icon
التغطية الحية

مسيحيو إدلب وتحرير الشام.. محاولة للإصلاح أم ورقة ضد التصنيف؟

2021.02.26 | 05:11 دمشق

imageonline-co-logoadded_24.jpg
إدلب - فائز الدغيم
+A
حجم الخط
-A

عاد ملف المسيحيين في محافظة إدلب إلى الواجهة في الـ 24 من كانون الأول الماضي مع انتشار صور تظهر جانباً من احتفالاتهم بعيد الميلاد المجيد على وسائل التواصل الاجتماعي، الصور التي لاقت تفاعلاً كبيراً في أوساط السوريين وخاصة سكان إدلب الذين رحب معظمهم بما وصفوه بنيل المسيحيين لحرياتهم الدينية المغيبة منذ قرابة العقد في إدلب، إلا أن ناشطين وحقوقيين حذروا من استخدام هيئة تحرير الشام للمسيحيين بوصفهم ورقة في المساومات الدولية المتعلقة بالهيئة وتصنيفها على قوائم الإرهاب الأميركية، ومحاولة هيئة تحرير الشام الظهور بمظهر الحامي للأقليات الدينية وحرياتها بعدما سلبتهم إياها أعواماً كاملة.

 

 

عمل موقع تلفزيون سوريا على البحث في خبايا سياسة هيئة تحرير الشام مع المسيحيين في إدلب، وبحث في طريقة تعاطيها معهم، فزار القرى التي يقطنها من تبقى من المسيحيين في إدلب وهي قرى اليعقوبية والقنية والجديدة وجميعها تقع في ريف جسر الشغور غربي المحافظة، والتقى بعدد من سكان تلك القرى واستمع إلى شهاداتهم.

بقي 200 شخص فقط من أصل 10 آلاف

كان يقطن قرابة العشرة آلاف مسيحي محافظة إدلب، بحسب إحصائيات محلية غير رسمية، حيث كانوا يتوزعون على قرى اليعقوبية، والقنية، والجديدة، والغسانية وحلوز بريف إدلب الغربي فضلاً عن وجود نسبة منهم في كل من مدينتي جسر الشغور وإدلب مركز المحافظة، إلا أن أعدادهم بدأت بالانخفاض في ريف إدلب نهاية العام 2012 ورحل معظم قاطني مدينة إدلب عام 2015 عقب سيطرة المعارضة المتمثلة ذلك الحين بجيش الفتح، الذي يضم عدة فصائل من أبرزها جبهة النصرة، على المدينة.

واستمرت أعداد المسيحيين في محافظة إدلب بالانخفاض حتى باتت نسبهم أقل من واحد في المئة وبقي منهم قرابة الـ 200 شخص في عموم المحافظة، معظمهم من كبار السن حيث يبلغ متوسط أعمارهم سبعين عاماً، ولا تتجاوز نسبة الشباب البالغة أعمارهم بين العشرين عاماً والأربعين عاماً الـ 10 أشخاص فقط.

وعانى المسيحيون من تضييق كبير إبان سيطرة جبهة النصرة على المنطقة خاصة خلال الفترة الممتدة منذ عام 2014 حتى مطلع 2017 حين تشكلت هيئة تحرير الشام بعد اندماج جبهة فتح الشام (جبهة النصرة بعد فك ارتباطها بتنظيم القاعدة) وفصائل أخرى، وفتحت تحرير الشام ما وصفه البعض بالصفحة الجديدة مع المسيحيين في إدلب.

 

 

 

هيئة تحرير الشام تفتح صفحة جديدة مع المسيحيين لكن انتهاكاتها بحقهم لم تتوقف

رغم فتح هيئة تحرير الشام لصفحة جديدة في التعامل مع المسيحيين فإن الانتهاكات استمرت بحقهم لكن وتيرتها أخذت بالتضاؤل وبقيت معظم أملاك المسيحيين المقيمين خارج سوريا أو في مناطق سيطرة نظام الأسد تحت سيطرة "مكتب أملاك النصارى" التابع للهيئة، وتعتبر هيئة تحرير الشام هذه السيطرة جائزة تجاه المقيمين في مناطق سيطرة نظام الأسد حتى من المسلمين أيضاً، توازيها سيطرة غير جائزة حتى في قوانين هيئة تحرير الشام وتتمثل باغتصاب قادة وعناصر في هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني الذي ينحدر مقاتلوه من شرق آسيا على ممتلكات لمسيحيين موجودين في قراهم ضمن مناطق سيطرة الهيئة.

وقد بقيت أراضي المسيحيين تحت سيطرة تحرير الشام ومنتسبيها حتى تشرين الثاني من العام 2018 عندما اتخذت هيئة تحرير الشام خطوة نحو الأمام وقررت إعادة الأراضي الزراعية إلى أصحابها، لكن هذه الخطوة لم تكن عند مستوى طموح مسيحيي إدلب الذين كانوا يتلقون الوعود برد حقوقهم إليهم، حيث ردت الهيئة الأراضي الزراعية لأصحابها وأجبرتهم على التوقيع على عقود "انتفاع" تنص على قيام المسيحيين بحراثة أراضيهم وزراعتها وري ما يحتاج منها إلى الري ورش الأسمدة للمحاصيل ثم جني المحاصيل ودفع جميع النفقات المترتبة على الموسم الزراعي مقابل حصول كل مزارع مسيحي على نسبة 40٪ من إنتاج محصوله، وحصول هيئة تحرير الشام على نسبة الـ 60٪ المتبقية من دون أن تسهم في دفع نفقات الموسم الزراعي.

وهو ما اعتبره مزارعون ممن التقاهم موقع تلفزيون سوريا بالمعادلة الخاسرة، حيث فاقت الكلف التي أنفقها بعضهم نسبة الـ 40٪ التي حصل عليها بعد تعب عام زراعي كامل.

 

 

ويعيش المسيحيون أوضاعاً صعبة، حيث اشتكى عدد ممن التقاهم موقع تلفزيون سوريا من قلة المساعدات الإنسانية، وشكك بعضهم في ضلوع هيئة تحرير الشام في حرمانهم من المساعدات أو في إبعاد المنظمات الإنسانية عن قراهم، وتحدث البعض عن تلقيهم كميات قليلة من المساعدات وتذرع المنظمات بعدم مطابقتهم للمعايير التي تضعها المنظمات لتقديم المساعدات الإنسانية والتي يُعتبر من أبرزها النزوح، وهو ما ينطبق على المقيمين في قراهم من النازحين إليها وأيضاً من مغتصبي عقاراتهم بحسب وصف المصادر التي رفضت بشكل قطعي الكشف عن هويتها خوفاً من تعرضها لأعمال انتقامية أو مضايقات.

واستمرت عمليات التضييق على المسيحيين في إدلب، حيث تفرض عليهم هيئة تحرير الشام إقامة طقوسهم الدينية داخل بهو الكنيسة فقط ومن دون قرع للأجراس أو رفع للصلبان، فضلاً عن تعرض عدد منهم للخطف بغية الابتزاز المالي وهو ما حدث مع (سامر) -اسم مستعار- الذي اختطف عدة أسابيع ودفع ذووه فدية مالية لم يكشف لنا عن قيمتها لكنه وصفها بأنها أكبر من طاقة تحمل العائلة، في حين تعرض مسيحيون آخرون للاختطاف والقتل بهدف السرقة كما حصل مع السيدة "سوزان ديركريكور" وهي مُدرسة لغة عربية في العقد السادس من عمرها ومن أبناء بلدة اليعقوبية، والتي وجدت جثتها في تموز من العام 2019، بالقرب من قرية الجديدة القريبة بعد اختفائها أياماً وقد بدت علامات التعذيب والاغتصاب على الجثة العارية من الملابس، ومجردة من مصاغها الذهبي الذي كان بحوزتها.

وفي اليوم التالي للجريمة أعلنت وزارة الداخلية التابعة لحكومة الإنقاذ، القبض على أحد مرتكبي جريمة الاغتصاب والقتل وهو فتى في الـ 16 من عمره، واعترف بما نسب إليه وأقرّ بقتلها بمشاركة شخصين آخرين، حيث اعتدوا عليها جنسياً وقتلوها وأخفوا الجثة، وسرقوا منزلها ولاذوا بالفرار.

وبلغ عدد حالات خطف المسيحيين خلال العامين الأخيرين 6 حالات كان أفظعها ما حدث مع المُدرسة ديركريكور، وهو الأمر الذي استنكره جميع أهالي إدلب من المسلمين والمسيحيين.

وشهدت أيضاً بعض الكنائس والأديرة انتهاكات كقيام أحد متزعمي هيئة تحرير الشام المحليين بقطع الأشجار من حرمها وبيعها في أسواق الحطب بغية الحصول على المال، فضلاً عن اتخاذ بعض الكنائس مقرات للفصائل العسكرية ككنيسة الروم الأرثوذوكس في الغسانية والتي حولها فيلق الشام مدة من الزمن إلى مقر له ولحق بها الدمار من جراء غارات النظام وروسيا، وكذلك كنيسة متر يوحنا في قرية الجديدة والتي حولها الحزب الإسلامي التركستاني إلى مطبخ يمد قواته بالطعام. وذلك فضلاً عن انتهاكات نظام الأسد الذي دمر كلياً كنيستين وقصف عشر كنائس من اثنتي عشرة كنيسة في عموم محافظة إدلب.

واستمرت انتهاكات متزعمي وعناصر هيئة تحرير الشام المحليين في المنطقة بحق المسيحيين حيث اتهم أحد أولئك المتزعمين المحليين المقيمين أخيراً في بلدة القنية جاره المسيحي بالتسبب بموت النحل الذي يربيه ذلك المتزعم عبر وضع السم في الماء المخصص لشرب النحل، وذلك عقب تذمر المسيحي من دخول النحل إلى منزله وحدوث مشادة كلامية بينهما، وموت النحل بشكل جماعي مفاجئ بعد عدة أيام، الأمر الذي دفع المتزعم المحلي في الهيئة إلى تقديم شكوى لدى محكمة الهيئة بحق المسيحي، والذي تعرض للسجن مدة شهر كامل ودفع مبلغ قيمته ألف وخمسمئة دولار أميركي تعويضاً عن النحل الذي مات بحسب كلام المصادر التي تحدثت عن قيام المحكمة بإرسال خبراء في مجال النحل للبحث عن أسباب موته ونفي الخبراء تعرض النحل للتسمم بحسب زعم المصادر، في حين لم يستطع موقع تلفزيون سوريا التثبت من صحة كلام تلك المصادر من طرف محايد.

 

 

إدارة المنطقة.. أمل المسيحيين بانفراجة منتظرة

بقي حال المسيحيين في إدلب حتى النصف الثاني من عام 2020 حين شكلت هيئة تحرير الشام ما يعرف بإدارة المناطق المحررة وقسمت خلالها مناطق نفوذها في إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية إلى ثماني مناطق وأسندت إدارتها إلى "أشخاص من ذوي السيرة الحسنة والقبول الشعبي في تلك المناطق"، بخلاف ما كانت تقوم به سابقاً من إسناد المناصب إلى موالين لها من دون مراعاة قبول الشارع لهم من عدمه.

خلال حديث موقع تلفزيون سوريا مع الأهالي المسيحيين الذين التقى بهم، تردد اسم "أبو محمد" كثيراً بشكل مثير للإعجاب والفضول معاً، فقد شهدت الأشهر الخمسة الأخيرة تحولاً كبيراً في طريقة تعاطي هيئة تحرير الشام مع المسيحيين بعد تعيين إدارة المنطقة في دركوش، والتي تتبع لها إدارياً قرى المسيحيين الثلاثة في إدلب.

مدير المنطقة الجديد وإدارة المنطقة متعاطفة مع المسيحيين وتعمل لرد حقوقهم لكنها تتعرض لعرقلة من قبل بعض متزعمي تحرير الشام في المنطقة بحسب الروايات التي استمع إليها موقع تلفزيون سوريا.

وبحسب المصادر، فإن إدارة المنطقة قامت بحل 7 قضايا فقط من أصل187 قضية، معظمها مظالم للمسيحيين ينتظرون ردها، ورغم ذلك ينظر المسيحيون إلى هذا الأمر بكثير من الإيجابية باعتبارها الخطوات العملية الأولى.

 

 

وكانت أبرز تلك القضايا التي تم حلها، إعادة منزل إلى امرأة بعد استملاكه من قبل عناصر تابعين للهيئة ونقلهم للمرأة للعيش في حظيرة المنزل، أيضاً قامت إدارة المنطقة بإعادة منزل إلى أقارب أحد المتوفين من المسيحيين وإخراج عناصر الحزب الإسلامي التركستاني منه بعد اغتصابهم للمنزل.

فضلاً عن عودة أحد المخطوفين إلى ذويه من دون مقابل مادي بعد تحركات حثيثة لإدارة المنطقة. وقيام هيئة تحرير الشام بإجلاء العديد من العوائل الأقارب من الغرباء عن المنطقة (يكنون ببيت هلال) وترحيلهم إلى عفرين، وذلك بسبب قيام تلك العوائل بالسيطرة على عقارات للمسيحيين والإساءة إليهم لفظياً بشكل متكرر.

 

أبرز مطالب المسيحيين في إدلب

وقال الأهالي الذين تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا: إن الشرطة منعت بعض التجاوزات والاعتداءات اللفظية التي يتعرضون لها، ما شجعهم لتقديم طلب لإدارة المنطقة بإقامة مخفر شرطة في قراهم نظراً لأهمية وجود مؤسسة حكومية تحميهم بدل الفصائل العسكرية التي يرتكب بعض أفرادها التجاوزات بحقهم.

كما طالبوا بوقف التحريض الديني ضدهم خاصة على المنابر وذلك بعد تلقيهم تهديدات مباشرة بالقتل إثر قيام صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية بنشر الرسوم المسيئة إلى الإسلام والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما رفضه المسيحيون واعتبروه منافياً لتعاليم دينهم التي تنص على عدم الإساءة إلى الآخرين ومعتقداتهم الدينية. وأبدوا تخوفهم من تعرضهم لأعمال انتقامية.

واعتبر المسيحيون أن حملة التحريض ضدهم ممنهجة حيث انتشر مقطع فيديو على قناة تلغرام تحمل عنوان "تغريدات مجاهد" في يوم عيد الميلاد.

 

 

وأكدوا أن الفيديو قديم يعود إلى فترة سيطرة جبهة النصرة على المنطقة، وأنهم كانوا شهود عيان على الحادثة لحظة وقوعها، لكن بث هذا الفيديو في الرابع والعشرين من كانون الأول لعام 2020 على معرف مقرب من الهيئة يؤكد وجود تيار ما زال يحاربهم داخل الهيئة، ولا يريد لإدارة المنطقة أن تسير قدماً في خطاها الرامية لرد حقوقهم.

 

مسيحيو إدلب في مناطق سيطرة النظام يرغبون في العودة.. لكن ما شروطهم؟

أعرب الأهالي المسيحيون الذي يترددون إلى مدينة إدلب لقضاء حاجيات مختلفة برغبتهم في تحول منطقتهم إلى منطقة شبيهة بمدينة إدلب، تغيب فيها المظاهر المسلحة وتحكم المؤسسات المدنية السيطرة عليها وتسير أمورها، وأبدوا إعجابهم بالحال في مدينة إدلب الآن.

وتحدثوا لموقع تلفزيون سوريا عن الأحوال الصعبة والمعاناة الكبيرة التي يعانيها أقاربهم في مناطق سيطرة نظام الأسد ورغبتهم بالعودة إلى قراهم في إدلب والعيش فيها، لكن لديهم شروط للعودة وأسباب تمنعهم من العودة حالياً، من أبرزها انتظارهم حتى قيام الهيئة بحل نصف القضايا العالقة ورد المظالم إلى أصحابها، فضلاً عن توفير الأمن والحماية لهم، والسماح لهم بممارسة طقوسهم الدينية بحرية وقرع الأجراس في الكنائس ورفع الصلبان عليها.

 

تحرير الشام لم تجب عن تساؤلات موقع تلفزيون سوريا

حاول تلفزيون سوريا التواصل مع مدير منطقة دركوش للحديث عن رؤيته تجاه المسيحيين في إدلب والحديث عن خطة عمله المستقبلية وإمكان حل القضايا العالية إلا أنه اعتذر عن الإدلاء بأي تصريحات إعلامية.

أيضا حاول موقع تلفزيون سوريا التواصل مع عبد الرحمن عطون الشرعي العام لهيئة تحرير الشام للحديث عن طريقة تعامل الهيئة مع المسيحيين في إدلب، إلا أن تقي الدين عمر مسؤول العلاقات الإعلامية في الهيئة -الذي تم طلب التواصل عن طريقه- رفض الإجابة عن السؤال، فضلاً عن رفضه تقديم تواصل مباشر لموقع تلفزيون سوريا مع الشرعي العام، وعند سؤال تقي الدين عمر عن مدى جدية تحرير الشام في الدفع قدماً بتحسين أوضاع المسيحيين وتحقيق مطالبهم ومن أبرزها رد المظالم والسماح بممارسة حرياتهم الدينية وتوفير الأمن والحماية لهم؛ رفض "عمر" الإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه وفضّل تقديم جواب شامل قال فيه: إن قسماً كبيراً من المسيحيين غادروا إدلب بسبب قصف نظام الأسد وحملاته العسكرية وإن من بقي منهم يعيش حياته بشكل طبيعي من دون أن يتعرض له أحد، ويمارس حياته وعباداته بشكل طبيعي، ليكون تصريح "عمر" منافياً لما أكده ناشطون بتعرض المسيحيين في إدلب لانتهاكات جمة.

وأشار "عمر" إلى أن تحرير الشام تكفل حق الملكية لمن عاد ويعود من المسيحيين ويثبت ملكيته، وهو أيضاً ما يخالف الشهادات التي استمع إليها موقع تلفزيون سوريا.

وأكد تقي الدين عمر أن المؤسسات المعنية بشؤون المسيحيين تتابع أحوالهم وشؤونهم وتقيم جلسات دورية للسماع منهم والنظر في قضاياهم.

 

المسيحيون ورقة رابحة تستخدمها هيئة تحرير الشام للخروج من قوائم الإرهاب الأميركية

من جهتها اعتبرت "سمية الحداد" مسؤولة قسم التقارير في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن هيئة تحرير الشام عبر إسهامها في الترويج الإعلامي للاحتفال الذي حصل في يوم عيد الميلاد تود توجيه رسالة تؤكد من خلالها زيف ما تم توثيقه من انتهاكاتها بحق أبناء الطائفة المسيحية والظهور بمظهر الحامي لهذه الأقلية أمام الرأي العام العالمي.

وأوضحت السيدة حداد، أنه من خلال تحقيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان وما استمعت إليه الشبكة من شهادات من مسيحيين خرجوا من ريف إدلب، فإنه لم تُسجل أي عمليات رد لحقوقهم.

وذكرت الحداد، أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان سجلت العديد من الانتهاكات التي تعرض لها المسيحيون سواء من قبل نظام الأسد أو هيئة تحرير الشام والتي دفعت الكثيرين منهم إلى مغادرة إدلب قسراً، وكان من أبرزها قصف نظام الأسد لقراهم ودور عبادتهم بعد خروجها عن سيطرته، وتقييد جبهة النصرة سابقاً وتحرير الشام حالياً لحرياتهم الدينية فضلاً عن سلب الكثيرين منهم لممتلكاتهم واختطافهم بغية الابتزاز المالي أو لدفعهم إلى ترك منازلهم والاستيلاء عليها.

من جهته أيضاً اعتبر الصحفي "منهل باريش" أن هدف هيئة تحرير الشام من تسريب صور الاحتفال الذي أقيم يوم عيد الميلاد داخل دير القديس يوسف في بلدة القنية هو توجيه رسالة للرأي العام الغربي بأن الأقليات الدينية تمارس شعائرها الدينية بحرية في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام وأن الهيئة تؤمّن الحماية لتلك الأقليات وتحترم حرياتها الدينية.

واعتبر باريش، أن تلك الخطوة تأتي ضمن سياسة تحرير الشام لتصدير نفسها دولياً على أنها شريك يمكن التفاهم معه، وذلك بعد قيام الهيئة بعدة تحولات خلال الأشهر الأخيرة وقيام أبو محمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام بالتحرك ضمن الشارع والتقائه بالمدنيين في المخيمات والأماكن العامة، لكن "باريش" يرى تلك الخطوات غير مفيدة كونها مغايرة للواقع.

وأشار إلى أن "مَن يريد إظهار نفسه كحامٍ للمسيحيين كأقلية عليه ألا يضع يده على ممتلكاتهم"، وحمّل باريش هيئة تحرير الشام المسؤولية عن جميع الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون وتتعرض لها دور عباداتهم من قبل الهيئة ذاتها أو من قبل فصائل أخرى لكون الهيئة هي الفصيل الأقوى والمسيطر على إدلب.

واختتم الصحفي منهل باريش حديثه لموقع تلفزيون سوريا بأن هيئة تحرير الشام غير مهتمة بالمسيحيين ولا بعموم السوريين لكنها تستخدم المسيحيين كسلعة للمتاجرة بها وبناء تفاهمات مع الغرب عامة والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص بهدف إزاحتها عن قوائم الإرهاب الأميركية.

 

تحرير الشام وصراع توجيه الرسائل والخطابات

من جهته اعتبر الناشط الإعلامي "م.أ" المتابع لسياسة هيئة تحرير الشام وتحولاتها والذي رفض ذكر اسمه كونه يقيم في إدلب، أن الهيئة تشهد صراعاً كبيراً داخل مكوناتها قائلاً: "تنقسم هيئة تحرير الشام إلى عدة تيارات متصارعة فيما بينها ويظهر للمتابع تياران رئيسان أولهما المقرب لزعيم الهيئة أبو محمد الجولاني، والذي يقدم التنازلات ويقوم بعمليات التحول بغية التفاهم مع الغرب، وتصدير الهيئة على أنها فصيل عسكري سوري هدفه محاربة نظام الأسد والميليشيات المساعدة له فقط، وليس له أهداف خارجية، ويسعى هذا التيار إلى بناء تفاهمات تزيل الهيئة عن قوائم الإرهاب وتبقيها ممسكة بإدارة إدلب، أما الثاني فهو التيار الذي يميل للتشدد ويرفض خطوات الأول للتقرب إلى الغرب ويصر على استعدائه ويرفض مختلف أشكال التعامل معه.

ويضيف الناشط الإعلامي، أنه حصل على معلومات من مصادر رفيعة ضمن الهيئة تفيد بأن الجولاني لا يعير التيار المتشدد أي اهتمام، لكنه يحاول امتصاصه وترويضه، خشية حدوث انشقاقات داخل الهيئة باتجاه فصائل أخرى ذات طابع متشدد.

واعتبر الناشط، الذي تحفظ على ذكر اسمه، أن صراعاً آخر يشهده تيار الهيئة الأول القريب من الاعتدال، ويتجلى هذه الصراع في القدرة على احتواء التيار المتشدد، حيث يصدر التيار المعتدل في الهيئة خطابين إعلاميين منفصلين أحدهما يتقرب من الغرب وآخر موجه إلى أفراد الهيئة المتشددين يحاول إيهامهم بأن الهيئة مستمرة في درب "الجهاد" الذي يريده أولئك العناصر، وذلك بهدف تطويعهم وترويضهم بدلاً من خسارتهم لصالح فصائل متشددة والصدام معهم مستقبلاً.

ومن أمثلة ذلك الصراع، بحسب الناشط الذي تحدث لتلفزيون سوريا، هو إسهام هيئة تحرير الشام في تصدير رسائل موجهة إلى عناصرها المتشددين تارة وإلى الغرب تارة أخرى، وذلك في يوم عيد الميلاد ذاته، أولها نشر مقطع فيديو قديم يعود لسنوات سابقة عبر قناة "تغريدات مجاهد" على تلغرام والتي تعتبر من الإعلام الرديف غير الرسمي للهيئة، ويظهر مقطع الفيديو أشخاصاً يرتدون زياً باكستانياً (نقله الجهاديون الآسيويون إلى سوريا وبات زياً لدى أغلب الجهاديين على اختلاف جنسياتهم) مصطحبين معهم مكبر صوت مثبتاً على سيارة ويقف في إحدى ساحات بلدة القنية المسيحية غربي إدلب، ويوجه خطاب تحريض ضد الطائفة المسيحية ويحذر المسلمين من تهنئة المسيحيين بأعيادهم.

يقابله خطاب موجه إلى الغرب عبر إسهام الهيئة في الترويج لصور الاحتفال الذي أقيم في يوم عيد الميلاد داخل إحدى الكنائس في بلدة القنية ذاتها التي بُث الفيديو التحريضي منها.

واعتبر هذا الناشط، أن كثيراً من الناشطين في إدلب كانوا أداة بيد الهيئة لا شعورياً عندما تداولوا الصور فرحين بممارسة الطائفة المسيحية لشعائرها الدينية في إدلب، وحققوا لتحرير الشام مبتغاها في تصدير نفسها كحام للأقليات الدينية في المحافظة.