مزارعو المشمش في الغوطة بين مطرقة الحواجز وسندان التجار

تاريخ النشر: 21.06.2018 | 18:06 دمشق

آخر تحديث: 22.06.2018 | 22:47 دمشق

تلفزيون سوريا - غياث أبو الذهب

عندما قارب نضوج ثمار المشمش في بستان أبي محمود في غوطة دمشق الشرقية، وبدأت تتخذ لونها الأصفر الضارب على الحمرة، كان قلب المزارع السبعيني يهتز فرحاً لسماعه بتجاوز أسعار المشمش 800 ليرة على بعد كيلو مترات قليله، متوقعاً أن يساعده هذا الثمن على تأمين احتياجات منزله الفارغ من كل شيء إلا من أجساد نحيلة ضعيفة وجدران لم يستطع الجنود تعفيشها مع باقي الأثاث.

رفض "أبو محمود العربيني" الخروج من الغوطة الشرقية، وفضل البقاء في أرضه ومنزله بانتظار اكتمال نضوج الثمار في بستانه بمنطقة الأشعري، لقطفها وبيعها في أسواق العاصمة، والتي سيؤمن بثمنها احتياجات عائلته، أو من تبقى من أفرادها، الذين تفرقوا كما هو حال آلاف العائلات نتيجة هجمات قوات النظام على بلدات الغوطة الشرقية خلال السنوات الماضية، فبقي هو وزوجته وابنته وطفلان، بعد فقدانه اثنين من أبنائه ورحيل آخر نحو الشمال السوري مع قوافل التهجير قبل أشهر.
بسبب تفرق أفراد العائلة، لم يستطع أبو محمود وزوجته جني كامل ثمار المشمش، كما في الأعوام السابقة، حين كان أولاده الخمسة يتصدون لهذه المهمة وجميع الأعمال الزراعية وحدهم، حتى قتلت قوات النظام أكبرهم محمود، ثم الأوسط سالم، وهُجرت عائلة ابنه الثالث ضمن الحافلات التي نقلت عشرات الآلاف نحو الشمال السوري.

"إجت الرزقة والنصف بالنصف"

يحمل أبو محمود وزوجته محصوله بسحارتين (الصناديق الخشبية) على دراجة هوائية، لتبدأ رحلة العودة الشاقة، ليس بسبب مسافة الطريق التي لا تتجاوز 4 كم ولا بسبب السير على الأقدام، إنما بسبب مضايقات حواجز قوات النظام الثلاثة الفاصلة بين مزارع الغوطة الشرقية وبلدته عربين.

على الحاجز الأول، وهو أقلها فَظَاظَة، طلب العناصر إفراغ السحارتين لتفتيش الثمار، ولم تفلح توسلات أبي محمود في إقناعهم بأن هذه العملية تضر بالثمار، ليعيد تعبئتها بعد التفتيش بهدوء، ومضى نحو الحاجز الثاني والمعروف بين السكان "النصف بالنصف".

استقبله العنصر بابتسامة ذات المغزى المعروف "إجت الرزقة"، استولى على واحدة وترك له الأخرى، ليغادر وملامح الحزن تزداد في وجهه المتعب.

خوفا من فقدان السحارة الثانية، التف "أبو محمود" وزوجته على الحاجز الثالث ليصلا إلى السوق عبر طريق زراعي، لكن أحداً من التجار لم يهتم بشراء ما يحمل العجوزان، فوضع السحارة على رصيف أمام متجر لبيع الخضار، فبادره التاجر بقوله "أشتري بـ 75 ليرة للكيلو"، ظن أبو محمود أن التاجر أخطأ، فطلب منه التأكد، لأنه يعلم أن المشمش يباع بسعر 800 ليرة سورية، لكن التاجر أكد له أن أعلى ثمن لأفضل الأنواع لا يتجاوز 100 ليرة، بسبب تحكم التجار المرتبطين بقوات النظام، التي منحتهم وحدهم امتيازاً حصرياً لإخراج محاصيل الفاكهة من الغوطة الشرقية.

غادر أبو محمود السوق بوجه تعبر قسماته عن بؤس وجوه معظم المزارعين الذين يستغلهم "تجار النظام" في هذا السوق، كما توضح قصص السرقة المعلنة و"التشليح" على الحواجز العسكرية لجيش النظام ومليشياته.

عقوبة لمن تبقى

قصة أبي محمود وأخر متشابهة، تتكرر يومياً مع مئات المزارعين، فيقفون عاجزين أمام تصرفات عناصر قوات النظام حتى تحولوا لمجرد دافعين للإتاوات ومصدر ربح كبير لمن استغل ظروفهم بعد انتهاء حصار مطبق وعشرات المعارك من حرب دارت لسنوات على أرض بلداتهم التي كانت تأكل دمشق من خيارات خضارها وفاكهتها منذ عقود.

وتستمر معاناتهم وهم الذين باتت الزراعة مصدر رزقهم الوحيد مع تعطل جميع المهن في المنطقة، ومنع النظام خروج البضائع والمنتجات كعقوبة جماعية لمن تبقى من أهالي الغوطة الشرقية.

وتمكنت قوات النظام وحلفاؤها نهاية آذار الماضي، من إحكام قبضتها على مدن وبلدات الغوطة الشرقية البالغ مساحتها (110) كم2، بعد حصار دام نحو ست سنوات ومن ثم عزلها بشكل كامل عن العاصمة دمشق وحرمانها من السوق الكبيرة المصرف الوحيد لمنتجاتها الزراعية والصناعات الغذائية المرتبطة بها.

مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
هل يدفع ازدياد الإصابات بكورونا النظام إلى إعلان إجراءات عزل؟
9 إصابات و23 حالة شفاء من فيروس كورونا شمال غربي سوريا
إصابتان بفيروس كورونا في مخيم العريشة جنوبي الحسكة