتها بقذائف دبابات وغازات سامة، وإطلاق العشرات من رصاص الحي.

يحكي لـ" موقع تلفزيون سوريا"، المصور" الشريف" عن تجربته في تغطية المسيرات، قائلا:" بدأت بتجهيز نفسي لتغطية هذه المسيرة والحرص على التقاط أفضل الصور ومقاطع الفيديو، وإظهار ظلم الاحتلال على أبناء شعبنا، سواء في ساعات النهار أو الليل"، فهو كصحفي يحاول قدر المستطاع التركيز على صورة الحشد، كونها تغيظ الأعداء، وتظهر للعالم أنه لا يمكن التراجع عن حق العودة، مهما كلف الثمن، على حد قوله.

في إحدى التغطيات المكثفة للمسيرات أصيب الصحفي بقنبلة غاز ألقاها جندي إسرائيلي، وقتها أغمي عليه، وأخذ قسطا من الراحة لبضع أيام، ثم عاد مجددا إلى خيم المسيرات لمواصلة التغطية، رغم إمكاناته البسيطة، وعمله بشكل متطوع لإحدى الوسائل المحلية، مردفا:" لكن رغم ضيق الحال والمال والحصار المفروض علينا إلا أنني أعمل لأنقل رسالة شعب محاصر".

لا يمكن الجزم هنا على فشل المسيرات أو نجاحها حتى اللحظة بالنظر إلى عشرات القتلى وآلاف الجرحى، واستمرار الخناق على القطاع، وعليه، يمكن القول أن هذه المسيرات أحدثت ضجة داخل الأوساط السياسية والأمنية وحتى العسكرية داخل " إسرائيل"، بالضغط على السلطة الفلسطينية ومصر باعتبارها وسيطا لإجبار" حماس" وقفها، لكن الحركة لم تأخذ ضمانات مؤكدة حتى الآن، ما دفع حماس للاستمرار في الحشد اليومي صوب الحدود.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا
للمرة الأولى منذ أيلول.. لا إصابات بكورونا شمال غربي سوريا
"الصحة العالمية" تتوقع نهاية جائحة "كورونا" مطلع 2022