icon
التغطية الحية

مستقبل الكتاب الورقي في سوريا الجديدة.. تحديات النشر ومزاحمة "الرقمنة"

2025.10.11 | 10:18 دمشق

567567
بسطة كتب في منطقة البرامكة بدمشق
دمشق - محمد كساح
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت صناعة نشر الكتب الورقية في سوريا تدهورًا كبيرًا بعد سقوط النظام البائد، متأثرة بالانهيار الاقتصادي والرقابة الأمنية، مما أدى إلى إغلاق دور النشر والمكتبات أو تحولها إلى محال تجارية أخرى.

- تواجه صناعة الكتاب الورقي عوائق مثل عدم حماية الملكية الفكرية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الاقتصاد، بالإضافة إلى تأثير القرصنة والكتب الإلكترونية والمسموعة.

- هناك تفاؤل بأن الحكومة الجديدة ستدعم الثقافة وترفع القيود عن الناشرين، مع توجه نحو بيع الكتب بصيغ إلكترونية وتطوير متاجر إلكترونية لتحقيق أرباح مقبولة.

بالرغم من أن سقوط النظام البائد ساهم في تنشيط قطاعات استثمارية عديدة ولو بشكل نسبي بعد عودة جزء كبير من المغتربين وضخ كميات من الرساميل في سوق العمل، إلا أن ذلك لا ينطبق على صناعة نشر الكتب الورقية التي لا ترتبط فقط بالنشاط الاستثماري، بقدر ما يحفزها وجود رغبة عارمة لدى المجتمع في شراء وتجميع الكتب سواء بهدف المطالعات العامة أو لإنشاء مكتبات شخصية كانت ظاهرة منتشرة خلال العقود الطويلة الماضية.

ومع أنه لا توجد أرقام دقيقة توضح حجم التدهور الذي طاول صناعة النشر وسوقها منذ اندلاع الثورة السورية وحتى سقوط نظام الأسد، إلا أن حجم التدهور هائل، بحسب ما رصده موقع تلفزيون سوريا في دمشق التي كانت سوق "الحلبوني" فيها مزدهرة قبل هذه المرحلة بالرغم من خضوعها للرقابة الشديدة من قبل النظام البائد.

دور نشر ومكتبات مقفلة

في جولة داخل سوق الحلبوني يمكن ملاحظة الانحسار الواضح لدور النشر والمكتبات سواء عبر إقفالها، أو تحول قسم منها إلى محال تجارية لا تتعلق بالكتب مثل متاجر العطور والهدايا والألعاب، حيث يبدو حجم الكارثة التي أصابت السوق الشهير كبيراً، ومؤلماً، في نفس الوقت.

يقول محمد وهو أحد أصحاب المتاجر الخاصة بالغذائيات في السوق لـ موقع تلفزيون سوريا إن "الناس لم تعد تقرأ في ظل الحرب" ويوضح أن "سعر الكتاب بات كبيراً جداً يوازي عمل يوم أو يومين للعامل"، ويشير إلى أن سوق الكتب تأثر بالانهيار الاقتصادي الذي أصاب البلد بحيث أقفلت مكتبات عديدة في السوق أو آثرت الانتقال نحو مدن أخرى خاصة المكتبات التي تمتلك فروعاً في بيروت أو الرياض فقد ركزت اهتمامها على صناعة النشر في تلك العواصم بعد الكساد الذي أصاب السوق في دمشق.

مروان وهو قارئ نهم للكتب من ريف دمشق، أكد لـ موقع تلفزيون سوريا أن الحصول على الكتاب بات يحتاج إلى ميزانية خاصة، فمثلاً حاول مروان تصميد قسم من راتبه الأسبوعي كعامل في معمل للخياطة لمدة أربعة أشهر لشراء كتاب شرح صحيح مسلم للنووي الذي لا يقل سعره مجلداته عن 70 دولار (تعادل 800 ألف ليرة تقريباً).

يرى مروان أن سعر الكتاب وضعف المداخيل يعد السبب الرئيسي للتدهور الذي أصاب صناعة النشر، في العقد الماضي، فضلاً عن تأثره بمعطيات عديدة مثل الرقابة الأمنية الصارمة التي زادت حجم الكتب الممنوعة، وموجة اللجوء غير المسبوقة للسوريين نحو الخارج التي ساهمت في فقدان المكتبات لمئات الزبائن المهتمين بالكتب.

عراقيل كبيرة

الدكتور زياد الغزولي من المكتب العلمي في دار القلم الشهيرة، يرى خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا أن "صناعة الكتاب الورقي تواجه عوائق عديدها منها عدم وجود حماية حقيقية للملكية الفكرية والحقوق المجاورة لها التي ترد على المنتج الفكري بكامل عناصره المادية والمعنوية، إذ يتم التعامل مع تلك الحقوق وكأنها مال مباح لكل الناس".

ومن العراقيل التي يوردها الغزولي، ضعف الاقتصاد عموماً وانخفاض دخل الفرد حيث تعتبر كلفة إنتاج الكتاب مهما كان حجمه مرتفعة نسبياً قياساً بدخل الفرد، حتى بعد الزيادات الأخيرة على الرواتب.

كما يلفت الغزولي إلى عدم وجود بيئة متكاملة لتأمين مستلزمات إنتاج الكتاب من مكاتب فنية تضم مختصين ببرامج إعداد الكتب للنشر، ومطابع وشركات تجليد مزودة بآلات وخطوط إنتاج متطورة نسبياً.

من جانب آخر، يشير الغزولي إلى أن "سقوط النظام لن يحفز سوق الكتاب ولن ينشط صناعة النشر، كون التحفيز والتنشيط المراد يرتبط بوجود مجتمع متطور يعتقد أبناؤه بأهمية القراءة والمعرفة، مثلما يعتقدون بأهمية تغيير السيارات وتنويع أصناف الطعام والتفنن بها، ويرتبط كذلك بوجود احترام حقيقي للكفاءات العلمية، ووفرة اقتصادية يمكن معها لطالب العلم والمعرفة التفكير في اقتناء الكتب، وهذه شروط ومتطلبات لا عالقة لها بالنظام السياسي".

ويؤكد أن صناعة النشر في سوريا لم تعد استثماراً مربحاً، بل بات أصحابها عرضة للخسائر المادية في أحيان كثيرة، ويشير إلى أن دور النشر لم تتخذ خطوات ملموسة في قطاع الكتاب الرقمي المزدهر عالمياً، عازياً ذلك إلى عجزها عن تنفيذ أي خطوة جادة في هذا الاتجاه.

تفاؤل بالمرحلة الجديدة

من جانبه، يرى مدير دار نقش في إدلب مصطفى جمعة، أن ارتفاع سعر الكتاب الورقي يعد أكبر العراقيل التي تواجه دور النشر، مشيراً إلى أن هذا الارتفاع يعود لارتفاع تكاليف الإنتاج وأقصد هنا المواد الأولية من ورق وكرتون وآلات طباعة وكهرباء، وفي الآونة الأخيرة ارتفاع أجور الأيدي العاملة بعد أن تأمن الكثير من الشواغر الوظيفية للشباب السوري في معظم الوزارات.

ويضيف خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا أن الطباعات غير الشرعية أو ما نسميه القرصنة، تعد أيضا من أكبر العوائق وأكثرها انتشارا للأسف، كم أثرت الكتب الإلكترونية والكتب المسموعة أيضاً بشكل ملحوظ على الكتاب الورقي، بالتوازي مع زيادة الإقبال على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي أسرت عقول الكثير من رواد القراءة فحرفت بوصلة اهتماماتهم، وأبعدتهم عن الكتاب.

ومع تأكيده على أن الكتاب الرقمي لا يمكنه أن يلغي الكتاب الورقي، إلا أن جمعة يؤكد التأثير السلبي للرقمنة على الطباعة الورقية للكتب، موضحاً أن "بعض دور النشر تلجأ، لتخفيف مزاحمة الكتاب الرقمي، إلى بيع كتبها بصيغة إلكترونية إلى جانب الطبعات الورقية سواء عبر المواقع المخصصة، أو عبر إنشائها متاجر إلكترونية خاصة بها، ملاحظاً التوجه نحو التفريغ الصوتي للكتب وبيعها ككتب مسموعة"، وفي كل الحالات، يلفت إلى أن دار النشر تحقق من هذه النشاطات المتنوعة ربحاً مقبولاً يساعد في استمراريتها.

وحول دور الرقابة الصارمة للنظام البائد في تدهور صناعة النشر، يشير جمعة إلى أن "النظام الساقط كان من أبرز أعداء الثقافة بتسليطه أجهزته الأمنية على دور النشر ووضع القيود والضوابط الصارمة التي تقيد المحتوى العلمي للكتاب، حتى الكتب المستوردة كان لها نصيب من المنع، ناهيك عن نفور الكثير من دور النشر العالمية عن المشاركة في المعارض المقامة في سورية بسبب تلك القيود، وعدم دعم دوائر الدولة المعنية للفعاليات الثقافية أو لطلاب العلم من باحثين وأكاديميين وقراء".

ولا يخفي جمعة تفاؤله من أن دخول البلاد في مرحلة سياسية جديدة سينعكس بشكل إيجابي على صناعة النشر، ملاحظاً توجه الحكومة الجديدة نحو دعم الثقافة، ورفع القيود عن الناشرين والمؤلفين والباحثين، ويؤكد قائلاً: "في كل زيارة لدور النشر في دمشق وحلب أجد الأمور أفضل وأقرأ في وجوه الناشرين الرضا، وبدأ الإعلان عن الإصدارات الجديدة ولله الحمد، كما لا ننسى بأن معظم المكتبات السورية بدأت رفوفها تتزين بكتب منعها النظام الساقط من رؤية النور، وكان من يتاجر بها أو حتى يقتنيها يُزج في غيابات السجن إلى وقت غير معلوم".

ماذا عن دور النشر في "المناطق المحررة"؟

وحول صناعة النشر في المناطق المحررة (سابقاً) يؤكد جمعة أنه "لم يكن في هذه المناطق دور نشر بالمعنى الصحيح سوى دار نقش بواقع 120 إصداراً وأيضا مكتبة الأنصار ولاحقاً بدأ مديرو مكتبة أسامة بطباعة إصدارات خاصة بهم، وما تبقى عبارة عن مكتبات تعنى بنشر الثقافة وتستورد الكتب من دور النشر المختلفة في الدول العربية وتشارك بهذه الكتب في المعارض المحلية المقامة، ولم يكن حينها مطلوباً من الناشرين أو المكتبات سوى السجل التجاري، أما بالنسبة للترقيم الدولي فكان يحتاج لتراخيص دولية وهذا كان غير متاح، وغير ضروري بالنسبة لنا كمكتبات ودور نشر كون التصدير إلى دول الجوار كان شبه مستحيل".