icon
التغطية الحية

مركز أبحاث أميركي يرصد مسار سوريا بعد سقوط الأسد ويحدد أبرز مخاطر المرحلة

2025.12.09 | 13:20 دمشق

2523
سوريون يحتفلون بالذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد
CSIS- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه الانتقال الديمقراطي في سوريا تحديات كبيرة رغم تراجع العنف والتحسن الاقتصادي النسبي، ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لتثبيت الاستقرار مثل توسيع قاعدة الحكم وتعزيز المصالحة والعدالة.

- زيارة فريق المركز إلى دمشق تكشف عن تعقيدات تجمع بين الأمل الشعبي وحرية التعبير المتزايدة، وبين تحديات مثل هشاشة البيئة الداخلية والانقسامات الطائفية، مع فجوة متزايدة بين الحكومة والمواطنين وبطء في إعادة الإعمار.

- يحذر المركز من أن نجاح الانتقال يعتمد على قدرة الحكومة على تقديم رؤية واضحة وتوسيع قاعدة الحكم، حيث أن الانفتاح الخليجي والتحولات الإقليمية تفتح نافذة نادرة لسوريا جديدة، لكن التوترات المجتمعية وبطء الإصلاحات قد تقوض فرص الاستقرار.

بعد عام على انهيار نظام الأسد، يقدم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأميركي قراءة معمّقة لمرحلة انتقالية شديدة الحساسية تحدد مستقبل سوريا. فبرغم تراجع العنف، والانفتاح الدبلوماسي، والتحسن الاقتصادي النسبي عقب رفع العقوبات الأميركية، يرى المركز أن نافذة التحول الديمقراطي ضيقة ولا يمكن الركون إلى دوامها ما لم تتخذ الحكومة خطوات عاجلة لتثبيت الاستقرار.
 

توثّق زيارة فريق المركز إلى دمشق صورة معقدة تجمع بين الأمل الشعبي واتساع حرية التعبير من جهة، وبين تحديات بنيوية من جهة أخرى، أبرزها هشاشة البيئة الداخلية، تصاعد الانقسامات الطائفية، وبروز نفوذ "حكومة الظل" داخل مؤسسات الدولة. كما تشير الدراسة إلى فجوة متزايدة بين الحكومة والمواطنين، وبطء إعادة الإعمار، رغم الحراك الاستثماري الخليجي والعلاقات الدولية التي تسعى الحكومة لترسيخها.

 

يحذّر المركز من أن نجاح الانتقال مرهون بقدرة الحكومة على تقديم رؤية واضحة، وتوسيع قاعدة الحكم، وتعزيز المصالحة والعدالة، والوفاء بالاحتياجات اليومية للسوريين. فبينما يفتح الانفتاح الخليجي والتحولات الإقليمية نافذة نادرة لـسوريا جديدة، فإن عدم معالجة التوترات المجتمعية وتمركز السلطة وبطء الإصلاحات قد يجعل هذه النافذة قصيرة العمر، ويقوّض فرص الاستقرار على المدى الطويل.

 

وتتناول الدراسة الأميركية تحديات المرحلة الانتقالية في عموم البلاد، لكنها تتجاهل بشكل لافت تناول قسد أو البنية العسكرية والسياسية القائمة في شمال شرقي سوريا، مكتفية بإشارات عامة إلى مناطق سيطرة الكرد دون الخوض في مستقبل الإدارة الذاتية أو شبكة التحالفات التي تحكم وجودها.

 

يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة ضمن إطار التغطية الصحفية للواقع السوري بعد عام على سقوط الأسد، لذا لا يعتبر نشرها تبنياً لموقف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي تجاه سوريا أو تماهياً مع مقترحاته المطروحة.

 

بعد عام على انهيار نظام الأسد، ما يزال مصير العملية الانتقالية معلقاً ما بين أمل الشعب السوري الصامد والتحديات الجسيمة التي فرضتها سنوات من النزاع المدمر وعقود من الحكم الاستبدادي، بيد أن النافذة المشرعة أمام تحقيق عملية انتقال ناجحة لن تظل مفتوحة على مصراعيها على الدوام، لذا يتعين على الحكومة الانتقالية حتى يكون النجاح حليفاً لها أن تعطي الأولوية لمساعيها في نزع فتيل التوتر الطائفي، وتوسيع سلطات الحكم خارج الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري أحمد الشرع، ومضاعفة الجهود لكسب مصداقية للحكومة في الداخل، وهنا يلعب أصحاب المصلحة من الدول الخارجية وخاصة في الخليج دوراً مهماً وذلك عبر تأكيد شفافية المساعدات والجهود المبذولة للاستثمار في سوريا، مع ضمان سلامتها وصحتها من الناحية الفنية والتنسيق لها بشكل جيد.

في أواسط شهر تشرين الثاني، أمضى فريق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بضعة أيام في دمشق وما حولها، حيث التقينا بعدد كبير من أصحاب المصلحة، بينهم مسؤولين في الحكومة السورية الانتقالية وممثلي منظمات المجتمع المدني السوري والمنظمات الإنسانية والساعية لترسيخ الاستقرار، ووكالات الأمم المتحدة وصحفيين ومستثمرين سوريين وخليجيين. وكان من بين السوريين الذين التقينا بهم أشخاص عاشوا في دمشق طوال فترة النزاع، وآخرون انتقلوا من محافظة إدلب إلى العاصمة بعد الإطاحة بالأسد، وغيرهم ممن عادوا من دول الجوار والشتات.

 

يبدي أغلب السوريين تفاؤلهم بالمستقبل، فلقد سارعت الحكومة الجديدة لإقامة علاقات مع كبرى دول العالم لإنهاء العزلة الدولية التي فرضت على سوريا، ووصلت تلك الحملة إلى ذروتها عندما أصبح أحمد الشرع أول رئيس لسوريا يزور المكتب البيضاوي في تشرين الثاني 2025. كما تراجع العنف في البلد، إذ انخفض لأدنى مستوى قياسي له في تشرين الثاني 2025، وبعد أن أعلن الرئيس ترامب عن رفع العقوبات عن سوريا، تحسنت الظروف الاقتصادية فيها. كما دعمت الحكومة إمدادات الكهرباء في أهم المراكز بالمدن، وأعلن صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد السوري بدأ يُظهر أمارات التعافي بعد زيارة فريقه لدمشق. أي أن هنالك فرصة سانحة أمام الاستثمار في كل تلك الأمور الإيجابية لوضع سوريا على مسار الاستقرار.

انهيار الأسد والفرص التي فتحها رحيله

فُتحت صفحة جديدة في تاريخ سوريا، بعد أن أنهى الهجوم الخاطف الذي خلا من الدماء والذي شنته هيئة تحرير الشام في كانون الأول الماضي حكم آل الأسد الاستبدادي الذي امتد لخمسة عقود ونيف، ما مهد الطريق أمام بناء "سوريا جديدة". أي أن سقوط الأسد خلق فرصاً حقيقية أمام التغيير والإصلاح في البلد، كونه مكن الشعب السوري من السعي لبناء سوريا للجميع، حيث يمكن لكل أبناء وبنات هذا الشعب الغني بتنوعه أن ينجحوا ويحققوا الازدهار. وكانت للحكومة الانتقالية بصمة دبلوماسية ناجحة بشكل لافت، بعد أن أقامت علاقات مع أهم القوى الإقليمية والدولية. ولهذا فإن هنالك عناصر كثيرة للعملية الانتقالية في سوريا تبعث على الأمل في الداخل، وأولها صمود الشعب السوري، ووجود مستوى غير مسبوق من حرية التعبير والاجتماع، والاستعداد بشغف كبير للتعلم من تجارب العمليات الانتقالية الأخرى، مع حسن طوية أبداها أهم أصحاب للمصلحة، وخاصة في الخليج. وعليه، فإن هذه الفرص تعد مفتاح نشر الاستقرار في سوريا، وما يترتب على ذلك من آثار إيجابية على المنطقة ككل.

حرية التعبير والمجتمع المدني النابض بالحياة

حوار مع مسؤولين في الحكومة الانتقالية وصناع المحتوى السوريين- دمشق: 11 من  تشرين الثاني 2025

 

فور عودتنا إلى دمشق للمرة الأولى منذ عام 2011، فوجئنا بالمستوى الكبير من حرية التعبير بلا أي وجل من التبعات والعواقب أو أي تخوف من وجود عنصر مخابرات يترصد في كل مكان، فكل من التقينا بهم تحدثوا بصراحة عن آمالهم وخيباتهم في الحكومة الحالية. وصارت ثلة متنوعة من منظمات المجتمع المدني تجتمع بشكل دوري لتجري مناقشات حية في صالون بيت فارحي، وهي دار عربية تعود للقرن التاسع عشر سكنتها عائلة دمشقية مرموقة من يهود السفارديم، وتقع تلك الدار في المدينة القديمة بدمشق. وفي أحد المؤتمرات التي أقيمت للمؤثرين السوريين، وعند مطالبة أحد مسؤولي الحكومة المؤثرين والمؤثرات بإظهار التقدم الذي تحقق في سوريا، رد أحد صناع المحتوى بالقول بإنه لا يعنيه "التطبيل للحكومة"، بل إظهار وجه سوريا الحقيقي والتحديات التي تكتنفها. وفي أثناء المسير في سوق الحميدية بدمشق عصر أحد الأيام، وبخ أحد الأصدقاء السوريين عناصر الأمن الذين يرتدون الزي الأسود المعروف ويحملون بنادق كبيرة وذلك لأنهم منعوا وصول الناس إلى أحد المعالم التاريخية الشهيرة في تلك المدينة، بسبب وجود مسؤول رفيع المستوى هناك، إذ قال لهم ذلك الصديق: "لماذا تقطعون الطريق؟ إننا لم نتخلص من ديكتاتور لنأت بآخر"، فما كان منهم إلا أن تعاملوا بأدب مع تلك الشكوى على الرغم من رفضهم لما قاله، وهكذا تابعنا طريقنا لتناول طعام الغداء. أما في سوريا الأسد، فيرجح القبض على شخص كهذا، ثم اختفاؤه إلى الأبد.

 

يبدي السوريون أيضاً صموداً وعزماً على إعادة بناء حياتهم، فمن يملك القدرة المالية على القيام بذلك بدأ لتوه بإعادة بناء بيته، حتى وسط دمار مطبق أو في ظل عدم توفر الخدمات العامة الأساسية، وفي عدة أماكن، شاهدنا ذلك المشهد المؤثر لقطع الإسمنت التي وضعت منذ فترة قريبة وسط ركام أبنية يبدو أنها غير صالحة للسكن، كما بدأ المتطوعون بإزالة الردم، في حين أطلق أصحاب المشاريع مبادرات لإعادة تدوير نحو أربعين مليون طن من الركام الإسمنتي في عموم البلد، وذلك لأن: "الردم يدر مالاً" كما أخبرنا أحد السوريين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على روح المبادرة والمغامرة لدى الشعب السوري. كما أن حملات جمع التبرعات التي حظيت بترويج إعلامي كبير في عدة مدن سورية تمكنت من جمع ملايين الدولارات من أجل إعادة الإعمار، وكان من بين المتبرعين مغتربون، فقد أثبت هؤلاء بأنهم أحد العناصر المهمة لانتعاش سوريا وتعافيها، بما أن المستثمرين من المغتربين يرفدون النشاط الاقتصادي في المجتمعات التي لا تصلها المساعدات الدولية.

الدروس المستفادة

عمل مسؤولو الحكومة السورية الانتقالية على دراسة عمليات انتقالية أخرى، وتحدثوا عن "الدروس المستفادة" من لبنان ورواندا وجنوب أفريقيا، ناهيك عما تعلموه من تجربة الإخوان المسلمين في مصر في عام 2011 بما أن تلك التجربة تعطي لمحة وافية عما تعلموه، إذ ذكروا أن الإخوان المسلمين في مصر كانوا من السذاجة بدرجة دفعتهم لارتكاب خطأ في تقدير مكانتهم بين أبناء وبنات الشعب المصري، وذلك عندما اعتقدوا أنهم يتمتعون بشعبية أكبر من شعبيتهم على أرض الواقع بكثير، وذلك لأن نسبة كبيرة من الشعب المصري لا تؤيد الإخوان، وهذا ما جعل مسؤولي الحكومة السورية يشددون على أهمية كسب دعم الشعب السوري وتأييده، وذلك عبر كسب ثقته، والمخيف في هذا السياق حديثهم عن وصول الحكومة السورية الجديدة إلى السلطة بالقوة العسكرية وعلى يد مقاتلين متمرسين، مما جعلهم لا يخشون من قدرة الجيش على الإطاحة بالحكومة الجديدة، كما حدث مع الرئيس المصري السابق محمد مرسي.

الدور الخليجي

تحتل سوريا المستقرة موقعاً محورياً في رؤية الدول الخليجية للتنوع الاقتصادي وللشرق الأوسط الجديد القائم على نوع من الاندماج على المستوى الاقتصادي بحيث يتم مد الجسور من الخليج إلى أوروبا عبر بلاد الشام، خاصة بعد تخلص تلك الدول من ألد خصومها خلال النزاع السوري. واليوم، أصبح أصحاب المصلحة في الخليج، وخاصة في السعودية وقطر، يلعبون دوراً بناء في سوريا وذلك عبر التركيز على نشر الاستقرار فيها، فضلاً عن الدعم المادي الذي قدمته تلك الدول لدفع رواتب موظفي القطاع الحكومي، والعمل على ترسيخ الحكومة الجديدة في سوريا. ولقد أسهم الدعم الخليجي لقطاع الطاقة السوري في تحسين إمدادات الكهرباء في أهم مراكز المدن، حتى مع استمرار معاناة السوريين من أسعار الكهرباء المرتفعة. كما قدمت العناصر الفاعلة الخليجية مساعدات إنسانية عاجلة لسد أي فراغ يحصل في هذا المضمار، ومن بين تلك المساعدات تلك التي وُجهت لمناطق الساحل السوري عقب حرائق الغابات.

 

وبخلاف ما حدث أيام النزاع، أصبحت الجهات المانحة الخليجية اليوم تسعى لتنسيق مساعداتها التنموية مع الأمم المتحدة، آخذة بالحسبان الحاجة لوجود خبرات تقنية عالية في البيئة السورية المعقدة بعد النزاع. كما تلعب تلك الدول دور الجسر بين الأمم المتحدة والحكومة الانتقالية التي ما برحت تضمر شكوكاً تجاه وكالات الأمم المتحدة والدور الذي لعبته أيام حكم الأسد. لذا وبدلاً من تشتت الدعم، أعلن دبلوماسي خليجي من دمشق عن رفد سوريا بالمساعدات عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ولكن بعض المسؤولين في المنظمات غير الحكومية تبرموا من ذلك بسبب صعوبة التعامل مع الجهات المانحة الخليجية، وعللوا ذلك ببطء الرد، وضرورة وجود علاقات شخصية قبل كل شيء.

تتبنى دول الخليج نهجاً يركز على الاستثمار في سوريا، وهذا النهج يتقاطع مع استراتيجية الحكومة الانتقالية ويتعشق بها، غير أن بعض المشاريع الاستثمارية المقترحة مثل مشروع ميترو دمشق ما تزال غير محبذة في هذه الفترة الهشة بما أن 70% من الشعب السوري ما يزال يعتمد في معيشته على المساعدات الإنسانية.

هل المرحلة الانتقالية في خطر؟

ثمة عدد من العقبات التي يمكن أن تعترض سبيل نشر الاستقرار في سوريا، إذ إن حالات الفتنة الطائفية الكبيرة تؤكد على عمق حالة التشكيك بالعملية الانتقالية بين شريحة متنوعة من الشعب السوري، ناهيك عن أن البلد مايزال مقسماً. ثم إن الخبرة المحدودة للحكومة الانتقالية في مجال التعددية والسيطرة اللامركزية يمكن أن تدفع سوريا نحو أحضان الاستبداد من جديد. وفي الوقت ذاته، فإن التوقعات الشعبية التي لم تتحقق في مجال التعافي والانتعاش قد تؤدي للوصول إلى مستويات خطيرة من التشكيك والانتقاد والسخرية، بل وحتى لتجدد النزوح من سوريا. وهذه التحديات في حال عدم معالجتها يمكن أن تحول سوريا إلى مصدر لانعدام الاستقرار من جديد في المنطقة كلها.

حالات التوتر الطائفي  

رجال يرفعون لافتات تطالب بتحرير المعتقلين والابتعاد عن القتل في مظاهرة خرجت بمدينة اللاذقية عقب هجمات استهدفت الطائفة العلوية فيها، تاريخ الصورة: 25 من تشرين الثاني 2025

 

ما تزال العملية الانتقالية في سوريا هشة وتكتنفها تحديات تهدد بحرف البلد عن مساره في حال عدم معالجتها، إذ منذ سقوط الأسد، قُتل أكثر من 3400 إنسان في أحداث عنف طائفي، كان آخرها في حمص حيث وقعت أعمال عنف بين السُّنة والعلويين. وموجة العنف الواسعة التي استهدفت العلويين في الساحل خلال شهر آذار والاشتباكات بين البدو السنة والطائفة الدرزية في السويداء في شهر تموز الماضي تؤكد عمق الانقسامات في المجتمع السوري، كما أن حالات الظلم الصريحة التي تظهر في التعامل اليومي بين الناس تبدو مقلقة هي أيضاً وتذكر المرء بمدى تفسخ النسيج الاجتماعي السوري. إذ خلال تناولنا لطعام الغداء في أحد المطاعم الدمشقية الفاخرة، حدثنا أحد الزملاء عن حادثة تعرضت فيها نادلة علوية لمضايقة من زبون سني وذلك عندما رفض تقديمها للخدمة له، وذكرت صحفية علوية تعرضها لتشويه في سمعتها عندما وصفت بأنها من فلول النظام البائد، على الرغم من أنها كانت تدعم بالسر الإعلام المستقل أيام حكم الأسد.

 

تسببت أحداث الفتنة الطائفية بانتكاس المساعي التي تحاول دمج مناطق سيطرة الأقليات، وخاصة في شمال شرقي سوريا حيث يسيطر الكرد، وفي السويداء الخاضعة لسيطرة الدروز في الجنوب، إذ يمكن القول بإن التقدم في عمية الدمج قد توقف في أحسن الأحوال، نظراً لغياب الثقة بين الحكومة الانتقالية وزعماء الأقليات، وفي ظل غياب التدابير اللازمة لبناء الثقة بهدف ضمان مشاركة الأقليات، يمكن أن تصبح سوريا أكثر عرضة للتدخل الخارجي بعد أن متنت الأقليات علاقاتها بعناصر فاعلة خارجية.

حكومة الظل

تسبب الانهيار السريع لنظام الأسد على يد هيئة تحرير الشام بتدفق كبير للموظفين البيروقراطيين الذين كانوا مقيمين في إدلب، وهكذا نزل الآلاف ممن عملوا لدى الحكومة المحلية بإدلب إلى دمشق ليتولوا مناصب في مختلف الوزارات، كما شكلوا تكتلهم السلطوي داخل الحكومة الانتقالية. وفي ظل هذه المنظومة الناشئة، تركزت السلطة بأيدي قلة من الناس لم يعلن عن مناصبهم الرسمية كما لم يتولوا حقائب وزارية، وهذا ما جعل كثيرين يصفون هؤلاء بـ"حكومة الظل". إذ في بعض الوزارات، تتركز السلطة الحقيقية بيد عناصر من حكومة الظل هذه، فمثلاً، ثمة من يقول بإن هنالك إعادة هيكلة للاقتصاد السوري تديرها لجنة سرية مؤلفة من أفراد يحملون أسماء وهمية، بدلاً من هؤلاء الذين يشغلون مناصب رسمية.

 

بالعموم، يمكن القول بإن هذا التدفق الإدلبي تسبب بظهور مشكلتين رئيسيتين وهما: صراع ثقافي مع أهالي دمشق بعد اصطدام أهالي إدلب المتشددين دينياً بنسبة أكبر من الدمشقيين بثقافة دمشق القائمة على التعددية، كما أن تشددهم في إتباع تعاليم الإسلام لم يتوافق مع الإلتزام الليبرالي بالدين الإسلامي الذي يبديه الدمشقيون. أما التحدي الثاني فيتمثل بالشقاق الذي ظهر بين ما يسمى بـ"أبناء الثورة" الذين خاضوا المعارك لإسقاط الأسد وغيرهم ممن لم يشاركوا في القتال بصورة مباشرة. وهذا ما جعل بعض الأدالبة الموجودين في دمشق يشعرون بالتفوق مع مطالبتهم بمعاملة خاصة في بعض الأحيان ، وقد تجلى ذلك في مرة من المرات برفض أحدهم دفع مخالفة مرورية. إلا أن الحكومة أعلنت عن سعيها لمكافحة الفساد، حيث أمر أحمد الشرع في آب الماضي بإغلاق مكتب شقيقه الأكبر بعد أن اتهم باستغلال اسم عائلته لتحقيق مصالح شخصية.

تمركز السلطة

بعيداً عن النفوذ الإدلبي الساحق، تركزت السلطة داخل الحكومة الانتقالية الجديدة في شخص الرئيس ووزارات سيادية معينة، وهنالك دائرة ضيقة مقربة من السلطة العليا في الحكومة تتمتع بقدر كبير من السلطات، فقد ظهرت وزارة الخارجية على وجه الخصوص كمركز مهم للسلطة، كونها نصبت ممثلين عنها في كل الوزارات كما عينت أتباعاً لها في كل المحافظات والمناطق بسوريا، وهذا ما أثار قلق أحد المراقبين والذي رأى في ذلك نواة لتشكيل خليفة لحزب البعث. وعلى الرغم من أن مسؤولي الحكومة يتحدثون عن خططهم لإقامة نظام سياسي قائم على مشاركة أكبر، يصف ناشطون من المجتمع المدني مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في شباط 2025 وانتخابات مجلس الشعب "بالمسرحية الهزلية"، خاصة بعد عدم صدور أي تلميح من الحكومة بخصوص موعد منحها تراخيص للأحزاب السياسية.

البناء في دولة أفرغت من مضامينها

ورثت الحكومة الانتقالية بيروقراطية أفرغت من محتواها بعد عقود من المحسوبية والحكم الاستبدادي، إذ يخبرنا أحد عناصر هيئة تحرير الشام أنهم لدى وصولهم إلى وزارة الخارجية، وجدوا طبقات من الغبار قد كست المكاتب التي بقيت لسنوات بلا أي عمل، كما بقي مركز الدراسات الاستراتيجية مدمراً طوال خمس سنوات، وهنالك وزارات بأكملها لم يكن يعمل فيها سوى موظف واحد أو موظفين. ولهذا أطلقت الحكومة الجديدة عملية ناجحة للبحث عن الكفاءات في الخارج، وهدفها استقطاب أصحاب المهارات العالية الذين يقيمون خارج البلد وذلك حتى يشغلوا مناصب مهمة داخل البلد. إلا أن هذه العملية تعوزها الشفافية نظراً لعدم الإعلان بشكل صريح عن وجود شواغر في تلك المناصب، ويخبرنا المعارضون بأن السلطة لا تعين في هذه المناصب إلا من تربطهم علاقات مع هيئة تحرير الشام أو من "يمكن السيطرة عليهم" والتحكم بهم.

عملية إعادة إعمار بطيئة وغير متكافئة

ما تزال معظم أنحاء سوريا ترزح تحت الحطام، كما أن الخدمات العامة لا تصل لأجزاء واسعة من البلد، وخاصة في الريف. وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن كلفة إعادة إعمار سوريا تصل إلى 216 مليار دولار، بيد أن سقوط الأسد تزامن مع انهيار المساعدات الدولية، ما يعني بأن عمليات إعادة الإعمار ستبقى أدنى من المطلوب إلى حد كبير، فخطة الاستجابة الإنسانية التي قدمتها الأمم المتحدة لسوريا والتي خصصت لها 3.2 مليارات دولار لم يصلها تمويل إلا بنسبة 25% فقط، وفي ظل هذا الطلب الهائل على إعادة الإعمار، ترتفع أجور عمال البناء المهرة بشكل كبير، ولا تتوفر معدات البناء المتخصصة. وتشتكي بعض المنظمات التي تحاول تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار من القيود الخانقة التي تفرضها الحكومة الانتقالية ومن تركز السيطرة في يدها بشكل واضح، كونها لا تمنح الموافقة لتلك المشاريع، وهذه العقبات أحبطت السوريين الذين علقوا آمالاً كبيرة على الحكومة الجديدة وقدرتها على تسريع وتيرة إعادة الإعمار.

عملية إعادة إعمار جزئية لأحد الأبنية بداريا في ريف دمشق تاريخ الصورة: 11 من تشرين الثاني 2025

 

وبالمقابل، فإن غياب إعادة إعمار يؤخر عودة اللاجئين، إذ منذ أيلول 2025، أصبح أهم ما يمنع اللاجئين في دول الجوار من العودة هو عدم توفر مساكن تؤويهم، وذكر بعض السوريين بأن الوقت مايزال مبكراً على عودة اللاجئين بما أن سوريا ما تزال تعاني نقصاً في المساكن وضغطاً كبيراً على الخدمات العامة، غير أن البطء في عودة اللاجئين يفاقم خطورة التحديات التي تكتنف عملية إعادة الإعمار، بما أن أغلب من يتمتعون بالمهارات المطلوبة لتنفيذ عمليات إعادة الإعمار مايزالون غير راغبين بالعودة.

قصور في التعاطي مع الشعب في الداخل

تحدث كثير ممن أجرينا مقابلات معهم عن خيبة أملهم بالحكومة، واستشهدوا بوجود بون شاسع ما بين التواصل الكبير الذي أجرته الحكومة الانتقالية مع العناصر الفاعلة الدولية، وفشلها في التواصل مع جمهورها في الداخل، فقد ألقى الشرع عدة خطب وجهها للشعب السوري منذ توليه السلطة، وركز فيها على بناء الشرعية مع العناصر الفاعلة الدولية. ولقد كنا في زيارة لدمشق في أثناء زيارة الشرع للمكتب البيضاوي، وسمعنا هناك بأن اتخاذه لخطوات مثل الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة أو العمل على خفض النزاع مع إسرائيل يهدد بخلق حالة نفور كبيرة تجاهه بين أوساط جمهوره ومن بينهم الفصائل الأشد تطرفاً التي تتبع لهيئة تحرير الشام.

 

وعلاوة على ذلك، تهدد الاستراتيجية الخارجية لهذه الحكومة بزيادة توقعات الشعب السوري تجاه حدوث تحسن سريع بمعيشتهم اليومية، قبل أن يحين الوقت لتحقيق ذلك فعلاً، نظراً لفشل هذه الحكومة في تواصلها مع شعبها بشأن وجود تحديات مستمرة تعترض سبيل تحقيق ذلك. إذ في الوقت الذي روجت الحكومة لوصول استثمارات بقيمة 28 مليار دولار إلى البلد في غضون ستة أشهر فحسب، فإن معظم تلك الصفقات لم تتم بعد، وبالنسبة للسوريين الذين يعانون التضخم وضعف الخدمات العامة، وارتفاع نسبة البطالة، فإن الإعلان عن تلك الاستثمارات يخلق حالة من التفاؤل والأمل بشيء لم يتحقق، وهذا ما يحطم مصداقية الحكومة.

توصيات

إن العملية الانتقالية في سوريا هي من سيحدد مصير الشرق الأوسط نظراً للأهمية الجيوستراتيجية التي يتمتع بها هذا البلد بما أنه محور استقرار المنطقة. ويمكن القول إنه بعد مرور سنة على سقوط الأسد، حققت الحكومة الانتقالية تقدماً مهماً، إذ حصدت مصداقية على المستوى الدولي، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في تلبية طموحات الداخل السوري، لذا، وحتى يصبح النجاح حليفاً لها، يتعين على الحكومة الانتقالية أن تستعرض الإنجازات الملموسة التي حققتها في مجال إعادة الإعمار والمصالحة والحكم الرشيد.

كما يجب على الحكومة الانتقالية أن تتخذ الخطوات التالية لتحقيق النجاح في العملية الانتقالية، وهي:

  • الإعلان عن رؤية واضحة لمستقبل سوريا: إذ يجب على الحكومة الانتقالية أن تزاوج ما بين رؤيتها واستراتيجيتها القائمة على التعامل والتواصل على عدة مستويات بحيث تمد يدها للشعب السوري كله على اختلاف قومياته وطوائفه وتنوعها، كما يجب على أحمد الشرع أن يعتمد على دعوته لتوحيد سوريا وأن يبني عليها وذلك عبر التوجه بخطابات دورية للشعب كله، وقد تحدث أحدهم عن إمكانية استفادة الحكومة الانتقالية من أسلوب زيلينسكي في الخطابة عبر تبني الشرع لهذا الأسلوب.
  • الخروج بخطة انتقالية ذات معايير وجدول زمني ومخرجات واضحة تشمل الحكومة كلها: يكتنف النهج الحالي مخاطر وتشوشاً كبيراً، في وقت تحتاج البيئة السورية المعقدة بعد النزاع إلى خطة انتقالية قائمة على تنسيق عال تشمل الحكومة بأكملها، وهذه الخطة يجب أن تحدد الأهداف الرئيسية لكل قطاع إلى جانب تحديد معايير ومؤشرات قابلة للقياس، بالإضافة إلى تحديد جداول زمنية منطقية لتنفيذ تلك الخطة. كما لا بد من الخروج بخطة واضحة لتقسيم العمل بين الوزارات تفادياً لأي تكرار أو قيود، مع تعيين قيادات فنية واضحة تتمتع بسلطة تمكنها من تنفيذ تلك الخطط.
  • توسيع سلطات الحكم خارج نطاق الدائرة الإدلبية الضيقة بما يمكن مجموعة أوسع من التكنوقراط من العمل في مختلف الوزارات: ويمكن لتلك الجهود أن تشتمل على عملية استقطاب للتكنوقراط المهرة العائدين من الغربة، وتشكيل طبقة جديدة من الخبراء الفنيين القادرين على إعادة بناء البلد، مثل إقامة وكالة حكومية سورية للخدمة المجتمعية (على غرار الوكالة الحكومية الأميركية) تعمل على استقطاب طيف واسع من السوريين بهدف بناء سوريا الجديدة.
  • إعطاء الأولوية للحوار ولمساعي المصالحة على مستوى المجتمع: ويشمل ذلك الاستفادة من قطاع المجتمع المدني السوري الذي ينبض بالحياة والذي توسع كثيراً وذلك للبناء على تجارب المصالحة بعد النزاع المستفادة من بيئات أخرى. كما يمكن للحوار العابر للطوائف والذي يركز على الاحتياجات المشتركة أن يسهم في إعادة بناء النسيج الاجتماعي في المجتمعات المختلطة. كما من الضروري مساعدة المنظمات غير الحكومية السورية على رأب الصدع في شمال شرقي وشمال غربي سوريا، بما أن ذلك كان ضرورة منذ أيام حكم الأسد.
  • الخروج بآليات شفافة للعدالة الانتقالية قابلة للمساءلة: لابد من معالجة الصدمات والجراح الغائرة التي خلفها نظام الأسد حتى تترسخ المصالحة في البلد، إذ لا وجود لسلام بلا عدل، ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا من خلال السعي لتحقيقه عبر سبل نزيهة وشفافة وقابلة للمساءلة والتي تشمل تدابير قضائية وغير قضائية لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت على نطاق واسع، وكذلك جرائم الحرب والانتهاكات التي ارتكبت بشكل كبير خلال الحرب والحكم الاستبدادي. وإن المحاكمة التي أقيمت منذ فترة قريبة في حلب بخصوص العنف الطائفي الذي استهدف العلويين في الساحل تمثل خطوة أولى مهمة على هذا الطريق، ولكن حتى يتعافى البلد كله وتشفى جراحه، لابد من محاسبة المجرمين على ما ارتكبوه من جرائم خلال حكم الأسد. يذكر أن إدارة ترامب اتخذت قراراً تاريخياً يقضي برفع العقوبات عن سوريا ومنحت الحكومة الجديدة فرصة لإنعاش سوريا، ولتحقيق الوعد الذي قطعته من خلال استراتيجيتها القائمة على نشر الاستقرار من خلال الاستثمار في سوريا، يجب على الولايات المتحدة القيام بالآتي:
  • إعادة فتح السفارة الأميركية بدمشق: لإبداء الالتزام بنشر الاستقرار في سوريا، وتمتين قنوات التواصل مع كبار المسؤولين في الحكومة السورية، ولتسهيل التعامل مع رواد الأعمال السوريين ومنظمات المجتمع المدني.
  • تشجيع مسؤولي الحكومة السورية على إقامة بيئة استثمارية ملائمة: فبالتعاون مع مؤسسات مجموعة البنك الدولي مثل المؤسسة المالية الدولية والوكالة متعددة الأطراف لضمان الاستثمار، يتعين على الولايات المتحدة تشجيع قانون الاستثمار الجديد على تعزيز الشفافية في الاستثمارات الدولية وتسهيل تعامل القطاع الخاص في مجال إنعاش سوريا وتعافيها مع الابتعاد عن إعادة تشكيل رأسمالية المحسوبية التي كانت سائدة في حقبة الأسد.
  • دعم مساعي الأمم المتحدة في تنسيق جهود الجهات المانحة الدولية: إذ من دون وجود منصة فعالة لتنسيق جهود الجهات المانحة، ستصبح مساعي إعادة الإعمار محكومة بضعف الكفاءة والفاعلية وبالتكرار كما يمكن أن تفشل فشلاً ذريعاً، لذا حتى تنجح مساعي نشر الاستقرار في سوريا، لابد للمساعي الوليدة التي تبذلها الأمم المتحدة أن تعمل على إنشاء منصة مخصصة لكبار الجهات الداعمة بحيث تتعاون تلك الجهات سوية على حل المشكلات الرئيسية إلى جانب تنسيق عملياتها وأمور تمويلها.
  • الضغط على الحكومة لتلتزم بالتعددية السياسية: إن سن قانون يشرعن وجود أحزاب سياسية من شأنه ترسيخ الحريات السياسية التي لا تنالها الشعوب إلا بشق الأنفس، كما يمكن لذلك أن يعزز عملية التمثيل، وأن يساعد على تفادي ظهور حالات أخرى تسهم في زعزعة استقرار البلد بسبب العنف بين الطوائف، بما أن الاستقرار السياسي عنصر أساسي لنجاح أي استراتيجية تعتمد على الاستثمار.
  • تسهيل قيام اتفاق مع السويداء: وهذا يتطلب الضغط على الزعماء المحليين وعلى الحكومة السورية بهدف التوصل إلى اتفاق حول اللامركزية، مع ضمان جاهزية الجانب الإسرائيلي لوقف تدخلاته عبر الحدود، والعودة لتنفيذ اتفاق فض الاشتباك الموقع في عام 1974.

 

المصدر: CSIS