عادت قضية الأطفال السوريين الذين تعرّضوا للتعذيب على يد أسرة هولندية حاضنة إلى الواجهة، بعد الكشف قبل أيام عن مذكّرات كتبها أحد الأطفال وهو في التاسعة من عمره، يروي فيها تفاصيل ما تعرّض له وشقيقه من إساءة وتعذيب، وذلك بالتزامن مع محاكمة الزوجين المتهمين.
يُحاكم الزوجان الهولنديان جون وديزي فان دن ب. (38 عاماً) بتهمة تعذيب وتجويع عدد من الأطفال الذين كانوا تحت رعايتهما في مدينة فلاردينجن قرب روتردام، بينهم شقيقان سوريان كانا في كفالتهما منذ يوليو/تموز 2021، بعد فرار والديهما من سوريا بسبب حرب النظام المخلوع.
وبحسب صحيفة "دي تليخراف" الهولندية، فإن أحد الشقيقين احتفظ بمذكرات كتبها في أثناء طفولته، دوّن فيها تفاصيل الإساءة التي تعرّض لها مع شقيقه على يد الزوجين.
وذكر الطفل أنهما حُبسا في بيت للكلاب، وتعرّضا للضرب بأعقاب السجائر المشتعلة وللتجويع الشديد، إذ كانا نادراً ما يحصلان على الطعام. وتشكل هذه المذكرات اليوم جزءاً من الأدلة التي بحوزة النيابة العامة ضد الزوجين.
وبعد نحو سبعة أسابيع فقط من وجود الشقيقين في المنزل، تدخّلت منظمة "نيدوس" لحماية الأطفال وأبعدتهما بعد تلقي بلاغات عن سوء المعاملة.
وفي إفاداتهما لمنظمتي "نيدوس" و"إنفر"للرعاية البديلة، أكّد الطفلان تعرّضهما للضرب والتعذيب، وهي شهادات وصفها ممثل العائلات المتضررة بارت فيسر، بأنها "متطابقة تماماً" بين جميع الجهات المعنية، بما في ذلك الأم البيولوجية والشرطة وطبيب الأطفال.
ورغم تلك البلاغات، سُمح لاحقاً للزوجين الحاضنين باحتضان أطفال جدد.
الفتاة الهولندية.. ضحية جديدة
بعد نحو ستة أشهر، وُضعت طفلتان (إحداهما تبلغ 11 عاماً) في رعاية الزوجين جون وديزي بالتنسيق مع مؤسسة حماية الشباب "ويليام شريكر (WSS)".
وفي مايو/أيار الماضي، نُقلت الطفلة الكبرى إلى المستشفى وهي تعاني كسوراً في العظام وتلفاً في الدماغ، وبلغ وزنها 20 كيلوغراماً فقط رغم أن طولها 1.34 متر.
وقالت النيابة العامة في البداية إنها تشتبه في أن الزوجين دفعاها من أعلى الدرج، لكن بعد صدور تقرير معهد الطب الشرعي الهولندي، رُفعت تهمة الشروع في القتل غير العمد، إذ أشار التقرير إلى أن تلف الدماغ قد يكون ناتجاً عن أسباب أخرى.
ومع ذلك، لا تزال تهم الاعتداء المشدّد والحرمان من الحرية قائمة، في حين قالت والدة الطفلة البيولوجية، عبر ممثل العائلات بارت فيسر: "هذا الأمر صعب جداً عاطفياً (..) رؤية طفلتك مصابة بجروح خطيرة في المستشفى بعد ما حدث لها، هو في نظر أي أم محاولة قتل."
تُقيم الفتاة حالياً في مركز لإعادة التأهيل، وقد أُعلن أن وظائف دماغها تعادل وظائف الأطفال الصغار بسبب إصابتها الدماغية.
ورغم حالتها الخطيرة، فإنها تتحسن تدريجياً، إذ باتت قادرة على التحدث ببضع كلمات والمشي لمسافات قصيرة، كما تذهب إلى مركز رعاية يومين في الأسبوع.
المتهمان أمام المحكمة
مثُل الزوجان جون وديزي فان دن ب. أمام محكمة روتردام في جلسة استماع تمهيدية بعد تغيّبهما عن الجلسات السابقة.
وقال الزوج في المحكمة:"أعتذر عن جلوسنا هنا (..) أندم على ما حدث من أجل الفتاة وزوجتي والجميع، لكن هناك صورة من جانب واحد ولا أريد الخوض في تفاصيلها الآن."
في المقابل، رفضت الزوجة ديزي التعليق خلال الجلسة.
وكشف مركز "بيتر بان" للطب النفسي أن كليهما يعاني اضطرابات خطيرة في الشخصية؛ إذ تفتقر الأم إلى التعاطف وتُظهر سمات نرجسية وحدّية، في حين يعاني الأب من اضطراب عدواني يرتبط بالحاجة إلى السيطرة والسلطة.
وقال المدعي العام إن "خطر العودة إلى الإجرام مرتفع عند التعامل مع الأطفال المعرّضين للخطر"، مشدداً على أن العلاج الإلزامي هو الخيار الأمثل لكليهما.
تقصير مؤسسات الرعاية
خلصت مفتشيتا الرعاية الصحية والشباب والأمن والعدالة في تقرير صدر في يناير/ كانون الثاني الماضي إلى أن مؤسستي "إنفر" و"ويليام شريكر (WSS)"أخفقَتا تماماً في أداء واجباتهما القانونية، إذ تم تجاهل مؤشرات الإساءة، ورُفضت مخاوف الأمهات البيولوجيات، وانقطع التواصل بين الجهات المسؤولة.
ورغم أن تقرير التفتيش أظهر بوضوح وجود أخطاء جسيمة، فإن النيابة العامة قررت عدم مقاضاة مقدّمي الرعاية الأفراد أو المنظمات المعنية، معتبرة أن شروط المقاضاة "مرتفعة جداً" ويصعب إثبات النية الجنائية فيها.
واكتملت المرحلة التحضيرية للقضية، ومن المقرر عقد جلسة الاستماع الموضوعية يومي 6 و7 نوفمبر/تشرين الثاني المقبلين في محكمة روتردام.
وسيُحاكم الزوجان بتهمة تعذيب شقيقين سوريين والاعتداء على الفتاة الحاضنة، في قضية أثارت غضباً واسعاً في الأوساط الحقوقية الهولندية والدولية.