شهد مخيم حندرات للاجئين الفلسطينيين شمال شرقي مدينة حلب عودة جزئية ومحدودة لسكانه في الفترة التي تلت سقوط النظام المخلوع، إذ لم يعد إليه سوى نحو 500 عائلة من أصل قرابة 9500 عائلة كانت تقطنه، بينهم عائلات سورية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي ما تزال تعيق عودة الحياة إلى المخيم، ويعود ذلك إلى الدمار الواسع الذي خلفه القصف الجوي والبري لقوات النظام المخلوع خلال الأعوام الممتدة بين 2013 و2016، إضافة إلى الانهيار شبه الكامل في البنية التحتية، وغياب الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي، فضلاً عن تضرر الطرق، ما يجعل العودة والاستقرار أمراً بالغ الصعوبة حتى اليوم.
وخلال جولة أجراها موقع تلفزيون سوريا داخل المخيم، بدا المشهد قاسياً بكل تفاصيله، حيث تنتشر آثار الدمار في معظم الأحياء، وتبقى بعض الطرق مغلقة بسبب ركام المنازل المهدمة، بينما يضطر الأهالي إلى شراء مياه الشرب عبر الصهاريج في ظل غياب شبكة المياه، وهذا الواقع يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان العائدون، والذين يحاولون التكيف مع ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
مخيم حندرات
ويقع مخيم حندرات على بعد نحو 13 كيلومتراً شمال شرقي مدينة حلب الواقعة في شمالي سوريا، ويمتد المخيم على التلة المقابلة للتلة التي كان يتربع عليها مشفى الكندي والذي دمره النظام المخلوع أيضاَ، وبالقرب من مصب قناة الجر القادمة من الفرات والتي تتحول إلى شلالات صناعية قبل أن تجري ضمن مجرى نهر قويق الذين يدخل مدينة حلب جهة الشمال الشرقي، وقد أسس مخيم حندرات في العام 1962 على مساحة تقارب 0.16 كيلومتر مربع، ليكون ملاذاً لآلاف اللاجئين القادمين من شمالي فلسطين، ولا سيما من منطقة الجليل الأعلى، وعلى مدى عقود، شكل المخيم مجتمعاً متماسكاً ضم نحو 7 آلاف نسمة، قبل أن يرتفع عدد سكانه خلال السنوات التي تلت تأسيسه، ومع انتقال قرابة 300 عائلة من مخيم النيرب ضمن مشروع لتخفيف الاكتظاظ عام 2003 زاد العدد أكثر.
دخلت فصائل من الجيش الحر إلى المخيم في شهر نيسان/أبريل من العام 2013، ليتحول سريعاً إلى ساحة معارك عنيفة استمرت حتى عام 2016، تعرض خلالها لقصف مكثف أدى إلى تدمير واسع في المنازل والمرافق الخدمية، بما في ذلك المدارس وشبكات المياه والكهرباء، وخلال تلك الفترة، نزح معظم السكان إلى مناطق مختلفة، وانقسمت مواقفهم بين مؤيد ومعارض، فيما انخرط بعضهم في تشكيلات عسكرية، أبرزها "لواء القدس" الموالي للنظام المخلوع، ليبقى المخيم لسنوات شبه خال، قبل أن تبدأ عودة خجولة لا تزال تصطدم بواقع صعب ومعقد.
دمار شامل وخدمات منهارة
يقف مخيم حندرات شاهداً على كارثة عمرانية وإنسانية خلفتها حرب النظام المخلوع على الشعب السوري واللاجئين الفلسطينيين، حيث تشير تقديرات لجنة التنمية في مخيم حندرات إلى أن نحو 80% من أبنيته تعرضت للدمار، فيما باتت غالبية المنازل المتبقية غير صالحة للسكن، ورغم توقف المعارك منذ العام 2016، وسيطرة النظام المخلوع على المنطقة في تلك الفترة، لا تزال أكوام الركام تملأ أحياء المخيم، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي خلفه القصف.
وفي جولة لموقع تلفزيون سوريا داخل المخيم، بدت الحياة شبه معدومة، حيث يعيش السكان وسط جدران متصدعة وخدمات شبه غائبة، يقول اللاجئ أبو قصي: "هناك نقص كبير في الخدمات الأساسية، جرى إصلاح الكهرباء من قبل الأونروا، لكنها لا تغذي سوى قسم صغير من أحياء المخيم، وهناك مناطق لم يصلها التيار نهائياً"، ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "تم تشغيل خزان المياه وترميمه، لكننا لم نستفد منه، لأن شبكة المياه مدمرة بالكامل، خصوصاً في المنطقة الجبلية الوعرة، والتي تشكل ثلثي مساحة المخيم، وكما تعرف المخيم يمتد على منطقة جبلية وعرة، وحال الطرق داخل المخيم مأساوية".
ويؤكد إبراهيم أبو هاشم، مدير لجنة التنمية في مخيم حندرات، لموقع تلفزيون سوريا، فشل مشروع خزان المياه الذي أنشأته منظمة دولية قائلاً: "الخزان موجود لكنه بلا فائدة، لأن الشبكة متصدعة بسبب قصف النظام المخلوع، ولم نجد أي استجابة حقيقية حتى الآن"، ومع حلول الليل، تتفاقم المعاناة، حيث يقول أبو هاشم: "يتحول المخيم إلى مدينة أشباح، لا توجد إنارة في الشوارع، ولا يشعر الناس بالأمان، خاصة على أطفالهم”.
عودة محدودة للنازحين
رغم سيطرة النظام المخلوع على مخيم حندرات في عام 2016، وما تلاها من سنوات بقي خلالها المخيم تحت نفوذ "لواء القدس" الموالي له، لم تشهد المنطقة عودة فعلية واسعة للأهالي، بل اقتصرت العودة على أعداد محدودة للغاية، وبدا أن النظام المخلوع خلال ما يزيد عن 8 سنوات من سيطرته على المخيم لم يقدم أي نوع من الخدمات فيه، ولم تجري أي عمليات ترميم أو فتح للطرق، وتشير تقديرات لجنة التنمية في مخيم حندرات إلى أن نحو 500 عائلة فقط عادت إلى المخيم، من أصل ما يقارب 9500 عائلة كانت تقطنه قبل انطلاق الثورة السورية، بينهم عائلات فلسطينية وأخرى سورية، توزعت العودة بين نحو 300 عائلة فلسطينية و250 عائلة سورية، في ظل واقع خدمي ومعيشي صعب لا يشجع على الاستقرار.
ويؤكد إبراهيم أبو هاشم أن العامل الأبرز الذي دفع بعض الأهالي للعودة لم يكن تحسن الأوضاع داخل المخيم، بل الضغوط الاقتصادية خارجَه، ولا سيما الارتفاع الكبير في الإيجارات في مناطق النزوح، قائلاً: "ملايين الليرات لا يستطيع أحد دفعها، لذلك اضطر الناس للعودة رغم الدمار، لكن الترميم الجزئي لا يكفي، نحن بحاجة إلى إعادة إعمار حقيقية تعيد الحياة إلى المخيم".
وبحسب أبو هاشم، لا تزال عمليات الترميم محدودة جداً ولا ترقى إلى حجم الدمار، إذ تقدم وكالة "أونروا" دعماً مالياً يتراوح بين 1000 و4000 دولار وفقاً لحجم الأضرار، إلا أن عدد المستفيدين يبقى ضئيلاً مقارنة بالاحتياج، حيث لم تحصل سوى نحو 50 عائلة على هذا الدعم منذ سقوط النظام المخلوع، ما يعكس فجوة كبيرة بين حجم الأضرار والاستجابة الفعلية.
وعلى المستوى الإنساني، تعكس شهادات السكان حجم المعاناة اليومية التي يعيشها العائدون، يقول أبو سمير: “أعيش اليوم في منزل ليس لي بعد تدمير بيتي، ولم نحصل على أي معونة منذ سنة ونصف، وإذا طُلب مني الخروج، فلا مكان أذهب إليه"، ويضيف واصفاً ظروف الحياة: "لا توجد حياة كريمة، الكهرباء تنقطع لأيام، والخدمات شبه معدومة".
وفي ظل هذه الظروف، يوضح أحد الأهالي الذين اضطروا للنزوح إلى مدينة حلب أن العودة ما تزال حلماً بعيد المنال لكثيرين، قائلاً: "الإيجارات ارتفعت بشكل كبير، بعضها وصل إلى مليون ليرة وبعض البيوت يطلب أصحابها مليونين، ولا نستطيع تحملها، لكن في الوقت نفسه لا يمكننا العودة قبل ترميم بيوتنا. كل ما نريده هو إصلاح منازلنا لنعود ونعيش بشكل طبيعي".
نقص الخدمات
يوضح إبراهيم أبو هاشم، مدير لجنة التنمية في مخيم حندرات، أن المخيم دخل بعد سقوط النظام المخلوع في مرحلة من الفوضى والفراغ الإداري استمرت نحو شهرين، في ظل غياب أي جهة تتولى إدارة شؤونه أو متابعة أوضاع السكان العائدين، وهذا الواقع دفع الأهالي إلى التحرك بشكل ذاتي، حيث بادر عدد من الناشطين الثوريين إلى تشكيل لجنة تنمية محلية، بالتنسيق مع الجهات الرسمية، بهدف تنظيم العمل داخل المخيم ومحاولة الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
ويشير أبو هاشم إلى أن اللجنة سعت منذ تأسيسها إلى توزيع المهام عبر تشكيل فرق متخصصة، شملت لجاناً خدمية وصحية وتعليمية ونسائية، إلى جانب لجنة للصلح المجتمعي لمعالجة الخلافات، وأخرى للتواصل مع الجهات الأمنية لضبط الوضع العام داخل المخيم، في محاولة لإعادة الحد الأدنى من الاستقرار إلى منطقة أنهكها القصف والمعارك.
ورغم هذه الجهود، لا تزال الخدمات المقدمة محدودة جداً ولا ترقى إلى حجم الكارثة، إذ تقتصر التدخلات الحالية على بعض أعمال النظافة، بينما تعاني شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي من أضرار جسيمة تعيق تشغيلها بشكل فعال، وعلى الرغم من ترميم مركز صحي بدعم من بعض المنظمات الدولية، فإن مستوى الخدمات الصحية والإغاثية يبقى متواضعاً، خاصة في ظل وجود نحو 500 عائلة تعيش ظروفاً معيشية صعبة داخل المخيم.
ويؤكد أبو هاشم أن الاستجابة الإنسانية ما تزال دون المستوى المطلوب، رغم التواصل المستمر مع المنظمات الدولية والجهات الداعمة، مشيراً إلى أن العائق الرئيسي يتمثل في ضعف التمويل وقلة الموارد المتاحة، كما لفت إلى أن المخيم شهد خلال فترة سيطرة "لواء القدس" تجاوزات عدة، من بينها الاستيلاء على عدد من المنازل وإسكان عناصره فيها، ما زاد من تعقيد المشهد الاجتماعي وأثر على عودة بعض الأهالي إلى منازلهم.
يقف مخيم حندرات في مدينة حلب عند مفترق طرق، بين دمار واسع خلفته الآلة العسكرية للنظام المخلوع، ونقص حاد في الخدمات، وآثار اجتماعية لا تزال تلقي بظلالها على حياة الأهالي بعد سنوات من النزوح والانقسام، ورغم الجهود التي يبذلها الأهالي لإعادة ترتيب شؤونهم والتمسك بما تبقى من مقومات العيش، فإن هذه المحاولات تبقى محدودة أمام حجم التحديات القائمة.
ويبدو أن إعادة الحياة إلى المخيم لن تتحقق دون تدخل جاد وشامل، يبدأ بإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية، ولا ينتهي عند توفير الخدمات الأساسية والدعم الإنساني المستدام، وبين انتظار الاستجابة وواقع الإمكانات المحدودة، يبقى أمل الأهالي معلقاً بفرصة حقيقية تعيد إلى المخيم دوره كمأوى آمن، وتمنح أبناءه بداية جديدة تعوض سنوات الفقد والانتظار.