مختارات القصة القصيرة: "الرجال يبكون أيضاً" لـ أيمن ناصر

تاريخ النشر: 05.02.2021 | 18:54 دمشق

 تلفزيون سوريا

مختارات القصة القصيرة، زاوية أسبوعية يقدّمها قسم الثقافة للقرّاء كل يوم جمعة، وهي مخصصة لعرض قصة قصيرة من تأليف أديبات وأدباء سوريين.

 

عن القصة وكاتبها

قصة "الرجال يبكون أيضاً" واحدة من 12 قصة قصيرة ضمتها مجموعة قصصية حملت عنوان "رهان الغيم" للكاتب الرقّي، أيمن ناصر.

والكاتب أيمن ناصر من مواليد الرقة 1958، عضو اتحاد الفنانين التشكيليين العرب ومؤسس لجمعية ماري للثقافة والفنون في سوريا. وحائز على دبلوم فنون تشكيلية.

نال جائزة ابن قرة الحرّاني في القصة القصيرة 2008. وله العديد من الدراسات الأدبية والقصص في الصحف السورية والعربية.

مؤسس ورئيس ملتقى الأدباء والكتاب السوريين في مدينة شانلي أورفا التركية حيث يقيم حالياً. له بالإضافة إلى مجموعته القصصية، روايتان مطبوعتان: "اللحاف" 2008، و"روجين" 2019.

القصة

ذاتَ ليلٍ ملطخ بالدمِ ورائحةِ الغدرِ والخيانة، اعتُقل والدي. كان ذلك قبل النكسة بعام في منتصف الستينيات.. ما زلت أذكر ذلك وكأنّ ما جرى يجري أمامي للتوِّ حين داهم رجال المباحث بيتنا. كان أبي يجلس إلى مكتبه يقرأ كعادته في غرفته المطلة تماماً على الفرات.

كان بحكم مركزه الوظيفي مديراً للنفوس واشتغاله في السياسة يُعتبر من أعيان البلدة. اقتحموا المكان وقيدوا يديه إلى الخلف. منعوه من الكلام ثم اقتادوه إلى سيارة لاندروفر رصاصية اللون تقف بالباب.

وقفت أنظر من النافذة، أتابع أبي، فوجئت بالمعاملة السيئة التي يعامله بها الأوغاد!  لصغر سني كنت أعتقد أن والدي من المكانة بحيث لا يستطيع أحد أن يمسسه بسوء، لكني أدركت خطأ اعتقادي. فلا كبير عندهم إلا البعير.

كانوا أربعة، أبقوا أحدهم في السيارة يراقبه، وعاد الثلاثة يمزقون الأثاث ويحطمون كل ما يقع تحت أيديهم من أغراض بحجّة البحث عن سلاح ومنشورات. صورة عبد الناصر نترها البدين عن الجدار ورماها على الأرض. حتى النضيدة لم تسلم من أذاهم. بلمح البصر كانت الفرُش واللحُف ملقاة على أرض الغرفة مثل خراف ذبيحة افترستها قطعان ذئاب. ومطواة المخبر تبقر بطونها وتجز جلودها.

حاولت والدتي منعهم لكن احدهم لطمها بقفا يده ورماها أرضاً. اللطمة شقت شفتها العليا وكسرت لها سناً. كان اللهب يتأجج في صدري وأنا أرى أمي تقع متألمة، عيناها تدمع وفمها ينـزف فقد آذاها السافل. كنت صغيراً أمام الألم العظيم الذي ألحقه أولئكَ السفلة بعائلتي.

خرجوا يتضاحكون فرحين بصيدهم كأنهم أعادوا للوطن أرضاً سلبها العدو.

تمر الأيام والشهور ثقيلة سوداء ووالدي في المعتقل. إلى أن فاجأنا ذات فجر، وبغفلة من الزمن.

طرقات الباب المألوفة أفزعتنا أول الأمر. لكنها كانت دقتين ثم دقتين ثم ثلاث دقات متوالية، هي دقات أبي، انتفضت أمي واقفة وكان قلبها دليلها:

- هذه دقة أبوكم. كانت تعرف إيقاعَ يده على الباب. بل كانت تعرف إيقاع نَفَسهِ ومشيتهِ ونسيمَ عطره قبل أن يصل الباب فتعرفُ أنه قادم.

قال لها جدي وكان يقيم عندنا منذ اعتقال والدي: هل تحلمين يا ابنتي. أبوهم راح. ما عاد يرجع. اللي يروح عندهم ما يرجع منهم.

- لا يا عمي. هذه دقة أبوهم. أبوهم طيب. هذه الطرقات لا يطرقها أحد غيره. قالت أمي وركضت نحو الباب، بكلتا يديها فتحته على مصراعيه وشهقت غير مصدقة، كاد يغمى عليها، تمايلت وكادت تقع. إلا أنها تماسكت واستندت بأكرة الباب، لم تصدق بادئ الأمر. لكنها صدّقت حين صافحت عيناها زرقة عينيه وخصلة الشعر الملقاة على رصيف جبينه.

بقيت واقفة لا تريد أن تحرم نفسها متعة المفاجأة.

تراجعتْ قليلاً لتفسح له. ولكن لا. عليها أن تحتضنه. كان أشبه بسفّان محطم الأشرعة هزمته الأمطار والرياح. كان جدّي وإخوتي صامتين بلهفة. خشينا أن تبددَ الكلماتُ فرحتنا وتحوِّلُ كلَّ ذلك إلى سراب. لكن أمي ما استطاعت كبحَ جامحِ شوقِها. نفرت الدموعُ من عينيها، نادته باسمه وانهارت على صدره مثل غيمة أثقلها وجع الماء.

احتضنّاه بشدة وشوق، جدي وأمي وإخوتي وأنا. لحظاتٌ من الذهولِ والفرح ظلت فيها والدتي تجيلُ نظرها في جغرافيةِ وجهه تتهجاهُ بأصابعها غير مصدقةٍ أنه عاد وأنها تراه ثانية. فما نعرفه أن الموتى لا يعودون.

من كان يصدِّق؟ أفرجوا عنه! قالوا ثمةَ عفوٌ صدر.. ضرباً من المحال كان ذلك بالنسبة لنا. لا بد أن خطأً ما قد حصل في حساباتهم، كانت الأخبار تنتقل شفاهاً عند مطلع كل فجر، تُنبـِئنا أنه أُعدمَ وتمت تصفيته مع رفاقه في سجن تدمر.

انتبه والدي إلى حجم الفزعِ الذي يغطي وجوهنا برجوعه المفاجئ. اعتذر عن مجيئه عند الفجر، كان يعلم أنّه وقت خُصص للغدر. وقتٌ ترجفُ فيه ضرباتُ القلبِ عند كل دقة باب. تذوب فيه نثراتُ الروحِ عند كلِّ ضربةِ كابح. وقتٌ اتفقت عليه الدول العظمى أن تُنصبُ فيه المشانقُ للأبطال والقادة؟

تجمّعتُ في حجر أبي دون أن أنبسَ بكلمةٍ واحدة، أستمع إلى غصاتِ قلبه المكتومةِ وحفيفِ أنفاسه. أسرّح بأصابعي الصغيرةِ خصلاتَ شعرهِ الرمادي الكثيف. سألني وهو يلمح بقايا دمعٍ ورعاشَ خوفٍ بين أهدابي إن كنتُ قد بكيت في غيابه؟ قلت وعيناي مخضبتان بالدمع:

- لا يا أبي.. الرجال تدمع عيونهم. لكنهم لا يبكون. ثم احتضنته.. وبكيت.

      الرقة (2005)                                                       

كلمات مفتاحية