مسار أستانا في نسخته السابعة عشرة

تاريخ النشر: 24.12.2021 | 05:27 دمشق

ربما لم تعد تثير لقاءات مسار أستانا مزيدا من فضول السوريين، ليس بسبب عزوف السوريين عن المتابعة والاهتمام بشأنهم العام، بل ربما لأن معالم هذا المسار باتت واضحة، والأهداف كذلك من جهة، ولأن ما أفضت إليه لقاءات أستانا من مآلات ونتائج باتت موجعة وباعثة على الأسى من جهة أخرى. ولعل المفارقة الأشدّ إيلاماً هي أن الأطراف الدولية القائمة على هذا المسار قد وضعت له أهدافاً محدّدة لا تتجاوز الشأن الميداني والإنساني – وقف إطلاق النار – الحفاظ على الأمن وعدم التصعيد العسكري وفك الحصار عن المدن والبلدات وإيصال المساعدات لمن هم بحاجة إليها – إلّا أن السيرورة العملية للقاءات أستانا، وكذلك المآلات التي انتهى إليها أثبتت أنه بات تجسيداً عملياً وترجمة حقيقية لما أراده الروس الذين حققوا من خلاله حتى الوقت الراهن هدفين أساسيين من أهدافهم: يتمثل الأول باحتواء المقاومة المسلّحة من خلال استدراج العديد من الفصائل العسكرية وإشراكها في مفاوضات مستمرة مع الجانب الروسي، وتلك المفاوضات لم تكن في واقع الحال سوى إملاءات روسية، نظراً لانعدام توازن القوى على الأرض.

ويتمثل الهدف الثاني بقدرة الروس على تهميش مسار جنيف، من خلال الالتفاف على القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية السورية، حيث ظلت باقية من حيث الشكل، ولكن مضمونها أعاد الروس إنتاجه في أستانا، ثم صدّروه إلى سوتشي، وهكذا باتت جميع القرارات الأممية مُختَزلةً بلجنة دستورية غير مؤطّرة بزمن محدّد، بحيث تتيح لنظام الأسد وحلفائه استثمارها إلى وقت غير معلوم. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى أذهان كثيرين: إذا كان الروس قد استطاعوا تحقيق أهمّ منجزين من خلال مسار أستانا، الأول عسكري ويتجلى بمصادرة حيّز كبير من مساحة المقاومة المسلّحة، والثاني سياسي، ويتجلى بتحييد القرارات الأممية وإفراغها من مضمونها الحقيقي، فما الذي يريدونه بعدُ؟ وما الذي تريد روسيا الحصول عليه من جانب وفود المعارضة المتعاقبة على المشاركة بلقاءات أستانا؟

تكشف وقائع النسخة السابعة عشرة من لقاءات أستانا، والتي انتهت يوم الأربعاء 22 – 12 – 2021 ، عن مسألتين اثنتين، تتبدّى الأولى في امتعاض المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا (ألكسند لافرينتيف) من عدم واقعية وفد المعارضة السورية، ربما تبدّت (لا واقعية ) وفد المعارضة – بحسب لافرينتيف – من خلال تلفظهم برحيل الأسد أو ما شابه ذلك، ولكن من المُستبعد أن تكون مطالب الروس تنحصر بهذه المسألة التي يعلمون قبل سواهم بأنها (محض لفظية)، ولكن الراجح أن ما يريده لافرينتيف من الوفد السوري المعارض هو إبداء الاستعداد للسعي إلى كل ما من شأنه أن يخفف الحصار الاقتصادي عن نظام الأسد، وكذلك يريد من المعارضة وتركيا معاً الموافقة على أن تكون قنوات المساعدات الإنسانية محصورة بيد نظام الأسد، وربما بصراحة أكثر، يريد من وفد المعارضة وتركيا مكافأةً اقتصادية لنظام الأسد، لقاء تجويعه وتشريده لمئات الآلاف من السوريين.

وتتبدّى المسألة الثانية في ارتفاع نبرة الحديث عن قضية المعتقلين، وبخاصة من جانب وفد المعارضة، ويمكن الإشارة في هذا السياق، إلى عملية تبادل للأسرى بين قوات نظام الأسد وفصائل المعارضة (خمسة أسرى من قوات النظام مقابل خمسة أسرى لدى الفصائل) قد جرت قبل انعقاد لقاء أستانا الأخير بأيام قليلة، وبعيداً عن طبيعة الأشخاص المُفرج عنهم من جانب النظام، من هم، وما سبب اعتقالهم أو احتجازهم، وكم لبثوا في سجون الأسد، إلّا أن هذه العملية بالذات كانت مقصودة (بالتوقيت)، إذ إنها تصلح أن تكون مفتاحاً لحديث إعلامي يهدف إلى الإيهام بحضور قضية المعتقلين في لقاء أستانا السابع عشر، فضلاً عن أن هذا الإجراء – كما تجلى – يحمل إرهاصات عن نوايا روسية خبيثة حيال قضية المعتقلين، إذ تبدو المفارقة جدّ مؤلمة حين يتجاوز عدد المعتقلين والمغيبين في سجون الأسد مئات الآلاف من السوريين، وأمام إصرار نظام دمشق على التنكّر وعدم الاستجابة للتفاعل مع هذه القضية المهمّة، تسعى روسيا لاختزالها بعملية تبادل لا تتجاوز بضعة أشخاص، وهو مسعى واضح، الهدف منه الالتفاف على قضية المعتقلين، وتحويلها إلى مسألة أسرى محدودي العدد عند الطرفين.

أمام إصرار نظام دمشق على التنكّر وعدم الاستجابة للتفاعل مع هذه القضية المهمّة، تسعى روسيا لاختزالها بعملية تبادل لا تتجاوز بضعة أشخاص، وهو مسعى واضح، الهدف منه الالتفاف على قضية المعتقلين

أمّا النبرة العالية للحديث عن المعتقلين من جانب وفد المعارضة، وهو ما لوحظ في هذا اللقاء، فلا يمكن النظر إليه خارج سياق الإثارة الإعلامية، ذلك أن المطالبة الجدّية والاهتمام المخلص بقضية المعتقلين السوريين لا يمكن اختزاله بالتصريحات الإعلامية التي تحاول ملامسة العواطف والمشاعر فحسب، بل يوجب العمل والسعي الدائم لإيجاد برامج مدروسة وخطط عمل، وحراك متعدد الأشكال باتجاه جميع الأطراف المؤثرة سواء أكانت جهات حقوقية أو إنسانية أو حكومات رسمية، ولعل ما يعلمه كثير من السوريين، ولا تنكره المعارضات السورية، هو أنه لا الائتلاف، ولا هيئة التفاوض، ولا اللجنة الدستورية، ولا وفود أستانا، تمتلك خطط عمل وافية أو برامج مدروسة حيال ملف المعتقلين، كما أن جميع الجهات المذكورة لا تملك أي شكل من أشكال التنسيق فيما بينها بخصوص قضية المعتقلين، بل على النقيض من ذلك، إذ غالباً ما يشكو الائتلاف من شح المعلومات وافتقاره إلى قواعد البيانات التي تملكها (منظمات المجتمع المدني) وتمتنع عن تزويد الائتلاف بما لديها من معلومات، بينما تردّ تلك المنظمات على ذلك بتأكيدها أن ما بحوزتها من معلومات هي حصيلة مجهودها، ولا تعطيه لجهة سياسية (الائتلاف) تمارس عليها ضرباً من الاستعلاء السلطوي، في حين ترغب هيئة التفاوض بحيازة الحق بوضع اليد على هذا الملف، لكن دون أن تمتلك مقوّمات هذه الرغبة.

بعد مرور سنوات خمس من عمر مسار أستانا، يبدو أنه بدأ بمنعطف جديد، بعد أن أفضى شطره الأول إلى مُنجز روسي عسكري وسياسي معاً، وربما يتصدر أولويات هذا المنعطف هو السعي للالتفاف على القضايا الإنسانية في الملف السوري، والبدء – تدريجياً – بإفراغها من محتواها الجوهري، عبر تجزيئها وتحويلها إلى موادّ قابلة للتفاوض والصفقات المتبادلة، إذ يدرك الروس أن قضية المعتقلين هي الملف الحقوقي الأبرز الذي يحمل في طياته تهديدا مستمراً لرأس النظام وحاشيته، فإلى أي مدى بإمكان المعارضة السورية أن تصمد أمام الابتزاز الروسي؟.