مخطط الكرملين المعادي للديمقراطية

تاريخ النشر: 17.09.2020 | 20:52 دمشق

آخر تحديث: 24.09.2020 | 13:12 دمشق

فورن أفيرز - ترجمة وتحرير ربى خدام الجامع

أنشات الاستخبارات الروسية عام 2016 وكالة أبحاث الإنترنت وهو مركز قرصنة يهدف إلى نشر معلومات مغرضة خلال الانتخابات الأميركية، بلغت كلفته حوالي 1.25 مليون دولار شهرياً، ما يجدد المخاوف من تكرار الهجوم الافتراضي في الانتخابات الرئاسية القادمة.

وقالت مجلة فرون أفيرز في تحقيق مطول إن ما يزيد من هذه المخاوف، أن الولايات المتحدة ليست مستعدة مطلقاً للتعامل مع الوضع في حال تم تنفيذ هذا السيناريو، لكونها لم تقم إلا بالنزر اليسير لتقف في وجه أي هجمات جديدة. إذ منذ عام 2016، لم يصدر الكونغرس الأميركي أي قانون مهم يستهدف من يقومون بنشر المعلومات المضللة باستثناء عقوبات محدودة فرضت على أفراد من المسؤولين الروس إلى جانب مؤسسات روسية، كما لم يفرض على شركات وسائل التواصل الاجتماعي أن تتخذ إجراء ضد ذلك.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا للتحقيق

كيف قامت روسيا بتحديث مخطط عام 2016 لتستخدمه في عام 2020؟

في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة للانتخابات الرئاسية لعام 2020، ثمة سبب يدفعنا إلى التفكير بأن البلد قد يتجنب هذه المرة حملة التدخلات الكبيرة التي نفذتها روسيا في عام 2016. فبالعودة إلى ذلك التاريخ، يمكن القول أنه كان لدى موسكو فرصة واضحة، عبر إدارة وكالة أبحاث الإنترنت وهو مركز قرصنة أقامه الكرملين في سانت بطرسبرغ لنشر معلومات مغرضة خلال الانتخابات الأميركية، بلغت كلفته حوالي 1.25 مليون دولار بالشهر. ويعتبر ذلك مبلغاً صغيراً يدفع على انقلاب ملحوظ في السياسة الخارجية، والذي يتمثل بشخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الموالية لروسيا، والهزيمة المذلة لهيلاري كلينتون (التي لم تعجب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ أمد بعيد)، والأهم من كل ذلك، كانت تلك فرصة لفضح الديمقراطية الأميركية وكشف مواطن الخلل فيها. وبذلك تحولت الولايات المتحدة التي لم تكن مستعدة لكل ذلك ولم تنتبه للعملية الروسية التي تم التخطيط لها إلى لقمة سائغة.

وبعد مرور أربع سنوات على ذلك، أصبحت حسابات موسكو أقل مباشرة. فلقد أصابت الجائحة وما تلاها من انخفاض كبير في أسعار النفط البلاد في مقتل، كما انخفضت شعبية بوتين إلى حد كبير. ففي الماضي، استعان الرئيس الروسي بمكاسبه على صعيد السياسة الخارجية، مثلما حدث عند غزوه للقرم في عام 2014 والتدخل العسكري في سوريا الذي امتد لسنوات، وبذلك حافظ على دعم الداخل له. إلا أن الاتفاق الضمني الذي يكمن خلف هذه الاستراتيجية التي ستعيد لروسيا عظمتها على الساحة العالمية كان بحاجة لبعض التضحيات الاقتصادية التي يجب أن يقدمها الشعب الروسي، بيد أن هذا الاتفاق أصبح هشاً حتى قبل تفشي الجائحة. واليوم، مع وصول الاقتصاد الروسي إلى حافة الركود الذي سيمتد لفترة طويلة، يرغب معظم الروس في أن تقوم حكومتهم بالتركيز على المشكلات الداخلية. وذلك لأن توريطهم في مغامرة تتصل بالسياسة الخارجية للدولة سيكون مهمة صعبة بالنسبة لهم.

وبالإضافة إلى كل تلك المخاوف في الداخل، لا بد للكرملين من العمل بجد أكبر حتى يتمكن من التلاعب بالأصوات في الولايات المتحدة مع إخفاء أي أثر لها يتصل بذلك. واليوم يقوم المحللون في الداخل بمراقبة عمليات التضليل الإعلامي التي تمارسها روسيا في مختلف بقاع العالم. فقد أصبحت شركات التواصل الاجتماعي أكثر عدوانية وهي تقوم بإزالة شبكات من الحسابات والبرامج غير الموثقة، وباتت على استعداد أكبر لتوجيه الاتهام لموسكو وغيرها من الحكومات فيما يتصل بهذا الموضوع. فقد كشف التحقيق الذي أجراه المستشار الأميركي الخاص روبرت مولر أساليب العمليات التي قام بها الكرملين وأورد تفاصيل محرجة حول ذلك، وذكر وبالاسم الموظفين العاملين لدى وكالة أبحاث الإنترنت والمتنفذين لدى الاستخبارات العسكرية الروسية، التي قامت بتنفيذ هجمات إلكترونية على اللجنة الديمقراطية الوطنية وعلى حملة كلينتون أيضاً.

لكنه من المنطقي أن تجرب روسيا حظها مجدداً، فقد نصب بوتين نفسه قائداً لروسيا مدى الحياة، فقوض بذلك مبدأ الإيمان بالديمقراطية إلى حد كبير، إذ ما يزال هذا الهدف يصب في مصلحة الكرملين. ثم إن معظم التدخلات التي قامت بها روسيا عام 2016 كان هدفها توسيع الخلافات حول قضايا اجتماعية حساسة مثل العرق والهجرة والدين. وقد تعمقت تلك الفروقات فقط خلال فترة تفشي فيروس كورونا، ما أعطى فرصة أكبر لنشر المزيد من الاضطرابات.

ثم إن الانقسامات الأكبر ضمن الولايات المتحدة تعني المزيد من التركيز الذي سيوليه البيت الأبيض لشؤونه الداخلية بحيث يضعف اهتمامه بالتصدي للأنشطة التي تمارسها روسيا في سوريا أو أوكرانيا أو غيرها من الأماكن. وإذا خشي الكرملين في وقت من الأوقات من أي عواقب محتملة بعد فضحه، فإن الرد البارد الذي أبدته الولايات المتحدة بعد عام 2016 بدد تلك المخاوف. إذ بالرغم من أن التحقيق الذي أجراه المستشار الخاص كشف إلى أي مدى تدخلت فيه روسيا، إلا أنه تسبب بصدور 13 لائحة اتهام فقط بحق مواطنين روس، معظمهم من ذوي الرتب المتدنية لدى وكالة أبحاث الإنترنت أو الاستخبارات العسكرية الروسية. كما فرض الكونغرس الأميركي المزيد من العقوبات التي استهدفت مسؤولين روس وشركات روسية، لكنه تجنب فرض المزيد من الإجراءات العدوانية، مثل فرض حزمة عقوبات واسعة على النشاط التجاري الروسي، وقطاع الأعمال، أو تقييد عمل المؤسسات المالية الروسية ووصولها إلى نظام الدفع المصرفي الدولي سويفت. وطيلة تلك الفترة، عارض ترامب -الذي يعتبر أي ذكر للتدخل الروسي بمثابة تهجم على شرعيته- توجهات استخبارات بلاده عبر تصديقه لما أنكره بوتين.

وبذلك خرجت الحكومة الروسية من تلك الأزمة أوقح من ذي قبل، ويتضح لنا ذلك من خلال ما مارسته من أعمال وقحة وعلى المكشوف خلال السنوات التي أعقبت ذلك. ففي عام 2018، قامت الاستخبارات العسكرية الروسية بدس السم لعميل مزدوج سابق اسمه سيرغي سكريبال ما أدى لوفاته في المملكة المتحدة. وفي مطلع هذا العام، وردت تقارير عن قيام روسيا بالتنسيق لمخطط وضعته في عام 2019 تقوم بموجبه بدفع جوائز لمقاتلي طالبان عند قيامهم بهجوم على العساكر الأميركان في أفغانستان. وفي الوقت ذاته، قام الروس من باعة الأخبار المغرضة المتجولين بتهذيب أساليبهم، حيث قامت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطة بروسيا بنشر الأكاذيب حول عدد من المواضيع، بدءاً من هجوم سكريبال مروراً بحركة استقلال كاتالونيا، وأخيراً حول الجائحة.

وفي هذه الأثناء ردت الحكومة الأميركية بفتور على التدخل الروسي، وأصبح اليوم جل اهتمامها وتركيزها ينصب على انتشار الجائحة. ولهذا أدركت روسيا وغيرها أنهم يقومون بدفع باب مفتوح بالأصل، ومع دخول لاعبين جدد في لعبة التضليل الإعلامي، لن يتكرر سيناريو عام 2016 مع عام 2020 على أغلب الظن فقط، بل سيكون أسوأ منه بأشواط ومراحل.

 إعصار من المعلومات الكاذبة

يتمثل جزء من الخطر هنا في أن روسيا لم تعد تمثل خطراً وحيداً، وذلك لأن عدم وجود رد انتقامي جدي عليها أو تعرضها لعواقب وخيمة على المدى البعيد بسبب ممارساتها وسلوكها ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام غيرها ليحذو حذوها. إذ بالنسبة لهؤلاء أصبحت العملية التي نفذها الكرملين عام 2016 ضد الولايات المتحدة بمثابة دليل متاح يشرح كل ما جرى خطوة بخطوة.

فالخطوة الأولى تعتمد على تكوين وبناء جمهور، إذ منذ مطلع عام 2014، أنشأت وكالة أبحاث الإنترنت حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي وادعت بأنها تعود لمواطنين أميركيين عاديين. وعبر استخدام تلك الحسابات، أنشأت محتوى على الشابكة لم يكن بالضرورة يسعى إلى ترسيخ الانقسام أو يحمل أي توجهات سياسية، بل تم العمل عليه ليستقطب انتباه الناس ويسترعي اهتمامهم. فقد قام أحد الحسابات التابعة لوكالة أبحاث الإنترنت على إنستغرام وهو: @army_of_jesus بنشر صور في بداية الأمر من مسلسل The Muppet Show وعائلة سيمبسون. وما بين عامي 2015-2017، اشترت وكالة أبحاث الإنترنت أيضاً أكثر من 2500 إعلان على الشبكة بقيمة بلغت 100 ألف دولار تقريباً وذلك لتقوم بنشر صفحاتها والترويج لها.

الخطوة الثانية: غير التوجه

بمجرد أن يقوم البعض بمتابعة الحساب الذي تديره وكالة أبحاث الإنترنت، يبدأ هذا الحساب فجأة بنشر محتوى يدعو إلى ترسيخ الانقسام بناء على العرق والهجرة والدين. فمن أهم وأبرز تلك الحسابات نذكر مجموعة معادية للهجرة على فيس بوك وتحمل اسم: حدود آمنة Secured Borders، وهنالك حساب يؤيد قضية حياة السود مهمةBlack Lives Matter وموجود على فيس بوك وتويتر، ويعرف باسم Blacktivist. أما أشهر مجموعة تسيطر عليها وكالة أبحاث الإنترنت الروسية، فهي مجموعة المسلمون المتحدون الأميركيون United Muslims of America وكان لديها أكثر من 300 ألف متابع على فيس بوك بحلول أواسط عام 2017، قبل أن يقوم فيس بوك بتعطيل ذلك الحساب. بيد أن كثيرا من الحسابات بدأت بنشر محتوى معاد لكلينتون في عام 2015، إلى جانب نشر رسائل تأييد لترامب خلال عام 2016.

الخطوة الثالثة: اجعل الأمر يبدو وكأنه حقيقي

في ذلك الحين عمدت الحسابات الوهمية التي أنشأتها وكالة أبحاث الإنترنت إلى إرسال رسائل خاصة لمتابعيهم الحقيقيين، وحث الأميركيين على تنظيم مسيرات من شأنها أن تثير بعض الجماعات المعارضة ضد بعضها. فبحسب تحقيق المستشار الخاص، تبين بأن حساب وكالة أبحاث الإنترنت على إنستغرام الذي يحمل اسم: Stand for Freedom وقفة من أجل الحرية قد حاول أن ينظم مسيرة مؤيدة للكونفدرالية في هيوستن منذ مطلع عام 2015. وخلال السنة التي تلتها، حرضت مسيرة أخرى نظمتها وكالة أبحاث الإنترنت في هيوستن ضد الإسلاموية في تكساس، ما أدى لتحريض المتظاهرين ومن خرجوا ضدهم ضد بعضهم بعضا أمام مركز الدعوة الإسلامية. وبالعموم، تمكن تحقيق المستشار الخاص من تحديد العشرات من المسيرات التي نظمتها وكالة أبحاث الإنترنت في الولايات المتحدة.

كما تمكنت تلك الوكالة من الوصول إلى ملايين البشر، حيث قدر عددهم بـ 126 مليون إنسان من خلال فيس بوك وحده، بحسب ما ذكرته الشركة، و1.4 مليون شخص من خلال تويتر. بينما هيمنت آلاف الرسائل الإلكترونية التي سُرقت من حملة كلينتون ونشرتها الاستخبارات العسكرية الروسية على العناوين الرئيسية للأخبار طوال أشهر، فلطخت سمعة الحزب الديمقراطي وحملة كلينتون معاً. بيد أن هذا النجاح في الوصول إلى أعداد غفيرة من الأميركيين بكلفة قليلة نسبياً لم يمر مرور الكرام، لا سيما من قبل الأنظمة الاستبدادية. إذ بدأت الحكومة الإيرانية مثلاً بعمليات التضليل الإعلامي الخاصة بها على مدار العامين الماضيين، حيث استعانت بأساليب ذكرتنا في معظم الأحيان بأساليب وكالة أبحاث الإنترنت الروسية. وفي عام 2018، قامت شركة فيس بوك بإزالة الحسابات والصفحات والمجموعات المرتبطة بحملتين للتضليل الإعلامي (أو ما يعرف بسلوك غير موثق يعتمد على التنسيق حسب توصيف تلك الشركة) كانت إيران منشأهما.

فقد استهدفت إحدى هاتين الحملتين المستخدمين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث قلدت تركيز وكالة أبحاث الإنترنت على القضايا الاجتماعية التي تدعو للانقسام، لا سيما العرق، وقامت بالترويج لذكريات تدعم اللاعب في دوري كرة القدم الأميركي والناشط في مجال العدالة الاجتماعية كولين كيبيرنيك إلى جانب رسومات كرتونية تنتقد الرئيس القادم لمحكمة العدل الأميركية العليا بريت كافانوف.

أما الحملة الإيرانية الثانية التي ظهرت في شهر كانون الثاني من عام 2019، فقد ركزت على النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني والحروب في كل من سوريا واليمن، واستهدفت مستخدمي فيس بوك وتويتر في عشرات البلدان، بينها فرنسا وألمانيا والهند والولايات المتحدة. إذ على الأقل تمكنت صفحة من صفحات فيس بوك التي تتحكم بها إيران ضمن تلك الحملة من جمع مليوني متابع تقريباً. وفي مطلع هذا العام، قام فيس بوك بإزالة مجموعة أخرى من الحسابات المرتبطة بإيران والموجهة لاستهداف الولايات المتحدة قبل الانتخابات الرئاسية.

يذكر أن مجموعة أخرى من الدول التي تضم بنغلاديش ومصر وهندوراس وإندونيسيا وإيران وكوريا الشمالية والسعودية وصربيا وفنزويلا قد وقعت ضحية أيضاً لمخالفتها قواعد فيس بوك وتويتر فيما يتصل بحملات التضليل الإعلامي، بيد أن أهم لاعب جديد على الساحة هو الصين، فحتى فترة قريبة ظلت بكين تحد من جهودها في مجال الدعاية والبروباغاندا لتقتصر على جيرانها، ففي ذروة الاحتجاجات التي قامت في هونغ كونغ صيف عام 2019، قامت شركتا فيس بوك وتويتر ولأول مرة بإزالة حسابات وصفحات مرتبطة بالحكومة الصينية، لكونها قامت بنشر معلومات مضللة حول الاحتجاجات وأخذت تشكك في شرعيتها. وفي خضم محاولاتها لتغيير الرواية حول طريقة تعاملها مع تفشي كوفيد-19 أبدت بكين طموحاً أكبر بكثير من ذي قبل، إذ في ذروة تفشي الجائحة في أوروبا خلال الربيع المنصرم، أطلقت الصين مجموعة من هجمات التضليل الإعلامي ضد عدة دول أوروبية، حيث نشرت معلومات زائفة حول أصل الفيروس وفعالية استجابة الدول الديمقراطية لهذه الأزمة. وهذا ما دفع المملكة المتحدة للقيام بسابقة تمثلت في توبيخ بكين بشكل مباشر وعلني خلال شهر حزيران/يونيو من هذا العام.

ما يعني أن الانتخابات القادمة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الديمقراطية لا بد وأن تتعرض لهجمة من المعلومات المضللة فنظريات المؤامرة لا تصدر فقط عن روسيا، ولكن أيضاً عن الصين وإيران وفنزويلا وغيرها. وهذه الهجمات ستمر عبر عدد من القنوات وهي الإعلام الرسمي التقليدي الذي تموله الدولة، والمنصات الرقمية التي تظهر على حين غرة، والحسابات والصفحات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي. كما ستقوم تلك الدول بنشر تقنيات الذكاء الصناعي لإنتاج أشياء واقعية مزيفة، بينها مواد سمعية ومرئية يتم تصنيعها بالذكاء الصناعي ومن الصعب تمييزها عن المواد الواقعية الملموسة. كما سيتم تنسيق الجهود بين أهم منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيس بوك، وإنستغرام وتويتر ويوتيوب، وأيضاً عبر منصات أصغر، مثل ميديوم وبينتريست، ورديت، التي تحتاج إلى معدات أكبر لتدافع عن نفسها. ومن المرجح أن تقوم وسائل التواصل الاجتماعي الصينية الجديدة وعلى رأسها تطبيق تيك توك الذي يقوم بنشر الفيديوهات بسرعة هائلة بالرضوخ للضغوطات السياسية الأميركية والعمل على كشف وفضح تلك الحملات القائمة على التضليل الإعلامي، لا سيما تلك التي تقوم بكين بتنفيذها. وبذلك سيتحول الخرطوم الروسي الذي يرش الأكاذيب رشاً -كما وصفه باحثون يعملون لدى مؤسسة راند- إلى إعصار يعم العالم بأسره.

ما يعني أن المخطط الروسي المرسوم لهذه اللعبة قد نسخه وقلده آخرون، لكنه تطور أيضاً، ويعود الفضل الأكبر في ذلك لابتكارات موسكو نفسها. إذ بعدما أبلت شركات وسائل التواصل الاجتماعي بلاء حسناً في التحقق من الحسابات مثلاً، شرعت روسيا في حملة للبحث عن أساليب تقوم من خلالها بنشر حملاتها دون الاعتماد على ملفات وهمية على الشابكة. ففي سباق الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا عام 2019 والتي تحولت إلى حقل تجارب بالنسبة لأشكال الحرب السياسية الروسية الجديدة، جرب عملاء روس حظهم مع حساب يحمل اسم: إيجارات. وقد اعترف عميل خائف واحد على الأقل بمحاولته دفع المال لأوكرانيين لا تدور حولهم أية شكوك ليقوموا بتسليم إدارة حساباتهم على فيس بوك لغيرهم بشكل مؤقت. فقد خطط ذلك العميل لاستخدام تلك الحسابات الموثقة لنشر محتوى مضلل ولشراء إعلانات سياسية.

كما أجرت موسكو اختبارات على أساليب مماثلة في أماكن أخرى، فخلال الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية لعام 2018 في مدغشقر، أنشأ عملاء روس صحيفة مطبوعة ووظفوا طلاباً ليكتبوا مقالات إيجابية حول الرئيس الذي كان يشغل ذلك المنصب حينها. كما اشترى هؤلاء العملاء لوحات إعلانية وإعلانات تلفزيونية، ودفعوا للمتظاهرين ليقوموا بالخروج في مسيرات، ثم دفعوا لصحفيين ليقوموا بالكتابة عن هؤلاء. وفي خريف عام 2019، حملت حملة تضليل إعلامي كبيرة ارتبطت بييفغيني بريغوزين، وهو رجل أعمال روسي وصديق مقرب من بوتين، يقال إنه من أسس وكالة أبحاث الإنترنت الروسية، استراتيجية الإيجار الجديدة إلى عدد من الدول الأفريقية، بينها الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى، وساحل العاج، وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا وموزامبيق، والسودان. وفي كل حالة من تلك الحالات تعامل عملاء روس مع الأهالي ليخفوا الأصل الحقيقي للحملة، وليجعلوا من الهيمنة الأجنبية مسألة تقوم على صوت الفاعلين المحليين.

إن إنشاء إعلام يضم غرباء عنه وكذلك مؤسسات متخصصة بوسائل التواصل الاجتماعي، كما فعلت روسيا في أفريقيا لهي عملية قابلة للتطوير أكثر من المشاركة في اختيارات تظهر على الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أتاح لروسيا الوصول إلى جمهور أكبر. والأهم من ذلك أنها سمحت لروسيا بأن تجتث قصة التدخل الأجنبي من جذورها، وذلك بالاعتماد على حسابات أجنبية يكشف موقعها الجغرافي عن هويتها الحقيقية. وبذلك، وفي غضون أربع سنوات فقط، اختفى الخط الذي كان واضحاً في فصله بين التضليل الإعلامي في الداخل والخارج.

وقد يحض ذلك الأميركيين على أن يقوموا بتأجير حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أو قد يقتنع هؤلاء -كما ورد في رواية مشوهة حول اقتصاد العقود قصيرة الأجل- بإدارة حملات تضليل إعلامي بأنفسهم. وقد يتحول مواطنون أميركيون إلى بيادق دون قصد منهم في خضم كل هذا، بما أنه يمكن للعملاء الروس أن يؤسسوا وبكل سهولة ويسر شركات قد تبدو قانونية وتضم غرباء عن الإعلام وأن تدفع بالدولار الأميركي. وبذلك يمكنهم أن يصلوا إلى أهدافهم عبر منصات تراسل مشفرة مثل واتساب (كما فعلوا في أفريقيا)، مما يضفي عليهم غطاء آخر من السرية. ونظراً لوجود محتوى كاذب يقدمه أجانب ويبدو مثل محادثات حقيقية من الداخل وهي محادثات محمية بموجب التعديل الأول من الدستور، عندها تصبح عملية تعقب تلك الحسابات أصعب بكثير. إذ بوجود سيل من الهجمات، أضف إلى ذلك الأساليب والطرائق المعقدة التي تتم الاستعانة بها لتفادي التعقب، فإن ذلك كله قد يشوش الحكومات وشركات وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك الباحثين ويمنعهم من تعقب تلك الحسابات.

استعدوا للصدمة!

إن الولايات المتحدة ليست مستعدة مطلقاً للتعامل مع الوضع في حال تم تنفيذ هذا السيناريو، لكونها لم تقم إلا بالنزر اليسير لتقف في وجه أي هجمات جديدة. إذ منذ عام 2016، لم يصدر الكونغرس الأميركي أي قانون مهم يستهدف من يقومون بنشر المعلومات المضللة خلا عقوبات محدودة فرضت على أفراد من المسؤولين الروس إلى جانب مؤسسات روسية، كما لم يفرض على شركات وسائل التواصل الاجتماعي أن تتخذ إجراء ضد ذلك.

وفي الحقيقة لم يتضح من لديه مشكلة بالفعل في الحكومة الأميركية. إذ إن من مهام مركز التدخل العالمي مجابهة التضليل الإعلامي بتمويل من الدولة، وبوصفه جزءاً من وزارة الخارجية الأميركية، لم يقم أحد بتفويضه ليقوم بإجراء داخل الولايات المتحدة. فقد نشرت مجموعة تضم وكالات حكومية دليلاً حول الطريقة التي يتعين من خلالها على الحكومة الفيدرالية أن تقوم بتنبيه عامة الشعب الأميركي تجاه التدخل الأجنبي، إلا أن هذا الدليل يتسم بالضعف عندما يفصّل الأمور. كما أصدرت وكالة الأمن الإلكتروني وأمن البنية التحتية كتيباً ممتعاً يشرح سهولة استقطاب مجتمع على الشابكة عبر طرح قضايا سليمة النوايا ظاهرياً، تماماً كما يتم وضع شريحة أناناس فوق فطيرة بيتزا. ثم إن المؤسسة الأم لهذه الوكالة، وهي وزارة الأمن الداخلي، تعمل على ضمان وتأمين الآليات المادية للانتخابات، وتحديث واستبدال آليات التصويت الإلكترونية، ودعم الأمن وتعزيزه بالنسبة لحفظ بيانات الناخبين. وقد حاولت تلك الوزارة أن تحسن عملية مشاركة ونشر المعلومات بين السلطات الفيدرالية والمحلية وتلك الخاصة بالدولة. كل ذلك يمثل إجراءات ضرورية ومهمة في عملية صد أي قرصنة للانتخابات، غير أنها لن تجدي نفعاً مع عمليات التضليل الإعلامي الأجنبية. كما أن ميل ترامب لطمس الحقائق وتقويض دور وكالات الاستخبارات الأميركية قد زاد من التشويش الذي يتعرض له الأميركان حول طبيعة الهجوم الروسي الذي وقع في عام 2016، والذي تركهم عرضة بالفعل لعمليات قد تحدث في المستقبل وهدفها سحب الثقة من العملية الديمقراطية.

ومن جهتها قامت شركات وسائل التواصل الاجتماعي بالاستجابة لذلك وإصدار سياسات بخصوص تلك العمليات كل من جانبه، إذ عندما حظرت تويتر كل الإعلانات والدعايات السياسية (كما قيدت ظهور بعض تغريدات ترامب لانتهاكها سياسة تويتر ضد السلوك المسيء الذي ينطوي على انتهاكات)، أعلنت فيس بوك أنها ستسمح بظهور الإعلانات السياسية بصرف النظر عن مدى صحتها. وبما أن شركات وسائل التواصل الاجتماعي تهتم كثيراً بخصوصية مستخدميها، لذا فإنها رفضت فكرة مشاركة البيانات مع جهات من خارج الشركة، مما صعب على الحكومات وعلى الجهات المستقلة أن تقوم بإبلاغ العامة حول مدى خطورة تلك التهديدات. ففي الولايات المتحدة، تضيف عملية الحماية التي تصل لأبعد مدى بموجب التعديل الأول لقانون حرية الكلام مستوى آخر من التعقيد وذلك مع محاولة الشركات البحث ضمن المنطقة الرمادية لتحديث المحتوى.

وأخيراً ظهرت مجموعة من مراكز الأبحاث والجهات الاستشارية والمنظمات غير الربحية لتفضح حملات التضليل الإعلامي، ولتنصح الحملات السياسية بالابتعاد عن ذلك الأسلوب، إلى جانب تطوير أدوات يمكن استخدامها للرد على التهديدات التي قد تظهر مستقبلاً مثل عمليات التزييف العميقة. بيد أن الفضح لوحده لا يكفي لصد الخصوم أو حتى مواكبة التطور السريع لأساليبهم. ففي بعض الأحيان قد تقدم عملية حول المعلومات المضللة لأساليب الحملات مخططاً يمكن للآخرين أن يتبعوه. وقد يحدث الشيء عينه عندما يشرح مراقبون روس أساليبهم التي اتبعوها لتعقب عمليات التضليل الإعلامي، وبمجرد أن تصل تلك الأساليب للناس، ستحاول روسيا وسواها الالتفاف عليها. وبذلك ستواصل الشركات والباحثون والحكومات لعبة الضرب في الهواء دون نتيجة، حيث ستعمد إلى إغلاق حملات التضليل الإعلامي بمجرد ظهورها دون اتباع أي استراتيجية استباقية لمنع ظهور تلك الحملات في المقام الأول.

لقد تأخرت الولايات المتحدة في تدعيم دفاعاتها في الوقت المناسب من أجل الانتخابات التي ستجري في تشرين الثاني/نوفمبر، ولكن ليس كثيراً، ولهذا يجب أن يتم التركيز على روسيا، نظراً لمكانتها ووضعها بوصفها الأصل الأساسي والمبتكر الرئيسي لعمليات التضليل الإعلامي. ولحسن حظ واشنطن، أصبح الكرملين ميالاً لاتخاذ قرارات محسوبة بعناية، فقد أظهر بوتين نفسه راغباً ومستعداً لخوض غمار الأخطار في سياسته الخارجية، ولكن هنالك حد للتكاليف التي ستترتب على تلك السياسة. ولهذا يجب أن تتلخص مهمة واشنطن بزيادة معاناة موسكو في حال تورطها بحملات تضليل معلوماتي أخرى، لأن هذا يرسل بدوره رسالة واضحة لغيرها من الدول التي تتطلع لتقليد روسيا.

وكخطوة أولى، يتعين على الحكومة الأميركية أن تضيف عدداً من الأفراد والمؤسسات المرتبطة بالحكومة التي تدخلت في حملات التضليل الإعلامي إلى قائمة العقوبات الخاصة بها. ثم إن القرارات التنفيذية وقانون مناهضة خصوم أميركا عبر العقوبات التي أقرها الكونغرس في عام 2017 يعطي الحكومة السلطة التي تخولها لممارسة أقصى درجات العدوانية على هذه الجبهة. ثم إن تغيير سلوك الدول عبر العقوبات، كما تسعى الولايات المتحدة إلى أن تفعل الآن الاتفاقية النووية المعطلة مع إيران، وهذا يتطلب وجود نظام عقوبات موسع يربط حسن السلوك بتخفيف العقوبات. وهذا ما نفتقده في التعامل مع روسيا، إذ يمكن لسياسة عقوبات أكثر جزماً، وهي قد تحتاج إلى سن قانون جديد، دون أن تتسبب بمعاقبة جهاز الحرب الإلكترونية الروسية بأكمله، أي الوكالات الحكومية وشركات تقانة بعينها والمجرمين الإلكترونيين.

ثانياً، يتعين على وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية أن تزيد من تمويل المراكز البحثية المستقلة والصحفيين الاستقصائيين الذين يعملون على فضح الفساد المرتبط بروسيا في مختلف بقاع العالم. فقد كشف بحث حول وثائق بنما في عام 2017 أجراه الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين عن تفشي الفساد ضمن الدائرة المقربة من بوتين، إلا أن أحداً لم يتوصل لمعرفة كم الفساد الذي ساعد على تمويل حملات التضليل الإعلامي التي ترعاها الدولة، إلا أن الأموال التي خصصت لإنشاء وكالة أبحاث الإنترنت أتت معظمها من مصادر غير مشروعة. ولهذا فإن الكشف عن الشبكة الروسية المعقدة للتمويل غير المشروع يعتبر أمراً حاسماً في عملية قطع شريان الحياة عن تلك العمليات. إذ بمجرد أن يتم تحديد الشركات والأفراد والمؤسسات المتورطة في خطط تمويل غير مشروع لدعم حملات التضليل الإعلامي والعمليات الإلكترونية المرتبطة بذلك، عندها يصبح أمر معاقبتهم تحصيل حاصل. إلا أن هذا العمل الاستقصائي مكلف للغاية وخطير في بعض الأحيان. ففي عام 2018 مثلاً، قتل ثلاثة صحفيين روس في جمهورية أفريقيا الوسطى وهم يتقصون عن أنشطة مجموعة فاغنر، وهي مؤسسة عسكرية خاصة يسيطر عليها بريغوزين، والتي ارتبط اسمها بحملات التضليل الإعلامي الروسية التي انتشرت في أفريقيا خلال عام 2019.

ولعل الأهم من ذلك هو أن الحكومة الأميركية يجب أن تقوم بما هو أكثر من ذلك لتشرح لمواطنيها ماهية التضليل الإعلامي الذي تموله الدولة، ولماذا يجب عليهم أن يأخذوا حذرهم منه. إذ قبل الانتخابات الوطنية في عام 2018، عمدت الحكومة السويدية إلى إرسال رسائل إلكترونية لكل بيت وأسرة في البلاد لتشرح لهم في كتيب تفاصيل فكرة التضليل الإعلامي، وكيف يمكن التعرف إليه، وكيف يجب أن نتصرف حياله. بينما قامت حكومات أوروبية أخرى، وعلى رأسها المملكة المتحدة خلال فضيحة سكريبال بتطوير حملات تواصل استراتيجية للتصدي لتلك الروايات الزائفة. كما أنشأ الاتحاد الأوروبي من خلال جناحه المختص بالشؤون الخارجية آلية رد سريع على الدول الأعضاء بالنسبة لمشاركة ونشر المعلومات حول حملات التضليل الإعلامي الأجنبية. لذا يمكن لواشنطن أن تتعلم من تلك التجارب التي خاضها شركاء لها. ولكن بوجود رئيس ما يزال يشكك بالأدلة الواضحة للتدخل الروسي منذ أربع سنوات، ستصبح هذه المهمة شاقة بالنسبة للحكومة الأميركية، هذا إن كان بوسعها القيام بها أصلاً. ولكن إذا لم تتصرف واشنطن حيال ذلك الآن، عندها قد يبهت الأميركيون في انتخابات 2020 تماماً كما أصابتهم الصدمة وحالة عدم التصديق في عام 2016. بيد أنهم لن يلوموا سوى أنفسهم هذه المرة.