icon
التغطية الحية

مسافات طويلة وعبث بالبنى التحتية.. عودة مزارعي جبل شحشبو بحماة لإحياء أرض ميتة

2025.09.23 | 03:53 دمشق

آخر تحديث: 23.09.2025 | 04:00 دمشق

مسافات طويلة وعبث بالبنى التحتية.. عودة مزارعي جبل شحشبو بحماة لإحياء أرض ميتة (تلفزيون سوريا ـ خاص)
مسافات طويلة وعبث بالبنى التحتية.. عودة مزارعي جبل شحشبو بحماة لإحياء أرض ميتة (تلفزيون سوريا ـ خاص)
ريف حماة ـ محمد حمروش
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه عبد المنعم العليوي تحديات كبيرة في العودة إلى قريته شهرناز لزراعة أرضه بعد تدمير منزله، ويصر على استصلاح الأرض كمصدر رزق في ظل غياب الفرص في مناطق النزوح.
- يعاني المزارعون العائدون إلى ريف حماة الشمالي من صعوبات مثل نقص المعدات وارتفاع التكاليف وتدمير البنية التحتية، مما أدى إلى تدهور الأراضي وانتشار الآفات.
- تشمل الحلول المقترحة تحسين البنية التحتية الزراعية، توفير الدعم المالي والتدريب، التحول إلى زراعة الأشجار المثمرة، واستخدام تقنيات حديثة لتعزيز الإنتاجية وربطها بالأسواق المحلية.

يقطع عبد المنعم العليوي حوالي 110 كيلومترات المسافة بين مسكنه في دير حسان على الحدود السورية التركية، وأرضه الزراعية في قرية "شهرناز" بريف حماة الشمالي الغربي.

ما زال العليوي إلى اليوم يقيم في مخيمات دير حسان بالرغم من مرور حوالي 10 أشهر على سقوط النظام واستعادة قريته شهرناز، لكنه يعود بشكل دوري إلى القرية ليزرع أرضه هناك بعد أن وجد بيته مهدماً بالكامل وغير قابل للسكن، لذا آثر استصلاح الأرض وزراعتها على تأهيل المنزل والذي يحتاج إلى إعادة بناء من جديد.
يحاول عبد المنعم استصلاح الأرض واستثمارها والاستفادة منها، يقول لموقع تلفزيون سوريا: "ليس لدينا مصادر للرزق في المناطق التي هُجرنا إليها، فعدت لزراعة أرضي عسى أن أتمكن من خلال العمل فيها من إعادة إعمار منزلي المدمر".
ويواجه كثير من الفلاحين العائدين إلى ريف حماة الشمالي معاناة كبيرة في الذهاب إلى الأرض والعودة إلى البيت في المخيمات على الحدود السورية التركية ـ حوالي 220 كم طول الرحلة ذهاباً وإياباً ـ وعند الحاجة إلى أبسط اللوازم الزراعية، لا يجد المزارعون العائدون احتياجاتهم من (معدات، مرشات، مفكات، مفاتيح، براغي، أسمدة، وبذور).

يقول وليد الخالدي، مزارع من المنطقة: "إن أقرب مكان كنت أعتمد عليه بعد التحرير في شراء مرشات المياه مدينة إدلب وبلدة حزانو، وحالياً توفرت هذه المواد في خان شيخون"، ويضيف: "إذا احتجت إلى برغي مثلاً أو وصلة شريط كهربائي أقل مسافة أقطعها بين عشرة إلى 15 كيلومتراً ذهاباً ومثلها إياباً، كذلك الحال عند تأمين الأسمدة والبذار".

ميليشيات دمرت الشجر والحجر

منزل وليد في القرية مدمر بالكامل حاله حال معظم المنازل هناك، ولم تكتفِ ميليشيات النظام المخلوع واللجان الشعبية بهدم أسقف المنازل لأخذ الحديد وبيعه كما هو معتاد في معظم المناطق السورية التي هُجر عنها أصحابها خلال الثورة، بل عمدت أيضاً إلى تفكيك الجدران ونقل الحجر وبيعه.

يقول وليد إنه اشترى الحجر عند بناء بيته بعناية من مقالع حجارة "معرتحرمة" بريف إدلب الجنوبي المشهورة بجودتها، وهو ما عاد نقمةً عليه إذ أصبحت هذه الحجارة مطمعاً للميليشيات.
ولم يتوقف الدمار والخراب في شهرناز وقرى جبل شحشبو عند هدم البيوت وسرقة الحديد، بل إن الأراضي الزراعية عند العودة كانت في حالة مأساوية، فقد عمدت ميليشيا فوج "الطه" التابع لسهيل الحسن بقطع أشجار التين والزيتون الواقعة بمحيط القرى وبيعها حطباً.

وفوج "الطه" هو ميليشيا دفاع وطني تعمل لصالح الأمن العسكري، بحسب علي أبو حسين من أعيان شهرناز، الذي أكد أنه بعد هدم المنازل وقطع الأشجار أصبح الأمن العسكري يضمن أراضي المنطقة للرعي لأفراد متطوعين بجيش النظام المخلوع ـ يمتلكون قطعان أغنام ـ حوّلوا ما تبقى من المنازل إلى حظائر لأغنامهم.

أراضٍ أصابها "الكسر"

وزُرعت الأراضي لسنوات متتالية بالقمح بعد قطع أشجار التين والزيتون من دون أي اهتمام بها من ناحية الأدوية والأسمدة. ووجد أصحاب الأراضي حين عودتهم أراضيهم غير صالحة للزراعة نتيجة لزراعتها بالمحصول نفسه لسنوات متتالية من دون اهتمام، ما أدى إلى انتشار الآفات والفئران، وجعل الأرض في حالة أقرب إلى التصحر نتيجة للرعي الجائر. وأصبحت الأراضي تعاني من "الكسر"، وهو مصطلح محلي يستخدمه المزارعون ويعني أن الأرض فقدت الكثير من عناصرها لزراعتها بالمحصول نفسه لسنوات من دون اهتمام.

خسارات متتالية

وحول الصعوبات التي تواجه عودة المزارعين، قال المهندس الزراعي أنس أبو طربوش في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا: "بالنسبة لمنطقة جبل شحشبو، الذي يعتبر امتداداً لريف حماة الشمالي، تأثرت المنطقة بموجة الجفاف الأخيرة بشكل عام كما تأثرت عموم مناطق سوريا، وتأثرت المنطقة بشكل خاص لطبيعتها الجبلية القاسية".
وتحدث أبو طربوش عن تحول في منطقة جبل شحشبو من زراعة محاصيل بعلية إلى زراعة أشجار مثمرة، خاصة التين والزيتون، نتيجة لخسائر لحقت بالزراعة البعلية في فترة ما قبل الثورة.
لكن هذه الأشجار المثمرة لم يُكتب لها أن تعمّر، فتم قطعها بطريقة ممنهجة من قبل قوات نظام الأسد بعد سيطرتها على المنطقة أواخر عام 2019.
ويواجه أهالي منطقة جبل شحشبو اليوم، بعد عودتهم، من معاناة كبيرة تتمثل بخسارة المحاصيل البقولية والزراعة التقليدية القديمة وخسارة الزراعة الحديثة المتمثلة بزراعة الأشجار المثمرة.
وعاد الأهالي الآن مرة أخرى لزراعة الأشجار، ويواجه المزارعون صعوبات تتمثل بالتكاليف المرتفعة عند تأمين الشتول وتكاليف الحفر والغرس والري والحراثة، فضلاً عن أخطار الألغام والذخائر غير المنفجرة في هذه الأراضي المهملة.

صعوبات ومعوقات

وعن الصعوبات التي تواجه السكان، تحدث محمد الشيخ، إعلامي الهيئة العامة لتطوير منطقة سهل الغاب، عن خراب لحق بالآبار الارتوازية، المصدر الرئيس لري المحاصيل الزراعية في المنطقة، وبالتالي تحول مساحات شاسعة إلى الزراعة البعلية. ومن المعوقات أيضاً انقطاع الكهرباء الضرورية لتشغيل الآبار الارتوازية القابلة للتشغيل، ومع استمرار انقطاع الكهرباء يصعب تأمين مياه الري ويؤدي ذلك أيضاً إلى رفع كلفة الزراعة.
لا ينتهي الحديث عن الصعوبات، فالمنطقة تعاني أيضاً من رداءة الطرق الزراعية الترابية غير المعبدة والوعرة أمام حركة الآليات ونقل المنتجات.

ويتحدث المزارعون عن ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية (البذور، الوقود، والأسمدة) وغياب الدعم الحكومي وغير الحكومي، وضعف البنية التحتية الزراعية (لا توجد شبكات ري حديثة، أو مخازن تبريد، أو أسواق منظمة لتصريف المنتجات). بالإضافة إلى تأثيرات متعلقة بالنزوح والعودة؛ إذ إن كثيراً من العائدين فقدوا معداتهم، ويواجهون صعوبات في إعادة تأهيل الأرض أو استعادة الإنتاج، بحسب مزارعين من المنطقة تحدثنا إليهم. 

حلول مقترحة

وعن سبل تلافي هذه الصعوبات وكيفية التخفيف من هذه التحديات، تحدث الشيخ عن مجموعة من التدخلات العملية كإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية من خلال إعادة تأهيل الآبار الارتوازية وتزويدها بمجموعات طاقة شمسية لتشغيلها، وتعبيد الطرق الزراعية، وإصلاح شبكات الكهرباء، وتوفير مراكز دعم زراعي متنقلة تقدم خدمات الإرشاد، وتوزع المدخلات الزراعية، وتدرب الفلاحين على تقنيات الزراعة الحديثة، وكذلك إطلاق برامج دعم مالي مباشر عبر قروض ودعم نقدي للفلاحين العائدين، والعمل على تشجير المساحات الجبلية والمساحات التي لا تصلح لزراعة المحاصيل الحقلية وغرسها بالزيتون والفستق الحلبي، والتنسيق مع المنظمات الدولية لتقديم دعم غذائي ومستلزمات زراعية كما حصل في اتفاقيات وزارة الزراعة مع برنامج الأغذية العالمي (الفاو).

ماذا قدمت الحكومة للمزارعين؟

وتحدث الشيخ عن "محدودية التدخلات الحكومية في جبل شحشبو"، وأوضح أن هناك جهوداً وطنية عامة تشمل إعداد وثيقة معرفية للدعم الزراعي تهدف إلى إصلاح منظومة الدعم لتوجيهه للفئات الأكثر حاجة، مع التركيز على الاستدامة والمرونة، بالإضافة إلى عقد اتفاقيات مع المنظمات الدولية كبرنامج الأغذية العالمي لتقديم دعم مالي وغذائي للمزارعين المتضررين، بالإضافة إلى برامج بحثية لتطوير القطاع الزراعي تشمل تحسين نظم الدعم، وتوفير قاعدة بيانات للفلاحين، وربط الدعم بالاستخدام المستدام للموارد، في حين ما تزال الحاجة قائمة لتدخلات أكبر.

الخطط المقترحة لتحسين الزراعة

تشمل الخطط التحول من الزراعة البعلية إلى الزراعة المروية أو التشجير بسبب ضعف الإيرادات من المحاصيل التقليدية. وتحدث الشيخ عن بدء بعض المزارعين بزراعة الأشجار المثمرة كبديل اقتصادي، وإطلاق مبادرات تنموية محلية تهدف إلى تحسين الواقع الخدمي والزراعي، مثل مشاريع الطاقة الشمسية لتأمين الكهرباء، وبرامج تدريبية للفلاحين لتعزيز المهارات الزراعية، وتبني تقنيات حديثة في الري والتسميد، وربط الإنتاج بالأسواق المحلية، ودعم الزراعة المستدامة والبيئية عبر إدخال تقنيات الزراعة الحديثة، وتطوير نظم إدارة الموارد الطبيعية.
ويتمتع جبل شحشبو بموقع استراتيجي في ريف حماة الغربي، ويضم قرى ذات تاريخ زراعي غني، لكنه يعاني من تهميش في الخطط التنموية، ويمثل النازحون العائدون شريحة تحتاج إلى دعم خاص، ليس فقط في الزراعة، بل في إعادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، على اعتبار أن المنطقة مؤهلة لتكون نموذجاً للزراعة الذكية مناخياً أو الزراعة العضوية إذا تم دعمها بشكل ممنهج وربطها بالسياسات الوطنية الزراعية.

تجربة وأمل

زرع عبد المنعم أرضه بعد العودة مباشرة بمحصول الجلبان (البرسيم) لمعرفته بأنه محصول بعلي لا يحتاج إلى كثير من العناية والري مقارنةً بالمحاصيل الأخرى. ومع ذلك، لم يُكتب لموسمه الأول النجاح نتيجة لحالة الأرض السيئة بالإضافة إلى قلة الأمطار في الشتاء الماضي، فاضطر لتضمين الأرض لترعاها الأغنام.
وبعد ذلك، تعاون مع إخوته لحفر بئر جديد في الأرض وتركيب منظومة طاقة شمسية وزراعة 10 دونمات من البطاطا، يقول إنه زرعها على سبيل التجربة لتحديد مدى قدرة الأرض على الإنتاج ليحضّر على ضوئها للموسم القادم.