للمرّة السابعة، تقف والدة مروة أمام البوابة الحديدية للسفارة التركيّة في دمشق، تحتضن بقلق ملفاً يحوي وثائق ابنتها المدرسية، تأتي كل يوم على أمل تصديق الشهادة الثانوية التي نالتها ابنتها من تركيا، لكنها تعود في كل مرة بخيبة أمل جديدة.
تقول لموقع تلفزيون سوريا "كنت أراجع السفارة باستمرار، ولم يكن عامل الوقت مهماً، لكن الآن المفاضلات الجامعية على الأبواب، ومستقبل ابنتي في خطر إن لم نتمكن من التصديق".
ليست والدة مروة وحدها في هذه المعاناة، فالمشهد أمام السفارة يعج بمئات القصص المماثلة لطلاب وأهالٍ تقطعت بهم السبل.
حسام، شاب قدم من بلدة الحفة بريف اللاذقية قبل أسبوع، أنفق ما يزيد على ثلاثة ملايين ليرة سورية على إقامته في دمشق، لكن أوراقه ما تزال تنتظر ختماً لم يأتِ بعد.
أما صبا وشقيقها، فقد وصلا من دير الزور منذ أكثر من خمسة عشر يوماً، ويقيمان لدى عمهما، يراجعان السفارة يومياً من دون جدوى.
هذه الحالات ليست سوى عينة صغيرة من آلاف الطلاب السوريين الذين درسوا في تركيا وعادوا إلى وطنهم ليجدوا أنفسهم في مواجهة كابوس بيروقراطي يهدد مستقبلهم الأكاديمي، فالسفارة التركية، التي يفترض أن تكون جسراً لتسهيل الإجراءات، تحولت إلى عقبة كأداء، حيث لا تستقبل -بحسب المراجعين- أكثر من 40 ملفاً يومياً، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالأعداد الهائلة التي تتجمع أمام أبوابها.
لماذا التصديق في سوريا؟
لفهم جذور المشكلة، لا بد من العودة إلى الإجراءات الرسمية المطلوبة، لكي يتمكن الطالب الحاصل على شهادة ثانوية من تركيا من التسجيل في الجامعات السورية، الحكومية أو الخاصة، يجب عليه تصديق شهادته من عدة جهات، تبدأ العملية بتصديق الشهادة من مديريّة التربية في تركيا، ثمّ من والي المنطقة، ثم وزارة الخارجية التركية، وأخيراً من القنصلية السورية في تركيا.
لكن هنا تكمن العقدة الأساسية؛ فقد أوقفت القنصلية السورية في إسطنبول التصديق عبر البريد أو الوسطاء، واشترطت حضور صاحب العلاقة شخصياً، هذا الشرط تزامن مع قرار من إدارة الهجرة التركية بوقف منح أذونات السفر للسوريين الخاضعين للحماية المؤقتة بين الولايات التركية، مما جعل سفر طالب يقيم في غازي عنتاب أو مرسين إلى إسطنبول أمراً شبه مستحيل.
كحل بديل، سُمح للطلاب بتصديق وثائقهم من السفارة التركية في دمشق بعد عودتهم إلى سوريا، ليكون هذا التصديق بديلاً عن تصديق القنصلية السورية في تركيا.
تقول صبا، القادمة من مرسين: "لم أتمكن من استخراج إذن سفر إلى إسطنبول، نصحني أصحاب مكاتب الخدمات الطلابية بالعودة إلى سوريا وتصديق الأوراق هنا، لم أتخيل البتّة أن السفارة التركية ستتعامل معنا بكل هذا الاستهانة".
من الانتظار إلى الاحتجاج
مع مرور الأيام من دون حل، وتزايد أعداد المراجعين الذين يحملون مواعيد مسبقة وآخرين أتوا على أمل أن يُسمع صوتهم، بدأ اليأس يتحول إلى غضب، وبعد انتظار دام من الصباح حتى الساعة الواحدة ظهراً من دون أن تفتح السفارة أبوابها أو يجيب أحد الموظفين على استفساراتهم، قرر المراجعون التحرك.
تحول التجمع الصامت إلى اعتصام عفوي أمام مدخل السفارة، جلس الأهالي والطلاب على الأرض، معلنين أنهم لن يغادروا حتى يتم استلام وتصديق جميع أوراقهم.
يقول والد الطالب علي، القادم من حمص، لموقع تلفزيون سوريا "لن أتحرك من هنا حتى يتم تصديق أوراق ابني، لم يعد بإمكانهم تهديدنا بالترحيل، أنا الآن في وطني".
لم تفلح محاولات أمن السفارة لفض الاعتصام، وتحت ضغط المحتجين، فُتحت الأبواب أخيراً وبدأ استلام بعض الطلبات.
ردود فعل متباينة ومستقبل غامض
في مواجهة هذا الاحتقان، جاء رد موظفي السفارة باهتاً ومقتضباً. أحد الموظفين، تحدث لموقع تلفزيون سوريا، بشرط عدم الكشف عن هويته، أن "العدد المخصص يومياً قليل بالفعل بسبب نقص الموظفين والضغط الكبير"، مضيفاً أن "الإدارة تدرس آليات جديدة لتسريع العمل" لكن هذه الوعود لم تقدم حلاً فورياً لمئات الطلاب الذين يخشون ضياع فرصة التسجيل في الجامعات.
من جانبها، تحركت وزارة الخارجية والمغتربين السورية بعد تلقيها شكاوى عديدة، وأفاد مصدر مسؤول في الوزارة، لموقع تلفزيون يوريا، أنه تم التواصل مع السفارة التركية في دمشق لمناقشة الأزمة، وأضاف "لقد نقلنا للسفارة التركية حجم المعاناة التي يواجهها أبناؤنا الطلاب، وطالبنا بضرورة زيادة عدد المواعيد اليومية وفتح أبواب القسم القنصلي طوال أيام الأسبوع لتلبية الطلب المتزايد" وأكد المصدر أن الجانب التركي وعد بدراسة المقترحات بشكل جدي والعمل على إيجاد حلول سريعة.
بينما ينتظر الطلاب انفراجة قد تأتي أو لا تأتي، يبقى مستقبلهم معلقاً بختم على ورقة، إن هذه الأزمة لا تسلط الضوء فقط على التحديات البيروقراطية، بل تكشف أيضاً عن معاناة إنسانية عميقة لجيل من الشباب السوري الذين، بعد أن نجوا من تحديات اللجوء والدراسة في بيئة جديدة، يعودون إلى وطنهم ليصطدموا بجدران من الإهمال واللامبالاة تهدد أحلامهم وطموحاتهم.

