مستقبل غامض: ضغوط داخلية وخارجية تضعف النفوذ الإيراني

2024.06.16 | 06:21 دمشق

678686
+A
حجم الخط
-A

يحلو لكثير وصف إيران بأنها "نمر من ورق"، فقد تعاظمت قوة إيران وأذرعها الخارجية على حساب القلب الإيراني، فلم يكن تمدد نفوذها لفائض قوة امتلكته، بل هو نتيجة لظروف استثنائية استطاعت استثمارها مثلما استثمر أذينة ملك تدمر في الظرف الدولي.

ما هي التحديات التي تكبح جماح هذا التمدد؟ وهل سيستمر النفوذ الإيراني بالتصاعد؟ وما تأثيرات التغيرات الجيوسياسية الحاصلة على إيران، وبالتالي علينا كسوريين، كونها دولة محتلة مشاركة في قتلنا؟ وما تأثير الضربات الكثيرة التي تتعرض لها إيران من قبل إسرائيل؟   

تراجع الاقتصاد الإيراني وانعكاساته

يعيش النظام الإيراني على وقع التضخم الهائل، فقد بلغت نسبة تضخم مؤشر أسعار المستهلك بعام 2022 – أرقام البنك الدولي – 43.5 بالمئة، ووصل معدل البطالة - حسب معطيات مركز الإحصاء الإيراني - في نهاية عام 2022 لأكثر من 9.7 بالمئة، ما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية للأسر بشكل كبير، وارتفعت تكاليف معيشة الإيرانيين بشكل كبير، وصعّبَ على كثير من الأسر الإيرانية توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والسكن والرعاية الصحية، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على الأسر.

هذا التراجع تسبب بغضب كبير بين الشعب الإيراني، وخرجت الاحتجاجات والمظاهرات أكثر من مرة، وكان آخرها وأخطرها المظاهرات المرتبطة بمقتل مهسا أميني، وحمل المتظاهرون نظام الملالي مسؤولية سوء الإدارة الحكومية والفساد وهدر أموال الشعب على مغامرات خارجية للحصول على نفوذ لا ينعكس على تحسين مستوى معيشتهم بشيء.

تصاعدت الضغوط الدولية على إيران بسبب نشاطها المهدد للمصالح الأمنية والاقتصادية للمجتمع الدولي في منطقة الشرق الأوسط، وازدادت بشكل كبير بعد أحداث غزة، إذ تم تحميل إيران مسؤولية ما حدث بسبب تمويلها ودعمها العسكري لحماس

وسيكون لسقوط طائرة الرئيس الإيراني ومقتله تبعات كبيرة على الداخل الإيراني من حيث ازدياد الغضب الشعبي بشكل أكبر من هذه الفضيحة والإهانة التي تعرض لها. لقد استغرق البحث عنها خمسة عشر ساعة، وطلبوا مساعدة العدو الأكبر "أميركا" للوصول إلى رئيسهم الضائع، وبالنهاية استعانوا بتركيا لترسل مسيرة من عندها، وتجد رئيسها الضائع. وإن قال النظام الإيراني بأن الحادثة مدبرة وعملية استخبارية فتلك مصيبة، والمصيبة الأكبر في كونها حصلت نتيجة خطأ فني.

كما تسبب هذا التراجع الاقتصادي في تقليل الإنفاق على أذرعها والميليشيات التابعة لها، فعملت في الأخير الجريمة المنظمة كتجارة المخدرات لتوفر تمويلا لنشاطها واستمرار ديمومتها، ما أدى إلى سقوط النموذج والتجربة أخلاقيا. 

تفلت القبضة الإيرانية

في الخارج ازدادت المشاعر المناهضة لإيران في مناطق نفوذها، فلقد سقط النموذج من أعين السوريين وغيرهم من الشعوب، بسبب دعمها لأنظمة قاتلة فاسدة، والدخول في مغامرات عسكرية تتسبب للشعوب بالدمار والقتل، ورغم محاولاتها تغيير البنية الثقافية للشعوب المحتلة عبر التبشير بالمذهب الشيعي الاثني عشري لربطهم بها وجعلهم تابعين لها، مستخدمة الترغيب والترهيب من أجل هذا الهدف، فإن هذا النوع من النفوذ لن يدوم طويلا، فما إن ترتفع القوة القاهرة المستخدمة ضد الشعوب، حتى يرفضونها. وفي لبنان والعراق خرج الناس بمظاهرات عارمة منددة بأفعال الميليشيات الولائية، والتي أصبحت دولة داخل دولة، وصادرت قرار الحرب والسلم، ورهنت الدولة والشعب لمصالح إيران. وأعتقد أن لدى الشعوب الإفريقية تجارب مريرة مع التدخل الإيراني الذي نقل الأسلحة وتجارة المخدرات والفوضى إلى بلدان إفريقيا، سواء في غربها مثل سيراليون وتوغو وغينيا بيساو وغينيا، أو في شرقها وفي القرن الإفريقي كالصومال والساحل الكيني، ولن تستطيع إيران بهذه السهولة محو هذه التجارب السيئة.

كما بدأت الحكومة العراقية تحسين العلاقات مع الدول العربية، وخصوصا الدول الخليجية، فنظم العديد من الاجتماعات الرفيعة المستوى كان أهمها مؤتمر "بغداد التعاون والشراكة" في عام 2021، كما استعاد العراق في عام 2022، عضويته الكاملة في الجامعة العربية بعد انقطاع دام 28 عامًا، وسيستضيف العراق القمة العربية الـ 34 العام المقبل.

وفي نيسان من هذا العام وخلال زيارة هي الأولى من نوعها لأردوغان إلى العراق منذ 13 عاماً، وقعت في بغداد مذكرة تفاهم رباعية بين العراق وتركيا وقطر والإمارات، للتعاون في "مشروع طريق التنمية"، وسيؤدي نجاح هذا الخط إلى تهميش إيران، فخطوط التجارة العالمية ستمر من الخليج باتجاه تركيا عبر العراق بعيدا عن أراضيها، وستخسر بالتالي الإيرادات التي يمكن أن تجنيها من خلال رسوم الترانزيت من حركة التجارة عبر موانئها وأراضيها.

لم تعلن إيران موقفها رسميا من الاتفاق، لكن أبو علي العسكري المسؤول الأمني لكتائب حزب الله في العراق قال في بيان نشره على مواقع التواصل الاجتماعي إنّ "مشروع ما يسمى طريق التنمية مازال يشكل مصدر قلق لنا، ويجب توفير الدلالات القاطعة والضمانات الاستراتيجية ومزيد من التطمينات قبل الشروع في تنفيذ المشروع".

وواضح أن جهود بغداد تهدف إلى الإفلات من القبضة الإيرانية، وتنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية للعراق.

وبما يخص الميليشيات العراقية، فبعد اغتيال سليماني بدأت الميليشيات العراقية تتفلت من التماهي المطلق مع المشروع الإيراني، وظهرت انقسامات عديدة بين هذه الفصائل لأسباب مختلفة، إيديولوجية كالتباين في درجة التبعية مع إيران، والاندماج في الدولة وحصر السلاح بيدها، ومصلحية كالبحث عن فوائد اقتصادية من خلال السيطرة على المعابر الحدودية أو حقول النفط والموارد المالية، أو منع دخول عناصر وفصائل جديدة إلى داخل هيئة الحشد الشعبي، كي لا تزاحمها على الموارد، والرواتب وغيرها، مثلما رفض دخول لواء "أئمة البقيع"، الأمر الذي يُؤدي إلى صراعات مسلحة بينها، كالهجوم على مقار لحزب الدعوة وائتلاف دولة القانون اللذين يتزعمهما رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في كانون الأول ديسمبر من العام الماضي، واندلاع اشتباكات مسلحة بين كتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي وبين عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي في الخامس من كانون الثاني لهذا العام، والهجوم الذي تعرض له "اللواء 24 التابع لمنظمة بدر" من قبل "لواء أئمة البقيع" المرتبط بفضيحة التسريبات الصوتية التي تظهر اعترافات خطيرة حول أنشطة هذه الميليشيا وفبركة عمليات انتحارية لداعش أو قصف نقاط للجيش لإظهار الحاجة إليها وعدم استطاعة الجيش وحده القيام بمهامه ضد داعش، وارتباط نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق بهذه الفضيحة.

أو يكون الصراع على فوائد ومناصب سياسية، كالصراع المستمر منذ خمسة أشهر حول منصب محافظ ديالي بين قطبا الإطار التنسيقي الشيعي نوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون، وهادي العامري زعيم منظمة بدر.

كما أسفرت الانتخابات العراقية الأخيرة عن صعود قوى سياسية غير متماهية مع المشروع الإيراني، فظهور مقتدى الصدر فائزا بأغلبية البرلمان على حساب القوى الشيعية الأخرى المتماهية مع إيران سيؤدي إلى دعم الحركات الشيعية المستقلة في أماكن أخرى، وبالتالي يفشل السعي الإيراني بالتحدث باسم الأغلبية الشيعية، ويؤدي إلى تغيير موازين القوى بين الميليشيات، ويتسبب في انقسامات جديدة حول تقاسم السلطة والمصالح.

الضغوط الدولية

من جهة ثانية تصاعدت الضغوط الدولية على إيران بسبب نشاطها المهدد للمصالح الأمنية والاقتصادية للمجتمع الدولي في منطقة الشرق الأوسط، وازدادت بشكل كبير بعد أحداث غزة، إذ تم تحميل إيران مسؤولية ما حدث بسبب تمويلها ودعمها العسكري لحماس، وبسبب نشاط الميليشيات التابعة لها، في العراق واليمن وتأثيرها على حركة التجارة العالمية، واستهدفت أمريكا وإسرائيل مرارا وتكرارا أذرع إيران في عمليات عسكرية تسببت بمقتل العديد من الكوادر المليشياوية والإيرانية المهمة، فمثلا اغتالت إسرائيل أكثر من 300 من كوادر حزب الله منذ بدأ عمليات غزة، بينهم قادة في الصف الثاني للحزب، كما اغتالت شخصيات قيادية لدى حماس والجهاد الإسلامي من بينهم صالح العاروري، واغتالت أيضا أهم ضباط وكوادر الحرس الثوري الإيراني في استهداف القنصلية الإيرانية بدمشق، كما ضربت إسرائيل موقعا عسكريا حساسا في القلب الإيراني، عدا عن الاستهدافات المتكررة لمستودعات الأسلحة في سوريا، والعقوبات الاقتصادية وتشديد الحصار على إيران وميلشياتها، وكل هذا ينعكس ضعفا على النفوذ الإيراني، ويدفعها لتكون تحت الجناح الروسي الصيني بدلا من استمرارها باللعب على حبال الأطراف كافة.

بشكل عام لا يمكن التنبؤ بشكل كلي مطلق بمصير النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فهو معقد ومتغير، وعلينا كسوريين متابعة التطورات مع مراعاة السياق التاريخي والسياسي عن كثب لتقييم مسار النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط بشكل دقيق.

كلمات مفتاحية