مخيم الهول.. كيف تهرب عائلات "تنظيم الدولة"، ومن يسهّل هروبهم؟

تاريخ النشر: 19.08.2020 | 08:24 دمشق

آخر تحديث: 19.08.2020 | 13:36 دمشق

إسطنبول - خالد سميسم

يعتبر مخيم الهول من أخطر المخيمات في سوريا، إذ نشط المخيم بشكل فعلي بعد سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، على آخر معاقل "تنظيم الدولة" في بلدة الباغوز شرقي دير الزور، وافتتحت "قسد" مخيم الهول منتصف نيسان 2016، لغرض استقبال النازحين الفارين من مناطق خاضعة لتنظيم "الدولة" واللاجئين العراقيين من المدن الحدودية القريبة من بلدة الهول شرقي الحسكة.

وبحسب تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (OCHA) فإن مخيم الهول شرقي الحسكة في سوريا أصبح يضم ما يزيد على 62 ألف نازح، منهم مايقارب 40 ألف لاجئ من العراقيين والسوريين، إلى جانب أكثر من 11 ألف  شخص من عائلات تنظيم الدولة غالبيتهم نساء وأطفال ينتمون إلى 54 دولة آسيوية وأوروبية بحسب إحصائية أصدرها معهد واشنطن للدراسات.

 

Untitled-1.jpg
طفل يقف أمام خيمة في مخيم الهول (تلفزيون سوريا )

 

مخيم الهول سجن كبير داخل الصحراء

مصدر لموقع تلفزيون سوريا وصل إلى عمق المخيم، الذي يعتبر سجنا كبيرا وسط الصحراء والخروج منه أشبه بالمستحيل، لاسيما في ظل التشديد الأمني الكثيف داخله كونه يحوي عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الأجانب، بالإضافة إلى مايزيد عن 1500 عنصر يحمون المخيم بإشراف قوات من التحالف الدولي، وتجهيزات لكاميرات مراقبة ليلية ونهارية داخل وعلى أسوار المخيم، ورغم كل هذا التحصين فإن المخيم يشهد بشكل متكرر حالات هروب وتهريب لعائلات مقاتلي التنظيم، تكلل غالبيتها بالنجاح في حين أخفق البعض منها.

 

نساء عناصر تنظيم الدولة في مخيم الهول
نساء عناصر تنظيم الدولة في مخيم الهول (أرشيف)

 

"قسد" المتهم الأبرز لتسهيل هروب عائلات التنظيم

وصلت مصادرنا الخاصة في المخيم بعد عدة زيارات وعمليات تقصٍ إلى نتيجة إلى أنه من المستحيل الخروج من المخيم إلا بمساعدة إحدى الجهات المسؤولة عن حماية المخيم، منها منظمات مدنية وأخرى أمنية بالإضافة إلى منظمات طبية تعمل داخل المخيم، وبحسب المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها فإن شهر حزيران الفائت شهد إبطال محاولة تهريب نساء من الجنسية الجزائرية داخل سيارة إسعاف تتبع للهلال الأحمر الكردي.

حاولت "قسد" المشرفة على المخيم إخفاء القصة بعد اعتقالها لسائق سيارة الإسعاف وست عناصر من حرس البوابة الرئيسية في المخيم بتهمة إبطال كاميرات المراقبة وحذف التسجيلات لمدة 30 دقيقة خلال فترة عملهم في الوردية المسائية، ليتم التأكد فيما بعد من نجاح عملية تهريب لامرأتين عراقيتين مع أطفالهن من "القسم السادس" في المخيم (قسم نساء وأطفال مقاتلي تنظيم الدولة الأجانب)، وأضاف المصدر أن "قسد" تشن حملة اعتقالات تطول عناصر لها وآخرين من عائلات المقاتلين الأجانب عقب كل عملية تهريب تشكف في المخيم وذلك كتمويه أمام التحالف الدولي.

مخيم الهول "بنك" لمسؤولين في جهاز استخبارات "قسد"

من خلال تقصٍ وصلنا إلى أحد المهربين في مدينة القامشلي والذي فضل إخفاء هويته ويعمل في تهريب عائلات تنظيم الدولة من مخيم الهول إلى خارج المخيم.

يقول المهرب إن مسؤولين رفيعي المستوى من جهاز الاستخبارات التابع لـ"قسد" ومقربين منه من بينهم "زركار قامشلو" و "وئام برو" يستغلون المخيم لجني ملايين الدولارات عبر عمليات التهريب التي من المستحيل أن تكتمل إلا بموافقتهم وتعتبر أغلى أنواع الصفقات تلك التي تحوي على تهريب عائلات مقاتلي التنظيم من الجنسيات الأوربية كالبلجيكيين والفرنسيين والجنسية الروسية بحسب المهرب.

ويعمل زركار قامشلو كمسؤول تحقيق في جهاز استخبارات "الوحدات الكردية" التابعة لـ"قسد" واسمه الحقيقي "رزكار عبدو شيرو" (37 عاماً) وينحدر من مدينة الدرباسية شمالي الحسكة، ويقيم في مدينة القامشلي، كما يعمل "وئام برو"  (32) كمسؤول إداري في مخيم الهول ويعتبر من المقربين من جهاز استخبارات "قسد"، من مدينة المالكية بريف القامشلي، ولديه بتر في يده اليمنى بعد إصابته خلال إحدى المعارك، وتم توقيفه سابقاً بتهمة التهريب لتعود "قسد" وتفرج عنه بعد وساطات وتعتبر مهمته الأساسية داخل المخيم هي التنسيق و ترتيب المسارات لإخراج من يريد الهروب بعد التنسيق مع "رزكار قامشلو" الذي يتولى الأمر خارج المخيم.

ويضيف المهرب، أن "قامشلو" و "برو" تقاضوا خلال شهر أيار الفائت مبلغاً وقدره 25 ألف دولار لقاء تهريب ثلاث نساء من عائلات التنظيم إلى خارج المخيم وتم استلام الحوالة من مكتب في مدينة الحسكة على ثلاث دفعات، فيما لم تعرف وجهة النساء القادمة.

Untitledس-1.jpg
مخيم الهول (تلفزيون سوريا)

"قسد" ليست وحيدة

تقول إحدى عناصر حرس القسم الخامس لقبت نفسها "مروة" والتي تتبع لـ"وحدات حماية المرأة" في مخيم الهول، إن عشرات السيارات و الشاحنات التابعة لمنظمات أممية وأخرى محلية تحمل تراخيص ومهمات عسكرية يسمح لها بالتجول في كل أنحاء المخيم، دون أي عمليات تفتيش دقيقة لما يدخلونه ويخرجونه من المخيم.

وتمنح هذه التراخيص من قبل قيادات عليا في إدارة المخيم، حيث اكتشف حرس المخيم في وقت سابق عمليات تهريب تتم داخل الشاحنات إضافة إلى عمليات تهريب عبر سيارات الإسعاف التابعة لمستشفى المخيم، أو لمنظمة الهلال الأحمر الكردي، بحجة إخراج المرضى إلى مستشفيات في مدينة القامشلي، ليتبين فيما بعد أن عملية تهريب لعدة نساء من عائلات التنظيم مع أطفالهن قد تمت، وفق ما أظهرته تسجيلات كاميرات المراقبة في المستشفى وداخل المخيم.

وتضيف "مروة" أن هناك تعاون على مستوى كبير داخل المخيم لإخراج النساء الأجانب مقابل مبالغ مالية طائلة تصل في بعض الأحيان إلى 10 آلاف دولار، للشخص الواحد، بالتنسيق مع مهربين لإخراجهم خارج المخيم أو إلى الأراضي العراقية بحسب ما ذكر في أحد محاضر التحقيق مع مهربين ألقي القبض عليهم في وقت سابق.

وأشارت "مروة" إلى أن المحققين يتعمدون إخفاء معلومات ووثائق من ملفات التحقيق والإفراج عن مهربين ضالعين في هذه القضايا بشكل مفاجئ وذلك لتورط مسؤولين من قيادات "الإدارة الذاتية" في المنطقة.

وأظهرت وثائق مصورة لدى أجهزة أمن المخيم بحسب ما أفادت مصادر إدارية داخل المخيم، قيام سائق صهريج مياه يعمل لصالح منظمة "اليونيسف" التابعة للأمم المتحدة، بمحاولة تهريب عدد من عائلات عناصر تنظيم "الدولة" من مخيم الهول، وأكدت التحقيقات المستندة إلى الوثائق، أن السائق أخفى العائلة التي يريد تهريبها في حجرة مخفية أسفل الصهريج قبل أن يقوم حرس المخيم بالقبض عليهم وإحالتهم للتحقيق، ورغم التشديد الأمني والطبيعة الجغرافية الصحرواية لمخيم الهول ما زالت عمليات التهريب مستمرة حتى الآن.

 

مصدر أموال التهريب

السؤال الذي يطرح نفسه هنا.. من أين يأتي كل هذا المال؟ الإجابة التي وصلتنا لم تكن رسمية.. فمعظم النساء في المخيم على ما يبدو استطعن إدخال النقود دون دراية أحد، وذلك بإخفائها بأماكن يصعب تفتيشها، والأكثر غرابةً هو ظهور دعوات تبرع إلكترونية بهدف جمع المال لدفعه إلى المهربين، صحيفة الإندبندنت البريطانية كشفت في وقت سابق عن قيام نساء من مقاتلي التنظيم في المخيم بإطلاق حملات في صيف عام 2019، تحت اسم "العدالة للأخوات" استطعن من خلالها ومن خلال حملات مماثلة جمع آلاف الدولارات عبر موقع "باي بال" وحده.

Capture_2.PNG
مراسلة عبر تطبيق تلغرام (خاص)

 

 تخطيط منظم وشبكات تهريب.. ضعف للحراسة وتواطؤ من الداخل.. تغييرات عسكرية على الأرض وفوضى في المخيمات أضف إليها تبرؤ الدول من رعاياها من مقاتلي التنظيم، كلها ظروف شجعت عائلات التنظيم على شق طريقهم بأنفسهم خارج أماكن الاحتجاز.