مرسوم حقوق ذوي الإعاقة.. جريمة تمييز معلنة

2024.07.25 | 06:20 دمشق

آخر تحديث: 25.07.2024 | 06:20 دمشق

522222222222222
+A
حجم الخط
-A

أصدر بشار الأسد قبل يومين المرسوم التشريعي رقم (19) لعام 2024 المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والتزامات الجهات العامة والخاصة تجاههم.

فيما يبدو أنه استجابة متأخرة لاتفاقية أممية خاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، سبق لسوريا أن وقعتها في 30 مارس 2007، وصدقت عليها في 10 يوليو 2009. لتصبح بعد ذلك ملزمة بتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وحمايتها، وضمان تمتعهم الكامل والمتساوي بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

في القراءة الأولى لمضمون المرسوم، يلاحظ القارئ أن جملة التعريفات المثبتة في المادة الأولى من فصله الأول، لا تتضمن الإشارة إلى أسباب الإعاقات، أي أن أصحابها يمكن أن يكونوا معاقين بالولادة، وهذا ما هو معروف بشكل عام، ولكن يمكن إضافة فئات أخرى كالمصابين في الأعمال المهنية، وبالتأكيد لا بد أن تشمل أولئك الأشخاص الذين أدت الحروب والصراعات المسلحة إلى إصابتهم. لكن من قام بصياغة المرسوم عمد إلى إغفال الأسباب، ولم يقم بتوصيف فئات كُتب من أجلها.

ضمن هذا المسار، يفرض المرسوم على مجموعة من الوزارات أن تتولى مسؤولياتها تجاه هذه الشريحة من أفراد المجتمع، لكنه يغفل لسبب ما الإشارة إلى مسؤولية الجهات المتسببة بحدوث الإعاقات. أي أن المرسوم يبتر أصحاب الإعاقة عن أفعال جرمية كانوا ضحية لها، فيما يبدو أنه تنصل كامل من الأسباب التي جعلت أعداد فئة لم تخلق معاقة، بل أصيبت لاحقاً، ترتفع بنسب مهولة منذ العام 2011 وحتى تاريخه.

إذاً يمكن استخدام الإعاقة الناتجة عن الأعمال الحربية في المحافل الدولية، ولكن يتم في المقابل تجاهل وجودها في المرسوم الخاص بها محلياً!

في جلسة توقيع الاتفاقية الأممية في عام 2007، وبعد أن أطنب بشرح خطوات نفذتها مؤسسات النظام لحماية حقوق المعوقين، صرح بشار الجعفري، مندوب سوريا الدائم في الأمم المتحدة آنذاك، بأن "استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري وزرع الألغام المضادة للأفراد فيه يشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وخاصة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ إن هذه الألغام تسببت بالعديد من الإعاقات الدائمة نتيجة انفجارها بالسكان وخاصة الأطفال منهم"!

وبعد أكثر من 15 سنة، استفاض بسام صباغ، وريث الجعفري في منصبه الأممي، في بيانه، في أثناء النقاش العام في الدورة الـ 15 لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في امتداح أعمال النظام، واتبع ذات الأسلوب في إحالة الجرائم إلى أفعال "الأعداء". فقال: "لقد كان للحرب الإرهابية التي وقعت على سوريا أثر بالغ على وضع الأشخاص ذوي الإعاقة فيها، وأسفرت أعمال العدوان التي شنتها قوات الاحتلالين التركي والأميركي تحت ذرائع واهية عن تزايد الإعاقات المكتسبة والمركبة، يضاف إلى ذلك استمرار تعرّض المدنيين لمخاطر المتفجرات، بما في ذلك الألغام الأرضية، والذخائر غير المنفجرة، التي خلفتها التنظيمات الإرهابية في المناطق التي كانت تسيطر عليها، وحرّرها الجيش السوري".

إذاً يمكن استخدام الإعاقة الناتجة عن الأعمال الحربية في المحافل الدولية، ولكن يتم في المقابل تجاهل وجودها في المرسوم الخاص بها محلياً!

هذا النمط السلوكي النفعي لممثلي الأسد في المجالس والهيئات الدولية ليس مجرد ألعاب سياسية، بل هو تصوير لبنية لا أخلاقية تحكم ممارسات هؤلاء. فهم يقومون باستغلال كل الحيثيات المتاحة بين أيديهم لتحميل الآخرين المسؤولية عن الكوارث التي حدثت في سوريا، محاولين النأي بالنظام عنها، وتبرئته من كل تبعاتها. فهو، بحسب هؤلاء، لم يقم بأي أذية للمعوقين، بينما كل ما حدث هو إثم الآخرين!

بالتأكيد لن ترد في أي من قرارات النظام أي إشارة إلى وجود عشرات الآلاف من المصابين بالإعاقات بسبب حربه ضد الثائرين عليه، يتلقون العلاجات في المشافي الأردنية واللبنانية والتركية. يجب أن تتولى الدولة السورية مسؤولياتها تجاههم!

هذا القبح الأخلاقي لا يحدث في قاعات الأمم المتحدة فحسب، بل هو في أصله ممارسة داخلية، إذ يتبع هذا الأداء المزري التمييز المكشوف والمفضوح بين السوريين. فمن وقف مع النظام هو ضحية يجب أن تسخر الموارد من أجله، وأن تتجرد المؤسسات الحكومية لدعمه وتيسير أموره، بينما يتم تجاهل الآخرين ممن تسببت أفعال جيشه وميليشياته الداعمة بمصائبهم.

في هذا السياق، يمكن التوقف عند المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2019، الذي أصدره رأس النظام، وقضى بمنح بطاقة تكريم تسمى (بطاقة جريح وطن) للمصابين بنسبة عجز 40 بالمئة فما فوق، بسبب الحرب أو العمليات الحربية أو على يد عصابة إرهابية أو عناصر معادية، وذلك لعسكريي الجيش والقوات المسلحة، وقوى الأمن الداخلي، وكل من أصيب وهو يقاتل بإمرة الجيش.

هذا المرسوم الخاص بالمؤيدين يتضمن في أصله تمييزاً بين الأفراد المصابين بناء على نسب العجز، وكذلك تمييزاً بين هؤلاء والآخرين، بعد أن سخرت الأمانة السورية للتنمية، التابعة لأسماء الأسد، جهودها في سبيل منح بعض المستفيدين ميزات لا يتمتع بها سواهم. ورغم ذلك تكشفت الأيام عن فضائح التمييز بين هؤلاء، والتي تحدث عنها غير واحد منهم في فيديوهات انتشرت في غير وقت بين الجمهور!

بالتأكيد، لم ولن يجرؤ أي من إعلاميي النظام، وقبلهم مسؤوليه، على ذكر مئات آلاف السوريين الذين تسببت أعماله بإعاقاتهم، وما زالوا يعيشون في المناطق الخارجة عن سيطرة جيشه، يتلقون المساعدات من الجمعيات المحلية أو من المؤسسات الدولية. حيث أشارت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير لها صدر في العام 2022 أنه "وفقاً للأمم المتحدة، لدى قرابة 28% من السوريين إعاقة، أي نحو ضعف المعدل العالمي، لأسباب منها إصابات الحرب وعدم تلقي الرعاية والخدمات". وأضافت المنظمة "غالباً ما يكافح الأشخاص ذوو الإعاقة في سوريا، بمن فيهم الأطفال، للفرار من الهجمات، لا سيما بسبب الافتقار إلى الأجهزة المساعدة أو التحذيرات المسبقة الفعالة والشاملة".

بالتأكيد لن ترد في أي من قرارات النظام أي إشارة إلى وجود عشرات الآلاف من المصابين بالإعاقات بسبب حربه ضد الثائرين عليه، يتلقون العلاجات في المشافي الأردنية واللبنانية والتركية. يجب أن تتولى الدولة السورية مسؤولياتها تجاههم!

إنه يتخلى عن سيادته أمام هؤلاء، بينما يشدد مندوبوه، وهم يُظهرون سوريا الأسدية تمتثل للقرارات الأممية، على ألا تتعارض مع الخصوصيات الوطنية، ومختلف الخلفيات التاريخية والثقافية والدينية، بما في ذلك فهمها الخاص للسيادة.

النظام بكل ما يصدر عن رئيسه من مراسيم، وما تصدره مؤسساته من قرارات، لا يعترف بوجود أصحاب إعاقة خارج مناطق سيطرته. فهؤلاء بيئة حاضنة للإرهاب، وهم مستثنون من الأعطيات والمكرمات!

لكن ما لم ينتبه له أفراد جحفل الشر هذا، أن ما يفعلونه، وبما في ذلك هذا المرسوم الجديد، يوقعهم في شر أعمالهم حين يتكشف الواقع عن قيامهم بالتنصل من المسؤولية عن مئات الآلاف من السوريين، وإهمال حق هؤلاء بالتعويض، وفقاً لكل القرارات الدولية ذات الصلة. كما أنهم يرتكبون جريمة التمييز ضد أصحاب الإعاقة، بعد أن شدد القرار الأممي الصادر بتاريخ 20 حزيران لعام 2019، على ضرورة إنهاء الدول للإفلات من العقاب على الأعمال الإجرامية ضد المدنيين، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، وضمان وصول هؤلاء الأشخاص إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعالة، والتعويض حسب الاقتضاء.